"افعلها الآن...!"

ذلك الصوت الذي كان يعلو كأنّه مشفوع بالدمع، انقطع فجأة.

أردال، وقد أدرك أنّ خصمه هو الإمبراطور، أغمض عينيه وفتحهما ببطء ليكبح جماح مشاعره، ثم خرج صوته أهدأ:

"أتعدّ هذا جوابك الآن؟ ما أجرأك!"

قال الإمبراطور: "لم يكن سوى سؤال بسيط، فما الذي يمنع الثقة؟"

فابتسم أردال ابتسامة شاحبة: "هاه... أترى؟"

لكنّه لم يكن سؤالًا بسيطًا.

بهذا السؤال، أراد إيلبيديوس أن يُظهر أنّ ثأره أعظم من مُلكه، وأنّ الكلمة ضغط وامتحان: أتنقادُ لإرادتي في صمت، أم تُخاطر وتصدّ الإمبراطور؟

قال أردال: "ما سألتني طمعًا في الجواب، فلقد عرفتَه سلفًا. فأنت تدرك ميولي حقّ الإدراك."

ثم أضاف بجلَد: "ومع ذلك، لو كان لا بدّ من جواب، فنعم. سأُسقطك. أليس طبيعيًّا أن يُعزل إمبراطور إذا قصّر في واجباته؟"

تحت وطأة التهديد والتلويح، لم تهتزّ عيناه.

"في ذروة العرش يجب أن يجلس من يخدم الوطن قبل نفسه. تلك عقيدتي. فاطرح إذن عنك هذه الخواطر الحمقاء، وأخلص لهذه الأرض في صمت. وإن لم تقدر على ذلك، فلتتنحَّ بنفسك قبل أن نُنزلك نحن."

تجرّأ الوزير الأعظم أن يهدّد بيتين من بيوت الملك.

فضحكت ألِيثيا باستهزاء، وقال إيلبيديوس وفي نبرته مرارة ممزوجة بالسخرية:

"ما أوقحك! أتقول مثل هذا بين يدي الإمبراطور؟ خير لك أن تُسقط من ذهنك وهمًا بأنّ عطف الإمبراطور سيحميك."

فردّ أردال ببرود: "متى تصرّفتُ متهوّرًا متكئًا على ظلال الإمبراطور؟ إنما أبديتُ رأيي فحسب. ولن يحتاج جلالته أن يقلق بسببي لا الآن ولا غدًا. وإن ضاق صدره من لهجتي، فليعزلني. لكنّي أرجو ألّا يُهينني بمثل هذا."

قال الإمبراطور بعد صمت: "حسنًا... قد فهمت قصدك."

مال بجسده على ذراع كرسيه، مسندًا مرفقه، فيما جلست ألِيثيا على الذراع الآخر والسيف في يدها، ثم رمقت الوزير بصمت. وظلّت على وجههما ابتسامة ساخرة.

قال إيلبيديوس: "أولًا، لستُ أعزم على طردك. فلن نجد ندًّا لك في الكفاءة. ولكن... لن نسير وفق هواك. إن وقفت واثقًا، فهذا حسن، لكن هل خُيّل إليك أنّ الابتزاز يُجدي معنا؟"

كان تهديد الوزير ابتزازًا بيّنًا، وقد أدرك البيت الملكي معناه لحظة سمعوه.

نهضت ألِيثيا بخفّة، وأخذت تدور حوله في دوائر وئيدة كسبعٍ يطوّق فريسته، ثم قالت بهدوء:

"ومع ذلك، وفي زمنٍ تضجّ فيه الفتن في الداخل والخارج، لن يزيد السيّد الاضطراب اضطرابًا بعزل الإمبراطور. فهو أردال، الذي يخدم المملكة أكثر من أيّ أحد."

