قَتَلَ الدوقُ "كرول هارت". حقيقةٌ قصيرةٌ ولكنها صاعقة، زلزلت العالم البشري بأسره.
كان يكفي مجرد انكشاف الأمر ليثير الضجيج، غير أنّ الحشود استشاطت غضبًا حين أدركت أنّ موت الدوق الذي جُعل في ثوبٍ من الزينة لم يكن إلا خدعة. فإذا بهم، وقد انكشف لهم الزيف، أشدُّ سخطًا من ذي قبل.
وفي لحظةٍ واحدة، هوى اسمٌ كان يعلو في السماء بغير حدٍّ إلى الهاوية، وسقط سقوط "ديون هارت".
"الدوق؟! بل هو دنسٌ أن يُسمّى دوقًا. لو قُتل مرتين لما كفاني. لقد دنّست فمي حين مدحته يومًا. أشعر بالقذارة."
"إن كان ذلك حقًّا، فأنت مجنون. معناه أنّ المذنب وراء هذه الفتنة هو (ستايف إيلّوستر). أيُّ وقاحةٍ هذه؟! ألم يُطعَن أصلًا؟!"
"وكيف لي أن أفتّش صدور الأشرار؟ بل السخرية أن نتحدّث عن ضميرٍ عند قومٍ كهؤلاء."
كانت الأخبار التي وصلت إليهم شديدة التبعثر، فلا يُقال بيقين إنّ "الدوق هو القاتل". وبما أُذيع، فإن خطايا ديون هارت ما تزال أعظم.
لكن، هل يهم الأمر؟
فاسم ديون هارت قد تمزّق منذ لحظة عودته إلى عالم الشياطين، وصار رُكامًا، فلا حاجة لمزيدٍ من الطعن. في هذا المقام، غدا اسمُ رجلٍ كان يُزيِّن القلوب صيدًا ثمينًا؛ فانقضّت العامة عليه لتُفرغ ما راكمته صدورهم من غيظ.
وكانت نازلةً مُرّة لرجلٍ حاول أن يرفع قدر الدوق.
غير أنّ وسط طوفان العاطفة، أطلّ صوت العقل بخيطٍ من السؤال:
"ألم يكن (كرول هارت) من أتباع الدوق؟ وقد كان بطلًا رسميًا في عيون الإمبراطورية... فلماذا قتله إذًا؟"
"الأمر بيّن! لقد حال الأخ الأكبر دون قتل الدوق لأخيه الأصغر. فكان عقبةً أثقلت صدره."
"بشاعة أن يُؤمَر بقتل أخيه الأصغر لمجرد أنه أزعجه... لكن، قبل ذلك، ما الذي دفع الدوق لاغتيال ديون هارت أصلًا؟"
"آه، أعلم شيئًا عن ذلك. آنذاك كانت طبقات النبلاء الإمبراطوريين منقسمة بين فئةٍ ملكية وأخرى أرستقراطية. وديون هارت كان رأسَ الفئة الملكية، والدوق قائدَ الفئة الأخرى."
"فانجرّ الأخوان في صراعٍ سياسي. قَدَرُ عليةِ القوم... تفو."
وسرعان ما وجدوا جوابًا يرضيهم، وكأنّ الفهم قد استقرّ بينهم. فما حاجتهم إلى الحقائق أصلًا؟ هم لم يريدوا سوى لقمةٍ يلوكها لسانُ الغضب، حتى لو تُركوا وشأنهم لاختلقوا عذرًا آخر يبررونه.
وفي ظلّ ذلك، شدّ الرجلُ المُتلفَّع بالرداء قبضةَ قلنسوته، وانفرجت شفتاه بابتسامةٍ خفيّة، نصفها مكنون تحت ظلّ الغطاء.
"لعلّ هنالك علّةٌ أخرى مستورة، غير أنّ هذا التفسير كافٍ الآن."
"النبلاء؟! قومٌ لا يُفهم لهم مغزى! يملكون ما يكفي من سلطان، فما حاجتهم إلى مزيد؟ ... لكن من هذا الغريب؟"
"مجردُ عابرِ سبيل."
