"آه... إيد."

تجمّد وجه "ديون"، الذي كان يحادث النبتة بملامح هادئة، فما عاد فيه أثر للاسترخاء. أما "إيد"، فارتسمت على محيّاه ابتسامة مُرّة، وهو يرسم حدوداً واضحة، ويُظهر الحذر.

هل يُحسب لنا أنّه لم يكن عدائياً؟ لو كان الأمر في الماضي، لربما حاولت أن أفتح حديثاً عابراً بسؤالٍ عن نوع الصورة... لكنني شعرت كأنني أتضاءل بلا سبب، فاكتفيت بأن مددت يدي بحذر.

"أعطني اللوحة. سأعلّقها على جدار غرفتي."

"لستَ مضطراً لفعل ذلك..."

"...أولك طريقة أخرى لحفظها؟"

"ليس الأمر كذلك... افعل كما تشاء."

قدّم الصورة.

وتذكرتُ أنّك قلت آنفاً إن طلاء الرواق لم يجف تماماً.

حين لمح "إيد" بعينه الحادّة أنّ الطلاء لم يجف، غيّر قبضته سريعاً، وأمسكها بحذر لئلا يفسد الرسم.

"يبدو أنّ الطلاء لم يَجفّ بعد. سأدعها تجف أولاً، ثم أضعها في إطار."

"كما تحب..."

"لو تركتها في الغرفة هكذا، لانتشرت رائحتها الكريهة واضطررتُ لفتح النافذة. سأجعلها تجف في مكان آخر، ثم أعلّقها."

"...لا. دَعها في غرفتي. نافذتي مشرعة الليل والنهار، ورائحة الطلاء أطيب عندي."

أطيب من رائحة الدم.

تمتم "ديون" بصوتٍ خافت، ولوّح بيده وهو يفتح الباب، كأنه يكلّفه بأن يتولّى ما بقي. وكان "دان" في الداخل بانتظاره، فاستقبله حال دخوله.

"ها قد جئت. هل استمتعت بلقاء ملك الشياطين؟ يبدو أنّه رسم لك صورة أو شيئاً من هذا القبيل، فهناك لوحة لم تكن هنا من قبل."

وقع بصره الواثق على اللوحة التي يحملها "إيد"، وهو متيقّن أنّه لن يُجاب بالرفض.

"لم أكن أعلم أنّ في قصر ملك الشياطين شيطاناً يملك مهارة رسم كهذه. من رسمها؟"

"ملك الشياطين."

"إذن... رجلٌ متعدد المواهب."

ترك "إيد" حديثهما، وألقى نظرة على الغرفة التي امتلأت بأحاجٍ مكتملة، ثم اختار مكاناً مناسباً وعلّق الصورة هناك.

رفع بصره ليتأكد من ميلانها، غير أنّ نظرته انكسرت وفيها شجن.

"لماذا...؟"

لأجلي اصطدمت بتلك الجدار.

...كان "دان" يُطنب في حديثه الموجّه إلى "ديون"، لكنه لم يتوقف، وذاك قبِله برحابة. لعلّ ذلك ما جعل صوت "دان"، الذي اعتدتُ تجاهله كتفاهة بشرية، ثقيلاً على مسامعي.

حتى إنني لم أعد أحتمل مشادة خفيفة كما اعتدت كل يوم.

أدرك "إيد" أنّه لو تكلم الآن لتجاوز الحد. وهو لا يمانع إن تجاوز ذاك الشخص، لكن لا يسعه أن يُخالف رغبة "ديون".

"...انتهى الأمر."

وأخيراً، ضبط زاوية اللوحة، وتراجع خطوة إلى الوراء.

حينها فقط التقت النظرات. عينان حمراوان وقعتا عليه، لكن نورهما كان فاتراً، على الرغم من لونهما الملتهب.

"أحسنت. الآن... اخرج."

"...حسناً."

كان الأمر شبيهاً بتوديع ضيف، أما الجواب فصار مألوفاً.

ابتسم "إيد" ابتسامة ساخرة، وأطرق برأسه يخفي ملامحه، ثم انسحب. أما "دان"، فالتفت إلى "ديون" ما إن أُغلق الباب.

