قائد الفيلق التاسع "تروفَر" رجل طروب، يعشق اللهو والمرح. ولا حاجة للبحث في أعماقه، فهو ذاك الذي أضاع قوته السحرية عبثًا لمجرد التسلية. بسيط إلى هذا الحد. ولشخص مثله، فإن ما يجمعه قائدة الفيلق الخامس من غرائب ونوادر لا بد أن يستهويه.

وليس من المنطق أن يترك فتى ساذج مثلُه شيئًا لفت بصره دون أن يمدّ يده إليه، وإن بيدين غليظتين لا تعرفان سوى الكسر والتحطيم.

قال: "لا رغبة لي في أن أُحسِن إلى الشياطين."

قهقه "ديون".

وأضاف: "إنما يكون الأمر مفسدة إذا استفاد غريم آخر من غرم ثأري."

ولعل الأدق أن يقال: "قومٌ قائدهم خصم آخر لثأري." غير أنّ هذا لا يهم في ساعةٍ دفعوا فيها إمبراطوريةً إلى حافة الفناء، وزلزلوا عالم البشر ليقتلوا الدوق والإمبراطور.

فمتى انهار عالم البشر، كان أول المنتفعين الشياطين. وديون لم يكن ليرضى أن يقف متفرجًا.

قال: "لعل البقاء كارثة خير من أن أُدعى خائنًا للبشر."

فردّ عليه: "إذا خطوتَ أول خطوة، فلن يعود للرجوع سبيل. أأنت واثق أنّك لن تندم؟"

قال ديون: "...لا أحسب أنّ هذا سؤال يُطرح في أمرٍ يضيء عينيك بذاك البريق."

ضحك الآخر: "آه، إن كلام السيّد فاتن."

ارتسمت على محيا "دان" ابتسامة خفيفة.

ثم قال: "لكن لكل مقام مقال، أليس كذلك؟"

رد ديون: "أم... كما تعرف."

ثم تناول أصيص الزهر واقترب من النافذة، وضع تلك النبتة الغريبة في مكان مألوف لديه، مرّر إصبعه على أوراقها في حنو، ثم التفت إلى "دان".

وعيناه الحمراوان المتقدتان مالتا في حيرة صادقة:

قال: "متى سلكتُ طريقًا كان لي أن أعود منه؟"

صمت الآخر قليلًا.

فتابع ديون: "لا تُحدّق بي هكذا... يثير في نفسي قذارةً لا تحتمل. أترى أنّ الأمر يخصني وحدي؟ كلا، بل هو قدر الجميع. فالحياة في أصلها سلسلة من خيارات لا رجعة فيها. هذا ليس جديدًا."

وحين رأى "دان" مذهولًا يرفع يده ليمسح على عينيه، أردف ديون وهو يثبّت المعنى:

"ولو كان للندم مكان، لكان منذ زمن بعيد. فات أوانه... أليس كذلك؟"

وفي خاطره طيف كلمات قالها يومًا للإمبراطور، حين ادّعى أنّه لم يعرف الندم.

...نعم، لقد اغتاظ.

[أترى ما لم تدركه؟ أنّ الحياة ما هي إلا ندم متراكم.]

لكنّه لم يُظهر ما اعتراه. غير أنّ وقعها هزّه، إذ أدرك أنّها لم تُوجَّه إلى الإمبراطور وحده.

ساد الصمت. وأحسّ "دان" بثقَل الجو، ثم قال ببطء:

"كما توقعت... السيّد مختلّ."

فأجاب ديون: "قلتُ لا، فلماذا تحرف القصّة هكذا؟"

عاد السواد يكسو نبرته.

هزّ رأسه بصرامة دون أن يُسقط عينيه إلى الأرض، وتبسّم بمرارة.

قال: "ليس بعد."

... "ليس بعد"؟

توقف "دان" عند وقع الكلمة، ثم مضى في هدوء:

"حسنًا... فهمت. سأمضي إذن في تنفيذ أوامرك."

قال ديون: "قبل ذلك، ادعُني ديڤيلانيا."

"نعم."

في البدء، حين تكشّف لي الحق، كان عقلي مضطربًا. أكنتَ يومًا تشعر بثقل الزمان يمضي بك، تتمنى لو يتوقف؟

لكن ما لبث ديون أن أدرك الحقيقة.

فالحيّ لا يملك أن يوقف جريان الوقت. مهما بكيت أو توسلت، فالدقائق تمضي ما دمت حيًّا. وزمني لم يكن زمن "كرول".

إنّ حتى ساعات الحزن تزيد البون بيني وبينه اتساعًا. وبما أنّ الموت لم يكن قريبًا، وجب أن أتحرك قبل فوات الأوان.