أمال الرجل المُقنَّع رأسه قليلًا، يُقلب النقود بين أصابعه كأنّه يُحاسب نفسه. تسللت خُصلٌ خضراء من بين طيّات القلنسوة. كان في نبراته نَفَسُ الأرستقراطية، وفي حركاته أناقةٌ لا تخفى، كأنّ كل التفاتةٍ منه تُعلن نسبًا رفيعًا. فكيف يجلس مثله في هذا المكان المُبتذل؟
أيمكن أن يكون من سلالة النبلاء؟ ساد الصمت. الرجل الذي مازح قبل قليل قائلاً إنه لا يفهم النبلاء، تجمّد مكانه، وارتجفت عيناه، وقد ابتلّ ظهره بعرقٍ بارد.
وبينما بدا المشهد للوهلة الأولى مرعِبًا، إذا بالرجل المُقنَّع يُسقط ما تبقّى من نقود في جيبه ويقول في سكينة:
"هل لي بسؤال؟"
"ماذا... ماذا تريد؟"
"سمعت أنّ وحوشًا كثيرة احتشدت هنا. أهذا صحيح؟ وإن كان كذلك، فأين موضعها بالضبط؟"
"بلى! صحيح. خلف أسوار القلعة، في الجبل الأيمن، ازدحمت بأعدادٍ رهيبة! نحن بالكاد نصمد، وأخشى أن ينكسر الحاجز عمّا قريب."
"حسنًا... إذن جئتُ إلى المكان المنشود. شكرًا لإخباري. وهذه مكافأة."
طنينٌ قصير، وإذا بقطعة نقدٍ تتطاير، قبض عليها الرجل بلا وعي، وبقي يحدّق في المُقنَّع وهو ينهض. خُصل الشعر الأخضر تحت القلنسوة أيقظت في ذهنه شيئًا... مألوفًا، رغم أنه يراها لأول مرة.
''...مستحيل.''
تذكّر الشائعة في تلك اللحظة. ومنذ سؤاله عن الوحوش، استبدّ به الظن حتى لم يملك نفسه، فناداه بحذر:
"إلى أين... تمضي؟"
"إلى حيث تسأل أنت. سأصطاد الوحوش."
"آه...!"
أنى لإنسان أن يتوجه بنفسه إلى وكرٍ يموج بالوحوش؟!
لقد أيقن: هو صاحب الشائعة! ففتح عينيه على اتساعهما.
بطلٌ ذو شعرٍ أخضر، يلوح فجأة في أصقاع القارة، يطارد الوحوش ويذود عن الضعفاء. لم يُعرف عنه إلا لون شعره، ولا يُعلم متى ظهر أول مرة. قيل إن طلعتَه أعقبت سقوط عاصمة الإمبراطورية بأقدام ملك الشياطين...
''إذن كان حقيقة.''
لم أُصدّق يومًا. بدا لي أسطورة من الحكايا، إذ كيف لبطلٍ أن يهيم بين القرى والبراري ليدحر الوحوش عن المستضعفين، في حين أنّ أبطال الواقع لا شغل لهم إلا الحروب، يذودون عن العروش ويتركون الناس العاديين نهبًا؟! فظننتها أسطورة نَسجها اليائسون ليجدوا في وهمها بصيص رجاء.
"حسنًا إذن."
ترك النقود عند موضع الحساب ومضى بخطًى واثقة.
اليوم ستُمحى هذه المقاطعة من خطر الوحوش. وقف القوم واجمين، يتأملون ظهره وهو يغادر. وكان ذلك ميلادَ حكايةٍ جديدة عن "البطل الجوّال".
خرج "ستيغما بريميرو" ورفع بصره نحو السماء. زرقة السماء انطوت على عيونٍ بُنّية تحدّثه. وانفلت صوته بخفةٍ ممزوجة بالضحكة:
"ما أجمل الطقس اليوم."
