[الخصم.]
[كائن أوجده العالم ليقتل الأبطال.]
ملك الشياطين كائن خضّره العالم لغاية محددة.
سلالة جديدة وُجدت على بيّنةٍ من أمرها: "إبادة الأبطال." لذلك فإن معنى وجود "قوم الشياطين"، وفي طليعتهم ملكهم، لا ينحصر إلا في هذا الهدف الأوحد.
"أما الشياطين، فمولدهم ليس رهين إرادة العالم، ولهذا فقيودهم قليلة..."
لكن الشيطان المرتبط مباشرة بإرادة العالم يختلف.
هل عرفت ذلك الشعور، كأن جسدك كلّه مقيّد بسلاسل؟ حرية إرادة الشيطان تُعدّ تابعة لمقصد العالم، حتى إن الموت نفسه لا يُختار بمحض الرغبة.
"أنا أحرّ من الجميع في كل ما لا يتصل بمعنى وجودي... لكن ماذا عساي أفعل؟"
فالذي تشتهيه نفسك أكثر لا يُنال.
أما الأبطال، فهم يولدون من البشر، والبشر قومٌ جُعل معنى وجودهم في أن يحيا كل فرد بإرادته الحرّة ويصنع شتى ضروب "التاريخ". أي إن إرادة المحارب الحرّة، وقد مُنح قوّةً من هذا الجنس، تسمو على الغاية التي منحها العالم لاحقاً.
قهقه ملك الشياطين.
"إنّي لأغبطهم."
فوزن الإرادة الحرّة يختلف باختلاف الغاية التي رسمها العالم حين أنشأ كل نوع من الكائنات.
وملك الشياطين لم يُحضر عن روية، بل حُضر عجلاً ليكون أداة تُستعمل وتُطرح، ولذلك حفّت به أخطاء جمة.
مثلاً، حين ينقضي معنى وجوده بقتل بطل، يُجبر على الانتظار دهراً حتى يظهر بطل جديد، غير مأذون له بالموت.
أو حين تتعارض غايته "كأداة تُستعمل ثم تُرمى" مع القاعدة الأولى التي قررها العالم منذ خلق الحياة: "كل حياة عليها واجب حفظ نوعها"، كانت الغلبة للأخيرة، فانبثق عن ذلك ميلاد "الشياطين" و"الوحوش".
"حتى إن مضى كل شيء على سواء... فإن الموت محرّم عليّ، ولو قتلت بطلاً."
والملك القائم اليوم هو الأقوى بين ملوك الشياطين جميعاً.
تذكّر حينها قول الملك الذي سبقه: أن تكون قوياً وسم. وهكذا كان.
القوة صارت وسماً.
وبمقتضى معنى وجوده، لا يسعه حين يواجه الأبطال إلا أن يبذل وسعه، فلا مجال للتهاون ولا للتظاهر بالهزيمة.
ومع مرور الزمن، خبت جذوة الغضب في صدره، وحلّ محلها تعب مُرهق. في البدء كان الغضب جمراً: لِمَ تُقدّمون إرادة البشر وتطأون إرادتي بالأقدام؟ يروى أنّ تلك الأيام شهدت حادثة كادت تفني عالم البشر.
ومضت الأعوام حتى لقي "ديون هارت" ثانية.
"...وقد لمحته أول مرةٍ في رهان عقدته مع الدوق."
تأمل في صمت الرجل الأشيب الذي طأطأ رأسه مطيعاً.
ملك الشياطين لم يندم على الرهان الذي عقده مع الدوق بشأن ديون هارت، حتى لو آل الأمر أن يبغضه ذاك المحارب ويكنّ له نيات قاتلة. بل إنه لو صحّ ذلك، لعدّ نفسه قد أحسن الاختيار يومها.
فبفضله أتيح له أن يشهد نموّ محارب عن قرب لم يسبق له مثيل.
"كان الأمر كله باعثاً على الدهشة منذ البداية، ولم يتغيّر حتى بعد أن غدا بطلاً."
هذه أول مرة يسكن فيها محاربٌ قصر ملك الشياطين ويصير تحت كنفه. وأول مرة يستهلك الملك تسعين بالمئة من سحره لينقذ إنساناً، فيصبح ذلك المنقَذ بطلاً.
لعلّ هذا ما جعل الملك، الذي كان ينظر إلى ديون هارت أول الأمر كلعبة، أرقّ قلباً حين صار بطلاً.
فالشخص الذي أشعل فيه الفضول والمرح منذ البداية، آل في النهاية أن يستحق التعليم. وأيّاً ما فعل، لن يُنظر إليه إلا بعين الرضا.
افعل ما شئت: انهش من قوتي السحرية، دبّر الحيل خلف ظهري، تجاسر عليّ، أو قاتلني كما فعلت من قبل... فلي مطلب واحد لا غير.
"سأعلّمك أشياء كثيرة. وإن رغبت أن تتعلم غيرها، فقل بلا حرج. لستَ مديناً لي، فقط عَلّمني ذلك الشيء الواحد لاحقاً."
