اتّسعت عينا ديون بدهاءٍ ماكر.
أما ملك الشياطين، الذي بدا كمن اعتراه شيء من الحيرة، فقد حاول أن يمضي في الحديث دون أن يعلّق، ثم صرف بصره إلى اللوحة أمامه، وعاد إلى أصل الموضوع.
قال: "أفهم قصدك، غير أنّ الأمر عسيرٌ الآن."
فأجاب ديون بابتسامة ساخرة: "ليس ثمّة ما يقلق. تستطيع أن تُسقط مملكة أخرى. وإن لم يكفِ، فاسحق بضعًا غيرها."
قال الملك: "ألن يكون كل شيء قد غُلب قبل أن يهدأ الناس؟ سمعتُ أنّك تستعمل سياسة العصا والجزرة؟"
فأجابه: "سواء جزرة أو عصا، المهم أن تُحصِّل ما تريد."
ضيّق ديون عينيه، وأخذ يُداعب بأصابعه سيقان نبات غريب وأوراقه التي نبتت بلا نظام. فضحك ملك الشياطين ضحكة قصيرة جوابًا على تلك الضحكة الماكرة.
قال الملك: "طباعك خبيثة."
فأجابه ديون: "تعلمتها منك."
قال الملك: "لقد صرت أجرأ مما كنت."
قال ديون: "وذلك بفضلك أيضًا."
قال الملك: "كانت التربية الأولى خطأ."
فأجابه ديون: "فات وقت التربية الآن."
فالملوك والأبطال في أصلهم سواء.
قال ديون ساخرًا: "وبصراحة، أنت لا تتأذى من ذلك."
فأجاب الملك: "صحيح. بل يعجبني أكثر الآن. أليس الأمر ممتعًا؟"
قال ديون: "طباعك خبيثة."
فأجابه الملك ضاحكًا: "طبعًا. فمن معلمك؟"
ساد الصمت مرة أخرى.
مدّ ديون يده برفق، ولمس بأطراف أصابعه برعم زهرةٍ لذلك النبات الغريب وقد غشيه سكون كالمستسلم، ثم وضع الوعاء على الطاولة المؤقتة أمام الأريكة. أما شعره، وقد تفرّق بعد أن مال برأسه على مسند الأريكة، فحلّ رباطه وألقاه بجانب الوعاء، ثم رمى جسده مُترهِّلًا بلا رغبة على الأريكة من جديد.
انبعث منه دندنٌ اعتاد عليه كأنما صار نصف عادة، يبدّد الصمت.
قال وهو يهمهم: "في زمنٍ غابرٍ نطق الموتُ وقال..."
فرفع ملك الشياطين رأسه فجأة، وهو يلهو بريشته، وقال متعجبًا: "غريب..."
"لِمَ لا تُغنّي إلا الشطر الأول؟"
فأجابه ديون: "الروح بعد الموت... نعم؟"
قال الملك: "منذ برهة وأنا أصغي إليك، ولا تُنشد سوى الشطر الأول."
فسأله ديون: "أفي ذلك بأس؟"
قال الملك: "لا، ليس الأمر كذلك."
نظر ديون إليه نظرة حادّة كأنما يسأله: أتريد أن تبدأ شجارًا؟
لكن ملك الشياطين لوّح بيده سريعًا وقال: "خطر ببالي فقط أنك ستُحبّ الشطر الثاني أكثر، ففوجئت بأنك لم تغنّه. أهناك سبب؟"
كان واضحًا أنّ المعنى قد اتّضح لديون، فرقّت نظرته قليلًا.
قال: "لأني لا أعرف سوى الشطر الأول. لم أعلم بوجود الثاني إلا حديثًا."
فأجابه الملك: "هكذا إذن؟ لا عجب، فهو لحنٌ قديم من تراث العامة، وما أكثر ما تضيع أجزاؤه أو تتغيّر مع الزمن."
فالذي يُنقل مشافهةً عبر الدهور إمّا أن يتبدّل أو يندثر بعضه. بل الأعجب أن يبقى محفوظًا كما هو. فلا غروَ أن يضيع شطرٌ كامل.
وفيما كان الملك يُومئ برأسه، خطر له خاطر.
"وهذا يعني... أنّك أنشدتَ هذا وأنت لا تعلم شيئًا؟ ولم تتأمل إلا في كلمات الشطر الأول؟ يا للعجب."
ابتسم في نفسه، كأنما رأى في الأمر بُعدًا آخر. فليُنجز المرء أمرًا بهذا الثِّقل، فلا بد أن يكون وعاؤه مختلفًا عن سائر الناس.
أفلا تخشى العواقب؟ ... بل لعلّك تنتظر عودتها.
وضع الملك ريشته، وأدار رأسه مائلًا، حتى التقت عيناه بعينين حمراوين تحدّق به. ثم ابتسم وقال بخبث لِخائن البشر وأعتى مجرميهم:
"أتريد أن أُخبرك بالشطر الثاني؟"
فأجابه ديون بتردد ضجر: "...نعم، هات ما عندك."