حتى أنني أكاد أبغض جماله. كم مرّ من الدهر منذ أن بلّلنا المطر؟
لعلّ السماء قد غضبت لما أُريق من دماء على هذه الأرض. وفي لحظة ما كفّت السماء عن البكاء.
الأودية والأنهار أخذت تضيق، والبرك قد جفّت. الأرض تشققت، وامتلأت مسامها بدمٍ استعصى على الغسل، فأبى أن يُنبت زرعًا.
الموتى من الحروب ومن الجوع الذي خلَّفته سنين القحط تكاثروا، حتى كادوا يتساوون عدداً، وذاك أمر يفوق الاحتمال. أطلق "ستيغما" نقرةً خفيفة بلسانه، وخفض بصره.
"بفضلك، أبصرتُ المشهد واضحاً."
السماء النقيّة، الخالية من غيم، انعكست على الشاشة بصفاءٍ مذهل. وبفضل ذلك، استطاع ستيغما أن يتابع المشاهد جميعها دون أن يُفوِّت تفصيلاً واحداً، حتى ملامح "ديون هارت" وهو يجلس على طرف الشاشة وتغيّر تعابيره الدقيقة.
"كنتُ قد عقصتُ شعري."
ذلك وحده يشي بمرور زمنٍ طويل. أخذ ستيغما يتفكّر كم من الأعوام انصرمت منذ لقائه الأول بديون هارت، ثم حوَّل وجهة خواطره.
"ألستَ قد قلتَ دان بدل غيره؟"
اتسعت عيناه داخل عباءته وهو يستعيد ذكرى المنتصر وبطل تلك المعركة الكلامية.
"أفصحتَ عن الحقيقة بجرأة..."
ولم يأتك اللوم بعدها، على ما يبدو.
قد حاول إخفاء ملامحه، لكن عينَي ستيغما لم تخفَ عنهما الحقيقة. بدا الارتباك على ديون، حين أفصح ذلك التابع الجريء بأن الدوق هو من قتل "كرول هارت".
لقد كان أمراً طارئاً لم يُدبَّر له، فعلاً اتخذه بمحض إرادته دون كلمة واحدة...
''هذا مذهل.''
تردَّد صوته الخفيض في الأجواء، محمَّلاً بإعجابٍ خفيف.
"يبدو أنّ لك سُمعةً يا فتى... لقد حظيتَ بأتباع أوفياء."
ليس من الهيّن أن يملك المرء تابعاً يغامر بنفسه في سبيله، في عالمٍ يزخر بالخونة. فالمقام الذي يقف فيه ديون هو مقام ممثِّل لعالم الشياطين، وأيّ خطأٍ فيه يعني سقوط الرأس في ذات اليوم. حتى تنفيذ الأوامر وحده كافٍ ليُرهق الأعصاب ويفتّت القلب. ومع ذلك، آثر "دان" أن يخوض مغامرة في سبيل ديون هارت.
"أم تراكَ أنت صاحب كفاءة فذّة؟"
على أي حال، استحق تابعه التهنئة. لم يكتفِ بالفوز في جدالٍ كلامي، بل حتى وهو واقفٌ ممثلاً لعالم الشياطين، لم يتعرّض للذمّ من الناس بقدر ما توقّعوا.
لقد كان الأمر يستحق. استأثر الدوق بأغلب الأنظار، بينما شرع الآخرون يتساءلون: هل ينضمون لعالم الشياطين أم لا؟ ولو باع ديون تابعه دان في تلك اللحظة، لتعقّد الوضع حين عودته.
"إن استمرّ الأمر هكذا فلن تمضي إلا برهة حتى ينهار عالم البشر."
ثم تمتم: "يجدر بي أيضاً أن أُهنّئ جونيوري على ما صنع."
لقد مُحيت تهمة اسمه، وغُفِر لكرول هارت ـالذي أرسله إلى عالم الشياطينـ بدعوى أنّها كانت "محاولة أخيرة يائسة لحماية أخيه الأصغر". وفي الوقت ذاته، تحقق الهدف الأول: الانقسام بين البشر بات قريباً.