"سيدي... هل تُحسن معاملة ملازمك؟"

"ولمَ العناء؟"

"من منظوري يبدو الأمر غريباً بعض الشيء. أوليسوا شياطين خدموا سيدهم بصدق قبل أن آتي؟ مهما بدا الأمر صعب التصديق، فهو على الأقل معقول..."

"كُفّ."

قاطع صوته الحادّ، فأطبق "دان" شفتيه، وخيّم الصمت. انشغل "ديون" باللهو بالنبتة الغريبة المعلّقة على جانبه، ثم وضعها على الطاولة.

وأخيراً، انساب صوته الهادئ يثقل المكان بوقعه:

"سأقتل ملك الشياطين."

"...!"

"صحيح أنّ إيد خَدمني بإخلاص. بل إن جهوده ما تزال بادية. لكنه شديد الولاء لملك الشياطين أيضاً. فهل سيختارني حقاً إن وقفنا وجهاً لوجه، أنا وذلك الملك؟"

"..."

ابتسم "ديون" ابتسامة مرة، وقد قرأ الاعتراف في الصمت.

أتذكر أننا خضنا حديثاً عن هذا من قبل. حينها قيل إنه يخدم "الملك" لا "ديون هارت".

وحين رأيت القفاز الأبيض الذي ما زال يرتديه، تزلزل داخلي. إذ قيل إنه هدية مني، فخُيّل لي أنه يخدمني أنا لا "الملك".

ولكن... ماذا بعد؟

إنّي أرى لمصيره طريقاً لا يُمكّنه من الاختيار بين ملك الشياطين وديون هارت.

"لا أستطيع أن أبقي إلى جانبي رجلاً متردد القلب في لعبة يكون ثمنها الروح."

الأجدى أن أدفعه للابتعاد.

فالشيطان الذي لقيته أكثر من غيره في قصر ملك الشياطين كان "إيد". ومع أنه ظلّ قريباً مني حتى في لحظات انطوائي وضعفي، فقد عرفت "إيد" على حقيقته.

وصفه بكلمة واحدة: "جندي."

جندي من ذوي الرتب الدنيا، يؤدي واجبه بإخلاص، لكن إذا حُرم من تكليف تاه وتردّد. يبدو متكيفاً للوهلة الأولى، لكنه ينهار ساعة يُطلب منه أن يقرر بنفسه. عندها لا نفع له في المواقف الحرجة.

''أدرك أنّك ترتاح لوجودي. لكن لو كنا أعداء صُرحاء، لكان خيراً لنا معاً.''

لقد سقطتُ في فخ التعاطف مع الشياطين، وطيبة لا لزوم لها.

الدماء تجري حولي كأنها تستصرخني أن أنظر إليها. غير أنّ "ديون" لم يبال، ووضع يده على مسند الكرسي، وكاد أن يجلس، ثم رفعها فجأة.

"قرف."

"آه... ن-نعم... شكراً..."

"...هل تلك نبتة؟ «يا لها من أدبٍ بطابع النبتة.»

كان كرسيٌ ذو ظهر مستقيم مسحوبًا في مكانه، كأنّه بانتظار أن يدفعَ ديون إلى الوراء حين جلس وقد ارتسمت على محيّاه علامات العصبية.

عند ملاحظة دان أنّ الأمر يبدو شيئًا نبيلًا، لمسَ الساق الرفيعة الساق السميك وحنّى برعم الزهرة. صار تعابير ديون ودان دقيقةً، كما لو وضعا يديهما على صدريهما وخفّضا الرؤوس.

"...هل هي فعلاً نبتة؟"

"لا أعلم أيضًا...."

على أيِّ حال، بفضل هذا تحسّن الجوُّ شيئًا ما.

والآن بعد اتّخاذ قرارٍ بعدم الاقتراب من الملازم، فإنّ مواصلة هذا الموضوع لن تضيف سوى ثقلٍ إلى الجوِّ بلا فائدة، فغيّر دان الموضوع شاكرًا في سره للنبات الوحشي.