"..."
"سأنتظر حتى يحين ذلك، فأمتعني كما تفعل الآن."
أتدرك قصدي، يا بطلي؟
خفّت الأجواء فجأة.
أنهى الملك عباراته بمزاح مُفتعل وسحب يده باسماً. عيناه أشرق فيهما ضوء كالعادة، حتى شككتُ أن ما رأيتُه آنفاً لم يكن إلا وهماً.
"...."
لم يستطع ديون أن ينطق، وظلّ ينظر إلى ملك الشياطين.
لم يجسر أن يسأل عن الشيء الوحيد الذي عجز عن تعلّمه، رغم أنّه كان لبّ ما يُطلب منه. ليس لأن اللحظة لم تكن سانحة فحسب، بل لأنه أحسّ في قرارة نفسه أنه يعرف المقصود.
بفطرة داخله أدرك: "لا... هذا خطأ."
"هذا خطر."
فما يطلبه الملك لا سبيل إلى تحقيقه. ولو انكشف ذلك صراحة، لانقلبت ماهية اللعبة ذاتها. لعبة جديدة لا تُطاق، لا للملك ولا لديك، إذ يصير العيش معها جحيماً، ولعب الغميضة مع الشيطان من أجل ثأر يمتد حتى ينطفئ عمر المحارب الطويل.
ربما لهذا بدا الصوت مرتجفًا بعد صمتٍ طال مداه.
"...إن لمّحتَ بما تريد، فلعلّي أجد السبيل إليه، بل وأجعله يحدث بالعكس."
"لو صدعتَ بهذا جهراً، ألستَ تورّط نفسك؟"
"...."
كنتُ مضطربًا حتى أخطأت. أغلق "ديون" فمه وابتلع ريقه الذي كاد يفلت.
أفلتَ منّي ما يُبطن ضغينتي نحوه، وتلقّيتُ من الآخر إقرارًا بأنه كان على علمٍ مسبق. موقفٌ تجلّى فيه ما نتغافل عنه عادةً، بلا تمهيد ولا إعداد.
لا أدري متى قبضتُ كفي حتى انغرست أظافري في راحتي. فتح هو فاهه وأطبقه غير مرّة، يزيد الصمت ثِقلاً، ثم تكلّم أخيرًا ببطء.
"...أحسب أنّ هذا ما عنيته."
كانت عبارة غير متوقّعة، غير أنّ "ملك الشياطين" أومأ بصمت.
"أنا جادّ حين أقول إنك بحاجة لهواية. الأمر أشبه بتكليفين في آن."
وفي هذا الحوار علّمتُه أشياء شتى، وحفّزت أسئلته، فقط لأزرع هواية بين يديه.
كأنّي أنبّه مسبقًا بأنّه سيعرف عاجلاً ما لا بد أن يعرفه.
أدرك أنّ الإمساك بالمعلومة أبلغ في توجيه الدفّة من البوح بها. في الحقيقة، كان "ملك الشياطين" ينوي كتمان الأمر حتى يكتشفه "ديون" بنفسه.
لكن... ما أشدّ رغبتي في إظهار شيءٍ من الامتنان والاحترام لذلك الإنسان الغريب القدر، الذي خطفته عينُ الشيطان ولم تثنهُ عن السعي حتى النهاية.
"...يا لك من أناني."
تجمّد وجه "ديون". كان الشيطان ماكرًا؛ أيقن أن "ديون هارت" لن يتحرّك لمجرّد إشارة إلى "الطريقة الحقّة للانتقام". لذا بسط ما أراد قوله دون أن يصرّح بالجوهر.
بفضل ذلك، ازددت اضطرابًا حتى كشفت ما لا طائل فيه. رفع "ديون" عينَيه الساخطتين بعد أن كان مطرقًا.
"...أظن أنّ من الخير لنا كليْنا أن نترك ما دار بيننا طيَّ النسيان."
"أترى ذلك أيضًا؟"
"نعم. ...وإن كان لا بدّ من أن تعلّمني، فلو أنّك لقّنتني فنّ السلاح لكان أنفع من هذا."
حوّلت بصري نحو لوحة زيتية نابضة على القماش.
قرأ "ملك الشياطين" محاولته الإفلات من الموقف المحرج، فابتسم وسأله:
"أتريد الحقّ؟ لتُدرّس وتُتقن فنون السلاح، فلا بد أن تكشف عن الجذور."
"...."
"ثم إنّي لو علّمتك، فلن أقدر على منازلتك، فلن تُتاح لي معرفة أصلي، وستُسلب أنت كل شيء. أيرضيك ذلك؟"
"...متى تساءلتُ أنا عن أصول ملك الشياطين؟"
لم يُصرّح أحد، لكن الأحاديث الآن تُبسط مجردة.
لمعت عيناه الحمراوان بضيق، ورفع رأسه عاليًا، كأن لا همّ يشغله، وحدّق في ملك الشياطين.
"قلتَ لي: إن رغبتَ في التعلّم فاطلب بلا تردّد."