لم يزل الملك مبتسمًا، وأخذ يسترجع الكلمات.
كان الشطر الأول تحذيرًا من الخطيئة، أمّا الثاني فهو وصيّة لمن أذنب، أو اضطر أن يُذنب.
ولهذا لم يكن اسمه "تحذير الموت"، بل "موعظة الموت".
قال الملك: "إذن أنصت."
وانساب اللحن من فمه مكتملًا، كأنما عاد من زمن بعيد.
وكانت الكلمات هكذا:
"في زمنٍ غابرٍ نطق الموتُ وقال:
لا تخطئ. فما إن يحين أجلك حتى تنهار روحك تحت ثِقَل الذنوب. الهلاك دون قصاصٍ مَفرٌّ يسير. وكلّما عَظُم الإثم، تعجلت عاقبته."
{م.م: المفروض الترجمة تكون: كلما عظم الذنب تسارعت عملية التناسخ، ولكن فضلت أغيرها.}
وأضاف:
إن لم تجد سبيلًا سوى الإدانة، فافعل.
ارتكب خطيئة أعظم من جميع الخاطئين.
فما إن تفارق الحياة حتى تتفتت روحك وتضمحل، كي تفلت إلى الأبد من عقوبة آثامك.
هذا أقصى ما أستطيع أن أمنحك من رعاية.
"......"
صمت ديون. غير أن صمته لم يكن هادئًا كما كان من قبل.
"ارتكب خطيئة أعظم من جميع الخاطئين" ─ غنّى الشيطان الجزء نفسه مرة أخرى وكأنه يسخر. رمقه ديون بنظرة مواربة لا تُفصح عما يفكر به، ثم رتّب أفكاره بهدوء.
(أفهل يعني هذا أن الإفراط في الذنب يتيح الإفلات منه؟)
لقد فهمت الآن لماذا ضاع البيت الثاني.
كي يظل النشيد الشعبي مشهورًا كان لابد أن يُحذف. فلا يمكن تربية الناشئة على الجريمة، لذلك حذف الآباء الاسم صونًا لمستقبل أبنائهم، ثم اندثر البيت مع الوقت.
"...حتماً."
فتحت فمي ببطء.
كان ملك الشياطين يركز نظره مترقبًا ردّي، أما ديون فابتسم بفخر.
"أحب الشطر الثاني أكثر. هذه كلمات عجيبة."
"...آه؟"
بعد لحظة من الخيبة أشرق الشيطان بابتسامة واسعة.
أي رد كنت ترجوه أيها المنحوس؟ كتم شتيمته وشدّد ملامحه التي كادت تتشوّه.
"أجل، أليس يوافق تمامًا حالي الراهن؟ لست أعلم إن كان له صلة بالواقع."
"ما مت قط، فلا أدري أصِدق هو أم وهم. لكنه نشيد شعبي أقدم من عمري. سواء كان قديمًا فصار له قيمة، أم بقي لقيمته، فكل قديم له وزنه."
"...أتقصد أن الكلمات حقًا صادقة؟"
"قلت لك، هم لا يدرون إذ لم يموتوا بعد. ومع ذلك فجدير بالإنسان أن يصغي مرة واحدة على الأقل."
حسنًا...
تتقاطع كلمات النشيد مع واقعي، تخبر العالم أني سأجعلهم يندمون لاختياري، فينتابني شعور غريب، لكن يكفي.
لا يهمني أأعاقَب بعد موتي على ما ارتكبته من ذنوب أم لا. أنا الذي لا يعيش إلا للحظة؛ ما يعنيني هو اليوم. بين واقع يطبق علي الآن وماض يخنقني، أتشبث بالأنفاس التي كدت أفقدها مرارًا. أتراني أجد وقتًا لأفكر في الغد؟
لو كنت أحسب للذنب وزنه وللعواقب حسابها منذ البداية، ما كنت لأفعل ما فعلت.
"حسنًا."
أجبت بفتور واستدرت.
تركت صمت ملك الشياطين خلفي وتمددت على الأريكة... لكنها كانت أضيق مما تخيلت، فاستدرت مرة أخرى.
"على ذكر ذلك، أتنام هانئًا بلا كوابيس هذه الأيام؟"
"نعم؟"
ثم انزلقت عن الأريكة الضيقة.
"؟!"
تفاجأت لحظة، لكني لم أرتطم بالأرض الباردة.
إذ لا أدري متى اقترب الشيطان مني، مددت ذراعي فالتقطها.
كان ديون يحدق في ملك الشياطين بعينين مطرقتين، ثم عبس قليلًا كمن أدرك الموقف متأخرًا.
"...الأريكة ضيقة."
لم أخطئ بغباء.
"ذاك لأنها أريكة."
"من أجل هيبة ملك الشياطين، أرى أن تُستبدل بأوسع منها."
"هذه أول مرة أرى فيها بطلًا يُبالي بكرامتي، أنا متأثر."