ثم أردفت: "ولو قُدّر أن يُغيَّر، فلا بدّ من خليفة يُواصل العرش في استقرار. وأنا وحدي القادرة على ذلك، وإني على بيعة جلالته، فلا أتحرّك على إرادتك."

قال لها الإمبراطور مبتسمًا: "لسنا في مجلسٍ عام، فناديني بما تشائين."

قالت: "نعم، يا أخي. ثم إنّك تعلم، وأنت أقرب المقرّبين، أنّه لا وريث شرعي غيري. إذ حين اعتلى جلالته العرش، أباد سائر إخوتي وأخواتي وأبناءهم جميعًا."

لقد سُدّت منافذ الفرار سلفًا، فما نجا منهم أحد.

وساد صمت الوزير، لكن صوت ألِيثيا الجهوري ظلّ يتردّد:

"قد يوجد في زاوية ما فرع بعيد، لكن لو جُعل مثل هذا الغريب على العرش، لجلب ذلك اضطرابًا وانقسامًا بين النبلاء أنفسهم. وهو خطر يتهدّد كيان المملكة، فلن يختاره أردال."

ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت: "إلا إن كنتَ عاجزًا عن التقدير... وإلا، فنحن جميعًا بارعون في أمر واحد، أليس كذلك؟"

وضحك الاثنان سخرية، لأنّ تهديد الوزير بدا مثيرًا للشفقة.

جلست ألِيثيا من جديد على مسند العرش، فمال إيلبيديوس إليها وقال:

"وقد قال الإمبراطور كلمة."

سكت لحظة ثم تابع: "قال: الحِمل هو المملكة."

ارتجف أردال، وجمدت ملامحه. فأطلق إيلبيديوس ضحكة مُرّة، وقال:

"فلا تجترئ إذن على مشيئتي. ولا تَنْسَ أن تُحيّي جِيم."

"..."

"...انظر إلى حال الإمبراطورية."

حتى حين أحدث نفسي، لا يسعني إلا أن أسخر من ذاتي. لقد قال عمي تلك العبارة ليعني أنّه سيتعامل مع الإمبراطورية كأنها جسده، أما أنا فأقولها مضطرًّا لحمل إرادتي وحدي. فما الفرق إذن بيني وبين سائر الجبابرة؟

أدرك أنني أنزع عن الكلمات معناها النبيل، غير أنني لا أنوي التراجع عنها. رمقت وجه الوزير الأعظم وقد تشوّه بالامتعاض، ولم أستطع كبح صرخة ضمير أخيرة فانطلقت:

"ومع ذلك، أعزم أن أسير على وصية الإمبراطور، فأجعل بقاء الإمبراطورية شغلي الشاغل، فلا تقلق كثيرًا."

"...تقول إنك ستكتفي بالمحافظة عليها؟ كان الإمبراطور ليبتغي إمبراطورية أصلح لا ثأرًا أجوف."

"..."

كنت أعلم أن الأمر سينتهي إلى هذا. ولهذا لم أرغب في البوح به. تنهد إلبيديوس بعمق.

انظر كيف يبدّل نبرته من التهديد إلى الإقناع في لحظة، كأنما كشف أوراقي. وإذ شعرت أنّ الجدال مع هؤلاء الأذكياء لن يجرّ عليّ إلا العناء، سارعت إلى تبديل دفة الحديث قبل أن يجرّوني إلى فخ حججهم.

"أما زالت أخبار ستيغما بريميرو متوافرة؟"

"..."

ضاق الوزير بعينيه، متوجسًا من تحوّل الحديث، لكن إلبيديوس تظاهر بعدم الاكتراث، والتقت عيناه بعينيه. وبعد صراع قصير بين الصمت والنظرات، كان أردال أول من تراجع، متنهدًا بخفة:

"نحن نتعقب أثره."

إذن، يكفي الآن أن نطمئن لوجود فسحةٍ تُتيح مجالًا للإقناع.