الموضوع الصغير التالي كان عن الصورة المعلّقة على الحائط حاليًا. عاد ديون خالي اليدين وقد أحضر صورةً لنفسه.

"ذوقك فريد بأن تملك صورتك داخل غرفتك."

ردّ ديون على الملاحظة المرحة الماكرة متكئًا في كرسيه بتعبيرٍ ارتاح قليلاً:

"أجدر من أن تظلّ معلّقة صورة شخصٍ لا صلة له. وبالمناسبة لا أستطيع أن أرميها لأنّ ملك الشياطين نفسه رسمها وأهداها إليّ، كما أنّني أحبّ رائحة الطلاء."

"رائحة الطلاء... ماذا تقول؟ أظنّها حادّة بعض الشيء..."

"لهذا أحبّها."

لأنّ رائحتها كرائحة الدم.

ابتلع ديون كلامه الأخير ونفّر بوجهه عن دان الذي ظهر عليه الحيرة، وربت على النبتة الغريبة على الطاولة. دان، الذي لاحظ أنّه لا نية له في استكمال الشرح الذي لم يستمرّ حتى بعد انتظارٍ مرن، غيّر الموضوع.

"إذن هل أستطيع أن أفهم أنّه مع زوال رائحة الطلاء لن تصبح إلّا عبئًا؟"

"ماذا... بحقِّك؟"

"هل أستطيع أن آخذها وأستخدمها كما أريد؟"

"...بماذا ستستعملها؟"

بدا القلق في صوته.

أدار ديون بصره عن النبتة ونظر إلى دان. قابَل دان نظره مباشرةً وابتسم بفخر.

"ليس الآن لكنّي أفكّر في مكان قد يصلح لاستخدامها مستقبلاً."

"...."

"لن أفعل شيئًا غريبًا. ربما."

"ربما؟"

"حسب الشخص قد أُبصِق قليلًا على الصورة."

"...ما الذي تنوي فعله؟"

البصق. رغم أنّها ليست لي، فهي صورة وجهي تطابق الحقيقي. أظنّني سأضيق لو استُخدمت لشيءٍ مشبوه. تحرّكت العينان الحمراوان برجفةٍ طفيفة وتّجهتا نحو دان كطالبة إجابة.

يكفي هذا من الاستفزاز. هزّ دان كتفيه.

"سأستخدمها في التجارة."

"ولماذا تسيل لعابك وأنت تُبرم صفقة؟"

"الجهل دواء. دعنا نتخطّى ذلك. على أيّ حال سآخذ إذنك."

"...."

لا أظنّ أنّه أمرٌ يمكن المرور عليه هكذا.

ومع ذلك، كان ديون واثقًا أنّ دان لن يفعل شيئًا مؤذيًا، وأنّه ولو سبّب ضررًا باللوحة فلن يكون فادحًا، فتابع بلا تردّد.

"حسنًا... عدا ذلك."

فتش جيبه وأخرج سيجارة.

نفخ!

"اوف!"

"...."

توقّفت للحظة ثم أخرجت سيجارة جديدة...

نفخ!

"اوف!"

"...."

كان دان يئنّ بالفعل وهو يضع يده على فمه.

نظر ديون بهدوء إلى السجائر وإلى النبتة الوحشية التي تدحرجت بطريقة مثيرة للشفقة على الأرض، ثم ثبت نظره على النبتة ببطء. انطلق صوتٌ رخو واضح يحمل إحساسًا بالعجز.

"...لا تدخّن؟"

"هه."

اهتزّ برعم الزهرة صعودًا وهبوطًا. ضيّق ديون عينيه ونظر إلى النبتة الغريبة للحظة قبل أن يعيد عبوة السجائر إلى حجره مع تنهّدٍ خفيف.

"يقولون إنّ تربيتك للحيوانات تطيّب العيش..."

"هذا سيد نبتة."

"إنها تتحرّك. تصدر صوت بكاء، لكنها أقرب إلى حيوان منها إلى نبتة. —على أيّ حال."

تغيّر الجوّ.

تفحّص دان، وقد أزعجه الهواء الثقيل، وضبط وجلسته مجددًا.