"...."
رفع ديون، بملامح مشوّهة تمامًا، جسده الذي كان الشيطان يسنده.
"حسنًا، الآن ارفع يدك عني. كان الارتفاع منخفضًا، وأنا بطل في الأصل، ولو سقطت لنهضت وحدي. بل لقد تمكنت من الاتكاء على ذراع واحدة..."
"إيه!"
"...لم تكن ذراعًا واحدة. حسنًا، شكرًا."
قلت إنه كان متوازنًا ومسنودًا، لكن كان ثمة أمر آخر.
أدركت متأخرًا الساق التي تسند رجلي وشكرتها بخجل. نبتة غريبة ذات ساق طويل يمتد من الطاولة لفّت أوراقها ورفعتها.
تشوّه وجه ديون بشعور غامض من هذه الحركة المألوفة وكأنه يرفع إبهامه. أما ملك الشياطين فتجاهل الأمر وأعاد السؤال الذي طرحه سابقًا.
"فماذا عن الكوابيس؟"
"...."
غاص ديون في الأريكة دون جواب.
جاء الكابوس كما لو ينتظر ذبول الزهرة. بدأ الليل مجددًا ولم أستطع النوم، لكني لم أفتقد غياب الزهرة. على العكس، استقبل ديون هذا الحال بفرح صادق.
لأن ذلك يعني أن "كرول" قد ذهب ليستريح حقًا.
"حسنًا... لا بأس."
هز ملك الشياطين كتفيه بخفة لصمت يأبى الرد.
"سواء نمت جيدًا أم لا، لا يهم ما دام عملي لا يتعطل."
"...."
"على أي حال، اللوحة اكتملت. أتود أن تراها؟"
تقدم نحو اللوحة. حدق ديون في ظهره ثم قام وخطا إليه.
على القماش كان "ديون هاردت" مطابقًا للواقع.
اللوحة تبرز كل التفاصيل: العينان الحمراوان، الشعر الأبيض، الرموش، ملمس الجلد. لولا أن الخلفية قماش والمشاهد يتحرك لظنه ينظر في مرآة.
"لعلك تعرف هذا. حتى اندلاع الحرب الأخيرة كان هذا الطراز معتمدًا في رسم الوجوه في عالم البشر."
"...أعرف. كل الصور التي رأيتها كانت بهذا النمط."
"ألا ترى أنه مُرضٍ أن ترسم لوحة كهذه بيديك؟"
"أبدًا..."
لست مولعًا بالرسم.
لكنني أعلم أن ملك الشياطين بارع فيه. كذلك في العزف وحتى الرسم... أترى ثمة شيء يعجز عنه؟
خرج السؤال من فمي أخيرًا بينما الشيطان يتابع كلامه:
"إن لم تكن مهتمًا بالرسم... فلنجرب تفسير اللغة القديمة؟"
"...ألا يوجد شيء لا تحسنه؟ أيعجزك شيء؟"
"هاه؟ قهوة مثلجة-."
أجاب ملك الشياطين بلا اكتراث كما لو يجيب على بديهية.
"على الأقل أقدر على كل ما يخطر ببالك الآن."
"...."
"أوه... ما عدا تحقيق أمنيتك."
تيبست كتفا ديون.
تبعت عيناه المرتجفتان نبرة متعجلة كأنه يحاول أن يغطي سبب الاضطراب المفاجئ بشيء آخر.
"كما توقعت، يصعب التصديق. مهما طالت حياتك لا يمكنك كل ذلك..."
"ديون."
في النهاية سارت الأمور كما أراد.
ملك الشياطين الذي أصغى إلى كلام ديون المباشر أكثر من سلوكه ابتسم كأن الأمر يروق له.
"كما قلت، لقد عشت طويلًا. لو عشت حياة مضطربة طويلًا لأدركت. المتغير أن حياتي أطول مما تتخيل."
"...."
"كان لدي متسع من الوقت لأتعلم وأبلغ غاية كل مجال. تعديت الفنون من رسم ونحت وتأليف شعر ونغم إلى السلاح من سيوف ورماح ودروع وقسيٍّ، حتى مجالات قل من يعترف بها مثل تفسير اللغات القديمة، واستخراج الآثار، وصقل الأحجار الكريمة."
"...."
"ولم يبق في الدنيا الآن إلا أمر واحد لم أتعلمه. ذاك أمر لا يُنال إلا من بطل."
"...."
"لذلك..."
مد يده.
اقترب اللمس القاتل ببطء من عنقي كأنه يقول: تفاده إن شئت. ديون الذي سلّم عنقه طائعًا نظر إلى اليد التي بدت أقرب إلى ملامسة هادئة منها إلى قبض أو خنق، ثم رفع بصره ثانية نحو صاحبه.
كان في الوجه المشقق فراغ وسأم كأن قناعًا يوميًا قد سقط عنه.
"...أرجو أن تنمو وتصير معلمي."
للوهلة الأولى بدا هذا القول أقرب إلى العذاب.