صحيح أن حسم المسألة سريعًا أجدى، لكنه ليس أمرًا لازمًا. فما زال في العمر متسع لمحاولة أخرى. ولم أعلّق آمالًا عريضة أصلًا، فالثأر لا يُمحى بكلمات عابرة.

رتب أفكاره، ثم أردف:

"ترددت تقارير عن ظهور البطل ذي الشعر الأخضر في أنحاء القارة، فلن يصعب تتبعه..."

"لكن إن آثر خصمٌ يحمل لقب (بطل) الهرب أو التخفي، استعصى علينا القبض عليه. ما الداعي إذن لأن يفعل ذلك، في وقت نحن فيه أحوج لكل جندي؟..."

إن ستيغما بريميرو مفقود الآن.

ومن يغيب أثره في قارة تموج بالحروب، لا يخطر بالبال سوى الموت. ومع ذلك، كان إلبيديوس واثقًا من بقائه حيًا.

فموته لم يُثبت بعد. ومن ذا الذي يقدر على إزهاق روح "بطل"؟ لا يفعل ذلك إلا بطل مثله، أو ملك للشياطين، أو قائد جيوش عظيم. ولو كان بينهم صراع، ما خفي خبره، بل دوّت ضجته، ولم يكن ليكون قتالًا صامتًا. لذلك لم يكن أمام الكفة إلا أن ترجح بجهة "النجاة".

ثم إن الشائعات تلهج بذكر بطلٍ أخضر الشعر، يهيم على وجهه في القارة.

بقي السؤال: لِمَ الرحيل إذن؟...

"حال لقائنا، سيُفتح الكلام بيننا."

"ومع ذلك، أحمد الله أنك انسحبت تاركًا خلفك فرسان بريميرو."

"لقد قُتل نصفهم، وما تبقّى كان ضئيلًا."

ولأننا نطاردهم بإصرار، فلا طاقة لنا بأكثر من ذلك، إذ يجب علينا حفظ ما تبقى من العساكر.

وبينما يقلب إلبيديوس الوثائق بأنفاس متثاقلة، وقعت عيناه على عنوان إحداها، فهتف وقد خطرت له فكرة:

"آه... كان عليّ أن أسألك منذ زمن."

"...؟"

"هل تعرف شيئًا عن (الديمونية)؟"

"على حد علمي، هي ديانة دَخيلة مشؤومة، تنتشر بجنون في الآونة الأخيرة..."

"لقد أخذت تجتذب رعايا الإمبراطورية."

وعن أمر هذه "الديانة الزائفة"، نقرت بأصابعي على الأوراق. فتحت أليثيا بعض الوثائق، وألقت عليها نظرة، وقالت:

"لا وجود لخيرٍ محض في هذا العالم، ولا لخيرٍ زائفٍ مطلق كذلك. وإنّ تصوّر الناس لها على أنها صورة مفرطة من الإيجابية، معناه أنهم يقابلونها بالشر، لذا لعلّ التعمق في حقيقتها وسيلة لكبحها."

"أتفق معك."

هكذا كان يقول الدوق دومًا.

إن بدا لك شيءٌ مطلق في الخير أو الشر، فاعلم أنه باطل. وكان ينصح الناس بالحذر ممن يُدعى "الخير"، لأنّ وراءه وهنًا شديدًا.

ورغم أنه اشتهر بواقعة جعلت الناس يعدّونه فاسدًا، إلا أنه لم يكن بالسطحي الذي يُهمَل رأيه.

فأصدر إلبيديوس أمره:

"سمعتَ يا وزير؟ فلنتقصَّ أمرها."

"أمرك."

حتى لو لم تكن تلك "الديمونية" نفسها، فقد كانت أمرًا يثير فضولي.

ترى... أكان اسم "ديون هارت" مشتقًا من "ديمون آروت" الذي يتداول في عالم الشياطين؟ عندها لمعت عينا أردال ، وأقسم أن يغوص في البحث هذه المرّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما البطل الذي تغنّت به "الديمونية"، فقد كان ممددًا على أريكة.