"...."
"أريد أن أتقن فنون القتال. مالي أتكفّله بنفسي."
علّمني فقط. أمّا أصل المَهارة، أأخفيه أو أصطنع بديلًا، أو حتى أفكّك خيوطك—فذلك شأني.
كان هذا قول "ديون".
وبدت في عينيه كبرياء خفيّ، كأنّ كلماته التي خرجت عن فكرٍ مستقلّ أنعشت غروره.
لم أظن أنّه جادّ في التعلّم، بل حفّزته لا غير. فضحك "ملك الشياطين" خفيفًا:
"إن كنتَ مصرًّا، فليكن."
فقط عندها، أومأ "ديون"، وقد هدأت عيناه، لكنه قطّب حاجبيه كأنّ أمرًا خطر له.
"لكن... لِمَ لا نستطيع المنازلة؟"
"ملك الشياطين يبذل غايته حين يواجه بطلًا. وأدقّ القول: قد لا يضبط نفسه على ألّا يقتل. فإن أصررنا، فلن يكون تدريبًا، بل معركة موت."
"...."
"لا أرى الأمر مهمًا الآن. أليس حسنًا أن نكون على سكينة كهذه؟"
ابتسم ملك الشياطين بخبث. فجأة رفع "ديون" رأسه، إذ وخزته نذارة على امتداد عموده الفقري.
فالشيطان لا يفيض بحديثٍ لم يُسأل عنه. ما قاله إذًا لا بد أن يكون تلميحًا. فتنفّستُ يقظة، واشتغل عقلي مسرعًا.
"...هل للأمر صلة بالحرب؟"
"أجل."
"يبدو أنّ أنباء جديدة قد وردتنا."
"لعلّها كذلك."
"إذن ليست بالجديدة، بل فاتني سماعها إلا الآن... ما هي؟"
أجاب "ملك الشياطين" بضحكة خفيّة:
"لقد أعاد إقليم شان والإمبراطورية صياغة تحالفهما. ويبدو أنّ مضى عليه زمن."
"...."
"أحسب أن ثمّة أخبارًا ثانويّة أخرى... لكنك ستعلمها بنفسك."
أتذهب؟
كان السؤال مُلقىً في هيئة يقين. وحين تلقّاه "ديون" فجأة، التقت عيناه بعينيه في الصورة، فتجمّد من الدهشة.
"ما هذا...؟"
"إنه هديّة. فاقبلها."
"...."
استشعرتُ ثِقلاً كأنني أمام مرآة.
لكنني لم أملك رفض ما أهداه "ملك الشياطين". بوجه مضطرب أمسك اللوحة بيد، ووضع الأصيص على الطاولة باليد الأخرى... ثم أطرق حين شعر بساقه تُحكم وثاقًا.
تلفّت، فإذا سيقان خضراء تلتفّ حول خصره.
"؟"
"إه!"
"دعني أمسكه بنفسي، فدع عنك التعلّق بي."
"هه."
بعد تردّد، وضعتُ الأصيص في هدوء. لحسن الحظ لم يسقط.
قهقه "ديون" حين ارتدّ الثقل عن جانبه، أخذ اللوحة بيده الفارغة، والتفت إلى "ملك الشياطين".
"سمعتُ الكثير هذه المرّة، لكنني لن أسأل. لن أسألك عمّا تريد منّي."
"...."
"دعني فقط أقول شيئًا واحدًا."
وبدا بريق داكن في عينيه.
"أيًّا يكن، لا تدعني أكتشفه. هذا في صالحنا جميعًا."
تعالى صوتٌ جَهير من الرواق.
"إد"، الذي كان ينتظر أمام الباب ليستقبل "ديون هارت"، رفع رأسه ما إن تعرّف إلى الصوت. وحقًّا، كان سيّده الذي يجب أن يخدمه يقترب من بعيد.
...لسببٍ ما، كان يحمل أصيصًا متدلّيًا إلى جانبه ولوحة ضخمة لصورة نفسه.
"جميل أنّك تصغي... لكنّي سمعتُ أنك لست مضطرًا لذلك."
"إه."
"يكفيك أن تتعلّق."
"حسنًا..."
"ثمّ إن الطلاء لم يجف تمامًا، فإن أسأت حملها، فُسدت اللوحة. وهي من رسم الشيطان، ولست أريد أن يُقال إنّي أتلفتها، لذا دعني أتولّى الأمر."
هزّ "إد" رأسه عجبًا. لم يره هكذا من قبل، كأنّ شخصيّته تبدّلت.
ومع أنّ السيقان الخضراء أوشكت أن تطوّقه حتى صدره، تلقّاها "إد" بروح متقبّلة، وأمال رأسه قليلًا وهو يقترب.
"لكن، سواء رفعها النبات أو "ديون"، أليس الثقل في النهاية واحدًا؟"
حسنًا... ليس ذلك ما يهم الآن.
انحنى احترامًا للسيّد الذي بات أقرب.
"أأنت هنا يا "ديون"؟"