حدَّث نفسه: "كنتُ أنوي لقاءه في النهاية، لكن يبدو أنّ اللقاء قد يقرب أوانه."
ابتسم ستيغما، وقال في سرّه:
''امضِ قدماً يا فتى... لا تتردد.''
كان يقولها له، ومن أجله.
فهو يعلم من أسرار "الخطيئة" و"العواقب" ما يجهله غيره، إذ ورث عن السابقين علماً بتفاصيل التاريخ الصغيرة، لا بتلك الأطر العظيمة من حروب ومعارك، وإن كان يعرفها كذلك. إنما تخصّصه كان في يوميات الماضي، كالأغاني الشعبية الموروثة.
''أتدري أنّ لأنشودة (موعظة الموت) بيتاً ثانياً؟ بل، هل سمعت بموعظة الموت ذاتها؟''
الناس يعرفون كلمات البيت الأول ولحنه، لكن لا البيت الثاني ولا العنوان. ضاع كلاهما عبر تناقل الألسن. غير أنّ ستيغما عثر على كتاب يخصها، فجمع منه ومن أساطير أخرى خيوط معرفة جديدة.
فقال:
''إذن، اسمح لي أن أُسدي لك نصيحة. إن قُدِّر لك أن تخطئ، فلتكن خطيئتك أعظم من خطايا البشر جميعاً.''
فهذا لصالحي وصالحك معاً.
ثم راح يمشي وهو يدندن بالشطر المنسيّ من أغنية قديمة، عابراً حُرّاس البوابة الذين نصحوه أن يترك لهم خطر الوحوش، فهو شديد، لكنّه مضى قِبَل الجبل.
الآن هو وقت المجد.
لو سألني أحدهم: "أتعود إلى الإمبراطورية؟" لأجبتُ دون تردّد: "لا عودة."
فأن أكون "بطل القارة" و"بطل عالم البشر" أرفع شأناً من لقب "بطل إمبراطورية تحتضر."
وفيما يموت الناس بالعشرات، ونبلاء الإمبراطورية يتناقصون، تخلّى ستيغما عن ألقابه، وآثر أن يُخلّد كبطلٍ أسطوري.
''ظننتُ أنّ كرول هارت مات، وأنني بقيتُ وحيداً.''
ـــــــــــــــــــــــ
رغم ادعائه اللامبالاة، ظلّ ملك الشياطين يراقب المشهد حتى النهاية.
كان واضحاً أنّ دان لم يقف عند حدود ما أُمِر به، بل عزم على غيره. لذا وجب الترقّب لما قد يقع منه من حادث، خيراً كان أو شراً.
فانتهى به الحال أن يقول: "معلّمنا المرتقب ذو باعٍ عظيم."
وانحنت عيناه بابتسامة خفيّة.
تساءل في نفسه: هل أسر جمعٌ من البشر قائد الفيلق وصاروا معه؟ أليس ذاك الإنسان الذي جاءوا به يجازف بحياته في سبيل ديون هارت أمام العيان؟
يبدو أنّ لديون هارت قدرة عجيبة على اجتذاب الغرباء والمجانين.
"الآن فهمتُ أنّه لم يجاهر إلا لمصلحته."
ومهما بلغ الجهل، فلا بد أنّه أدرك: أنّه لم يعُد وحيداً.
الوحدة تنقشع حين يوقن المرء أنّه ليس وحده، مهما قلّ من حوله.
ابتسم ملك الشياطين بأسى: "إذن، لستَ وحيداً بعد اليوم يا ديون."
وما جرت العادة أن يُؤتى بالبشر إلى عقر دار الشياطين، بل أمكرُ من ذلك أن يُنشئ المرء قوته الخاصة هناك.
توهّجت عيناه بلمعانٍ مريب ذكّره بدان وفرسان العُلا، فتوقفت خواطره لحظة، ثم لان مزاجه فجأة.
"ومع ذلك... ليس هذا بالأمر السيّئ. فليكن."
لأن الميل خيرٌ من الانكسار.
ولم تخمد بعد رغبته في مراقبته.