إذ قبض عليه الشيطان، وجرّه قسرًا إلى مرسمه، عازمًا أن يلقّنه فنّ الرسم.

وبينما كان ديون يحاول التعبير عن استنكاره للفكرة بوجهٍ عابس، طلب من أحد أتباع الشياطين أن يحمل له أصيصًا من غرفته، ثم تمدد على الأريكة محتضنًا إياه كمن يحتج. فأثار المشهد ضحك ملك الشياطين، الذي أمسك بالفرشاة، وجلس أمام اللوحة قائلًا إنه سيرسمه أولًا ليريه المثال.

رمقه الملك بنظرة عابرة، فرآه يُدلّل الزهرة بين ذراعيه بسلام نادر، ثم بدّل فرشاته، وقال:

"لأنه بطل، فلا شك أن فيه موهبة، لكن يبدو أنه لا يكترث لهذا الأمر أيضًا."

"أجل، فما...؟"

"مخيب للآمال قليلًا. لو انخرطت في الفن، لصنعت أثرًا يخلّدك في التاريخ."

"...أتراك تنوي تعليم الفن أساسًا؟ وعلى أي أساس؟"

"سواء أكان شاعرًا، أم مؤديًا، أم رسامًا، فإن الأعمال التي تبقى للتاريخ عادة ما تُولد من رحم الشقاء. سواء كان صاحبها بطلًا أم لا، فالأمر سيّان."

"..."

شدّ ديون على برعم الزهرة الغريب، كأنه يمسكه بين إصبعيه، فارتجّ احتجاجًا، ولوّح بجذعه، لكنه لم يُعره بالًا.

ساد الصمت، حتى انسكبت في الفراغ نغمة صوتٍ رقيق، في موضوعٍ بعيد عمّا كانا يتحدثان عنه:

"ألم يأتك نداء من عالم البشر بأن تنضم إليهم؟ آن الأوان أن يتواصل معي واحد أو اثنان على الأقل."

"لقد تواصلت معي مملكة صغيرة تدعى تايهونغوك ."

"مملكة تايهون؟ تلك في الجنوب، عند الحدود. لا بأس... لكن ألم يكن بين توابع دولة شان من يتواصل بعد؟"

"ليس بعد."

"كنت أراهن على سانغو ... لكن الأمر فاجأني."

آه! لقد عضّت النبتة إصبعي.

ماذا؟! لم يكن دم، لكنه عصيان صريح. اتسعت عينا ديون دهشة من احتجاج نباته الأليف لأول مرة.

"يبدو أن مملكة الجبال رتّبت أمرًا مسبقًا. لكن ما زال الوقت مبكرًا، فلننتظر قليلًا. فحتى لو تأخر، سيأتيك النداء، أليس كذلك؟"

"ربما نحتاج إلى أمرٍ أشد حسْمًا."

"لقد أفصحت أصلًا عن كونك بطلًا. وهل هنالك حدثٌ أبلغ حسمًا من هذا؟"

"ذاك أقرب إلى سوطٍ، أما ما قصدته فهو الجزرة. خذ مملكة تايهون مثالًا، أظن قرارها اعتمد على سلوك الشياطين الذين جابوا الممالك عند تأسيس الحدود. كانوا هادئين آنذاك."

لقد أجّلوا إعلان موقفهم لأنهم أرادوا التنقّل بين العالمين للهو والمتعة. بل تعاهدوا فيما بينهم أن يحافظوا على سكونهم لئلا ينكشفوا بجريرة حادثة.

كانت يده تعبث بالنبتة حين أخذت تتحرك بشغب.

"كواك كواك! تسك تسك تسك!"

"...ماذا تصنع؟"

"لا شيء، هكذا فقط."

2025/09/30 · 27 مشاهدة · 1498 كلمة
نادي الروايات - 2026