تتلألأ العيون الحمراء بكسلٍ وأناقةِ رجلٍ قويّ. أغمض ديون عينيه. مرّ بصوتٍ مألوف في خاطره.

[...آمل أن تكبر وتصبح معلمي.]

عاودته رعشةُ نفاد صبرٍ لا تفسير له في عينيه، وضاق فكه ببطء.

"عليّ أن أنهي عملي بأسرع ما يمكن."

"هل تتكلّم عن غزو قارة البشر بأسرع ما يمكن؟"

"لا، عن عالم الشياطين."

"...؟"

حُذِفَت كلمات كثيرة. قبضت حاجبا دان.

بدلًا من أن تُحلّ في الأوامر اللاحقة، نمت الشكوك وازدادت حيرة.

"قائدة الفيلق الخامس لديها مستودع مخفي تجمع فيه أغراضًا ثمينة متفرّقة."

"نعم أعلم."

"وقائد الفوج التاسع خشن اليدين عند التعامل."

"...أتعلم ذلك أيضًا...؟"

"أخبر قائد الفوج التاسع بموقع المستودع."

"...ها؟"

غبّرَ دان جبينه.

عَلِمت النية بمجرد سماع الأمر. ديون هارت يحاول أن يزرع فُرقة بين قائدي الفيلقين الخامس والتاسع.

«لكن لماذا؟»

لا سبب لذلك، أليس كذلك؟ ليس عندي ضغينة خاصة تجاه أيّ منهما.

ابتسم ديون قليلًا للسؤال الذي بُحِرَ عنه بوضوح.

"ألم تقل أنّه إفراط أم تفريط؟"

العالم يريد أن يتخلّص من ملك الشياطين، فأنا الذي أريد أن أوسمه مضطرٌّ لأن أمسح ليس ملك الشياطين وحده بل الشياطين كلّهم.

حسنًا، يقال إن الشياطين مكروهون في العالم، فربّما العالم سيحبّ ذلك. ومع ذلك لا يهمّ كثيرًا إذ الخطة أن نمحو العالم البشري أولًا.

"أظنّ أنّه من الأفضل أن نحقق نوعًا من التوازن أكثر من أيّ شيء."

"...؟"

"إن استمرّ هذا، ستُدعَس كلّ دولة في العالم البشري وتعود القارة بأسرها إلى العدم. أفلا يصحّ إذن أن يعود عالم الشياطين بدوره إلى العدم؟"

ليس من السيّئ أن تراكم ذنوبك لكي تُكسر روحك وتتفحّج فلا تُعاد ولادتها، كما في كلمات أغنيةٍ قديمة.

"الآن عليّ أن أبدأ عمل خريطة عالم الشياطين. إن اضطررنا لاستهداف العائلات الحاكمة لكل مملكة لنطأ العالم البشري، فسيتبقّى في عالم الشياطين سوى قادة الأفواج باستثناء ملك الشياطين."

للإنجاز بسرعةٍ تحتاج إعدادًا الآن.

وباتباع تحذيرِ العقل المتخفّي على هيئة غريزة، قرّر ديون إنهاء المهمّة قبل أن يعلم ملك الشياطين بما يريده حقًّا.

"تتذكّر أوامري، أليس كذلك؟ ليس من الضروري أن يقاتل قادا الفوجين الخامس والتاسع من أجل حياتهما الآن، فليفعلا ما يشاءان بلا حمل. إن غرست بينهما مشاعر سيّئة، فالأمور ستُسوى بنفسها. ربما تنفجر دون تدخّلنا، وإن لم تفعل ننظر في الحال ونواجهها حين يلزم."

"...هي."

ظننت أنّه ينتهي بقتل ملك الشياطين، فانفجر دان ضاحكًا.

ما هذا القدر المبالَغ فيه؟ أيعني ذلك أنّك ستقلب العالم بأسره رأسًا على عقب؟

خرج الصوت بنبرة مرتفعة بملء حماس خليط من الدهشة والإعجاب والرهبة.

"السيد فعلاً... مجنون."

"أأنت مجنون؟ أنا كنت عاقلاً منذ البداية."

2025/09/30 · 28 مشاهدة · 1565 كلمة
نادي الروايات - 2026