عليّ أن أحيا وأتحرك، وإن كان العالم يجرّني بسلساله، فما عساني أفعل؟ فخير لي أن أسرع الخطى إلى نهاية الطريق وأتحرر، من أن أُساق كما يُساق كلب في رباطه.

قالت: "سمعتُ أنّك ناديتني يا ديون."

وما إن أذنتُ بالطرق، حتى أطلت "ديڤيلانيا" أمامي، بابتسامة رقيقة.

نظر ديون في عينيها لحظة، ثم أغمض عينيه وابتسم. ولبرهة، بدا على وجهها أثر دهشة.

قال: "بلغني أنّ الإمبراطورية ودولة شان أعادتا عقد حلفهما."

ارتبكت وقالت: "آه... نعم. كنتُ أنوي أن أرفع الخبر إلى السيّد بعد أن أبلّغ ملك الشياطين، لكن الملك استدعى ديون أولًا. فأرجأت إخباري لك إلى الغد... لكن يبدو أنّك سبقتني."

صمت قليلًا.

...فهل هذا يعني أنّها لم تُخف الأمر عمدًا؟

إعادة الحلف بين الإمبراطورية ودولة شان لم تكن بالحدث الجلل. فالإمبراطورية ما زالت تترنح باحثة عن تماسكها. وحتى مع حلفٍ جديد، فلن يغني عنها شيئًا، فما غريبٌ أن يُقْدِم ملوك الجبال على إعادة التفاوض.

لكن الأهم الآن: هل أغفلت "ديڤيلانيا" الخبر عمدًا؟

خفض ديون يده عن فمه وقال: "أهناك أخبار أخرى؟"

قالت: "أغلبها قد دُوّن بالفعل، فلا جديد يُذكر... آه، لعلّك تعلم أنّ الحملة توقفت لعجزنا عن اختراق أسوار دولة شان."

"نعم. وهل اتضح السبب؟"

"نعم، لم يكن بفعل مقاومة الشانغو وحدهم، بل تدخلت أيضًا جموع الثورة. سأجمع ذلك في وثائق وأرفعها قريبًا."

تمتم ديون غاضبًا: "ثورة بائسة..."

وارتفع صوته بما حمل من غيظ.

ثم مرر يده على رأسه كمن يزيح عن نفسه غبار الغضب، وقال مستأنفًا سؤاله—

"هل عقد الشَّانغو وجيش الثورة حِلفًا؟"

"لا، بحثتُ في الأمر فلم أجد أثرًا لاتصالٍ بينهم. وحين رأيت حركاتهم غير متناسقة، بدا لي أن جيش الثورة إنما يسعى لمصلحته وحده."

"...وما زال يحدث ضوضاء."

لا أدري كم عليّ أن أقطع من أنفاسي كي يخفت هذا الإحساس. أود لو أفرغ منه سريعًا... لكن، هل ما تزال أخبار "شِيّا" متاحة؟ قد يطول الأمر إن بحثتُ وحدي، لكنه سيكون أسرع إن كنّا اثنين.

رمق "ديون" "ديفلانيا" بطرف عينه، مذكرًا نفسه بما أمر به "دان"، ثم أعرض عنها سريعًا. ولمّا خطر له أنها مثقلة بالمهام أصلًا، وأن "دان" ليس عاجزًا، وجد أن الانتظار بعض الوقت قد لا يكون سيئًا.

"لكن يا ديون... لم تربط شعرك اليوم؟"

"قبل قليل... كنتُ ممدّدًا، فآذاني رباطه، فنزعته."

كانت نظراتها تتنقل بين شعره ووجهه بارتباك، حتى شعرتُ بثقلها، فمددت يدي أدلّك عنقي المكتوم بحرج.

اقتربت "ديفلانيا" خلسةً وقالت: "إن لم تنوِ أن تتمدّد ثانيةً، فهل أُعيد ربطه لك؟"

...تذكرتُ أني لم أحضر ملابس منذ زمن، وقد كان حملها مرهقًا حتى كرهت النظر إليها، لكن الأحوال تبدّلت. فأومأ "ديون" موافقًا دون كثير تردّد، إذ رأى أن الأمر لن يأخذ وقتًا، وأن تركها تُرضي رغبتها هكذا أجدى.

"لكنّك تركت الرباط وراءك."

"لا بأس، أنا أربط شعري كثيرًا، وعندي أربطة أخرى."

ابتسمت "ديفلانيا" ابتسامة صافية، ولوّحت برباط أزرق أخرجته من حيث لا أدري.

ــــــــــــــــــــ

غادر "إيد" غرفة "ديون" كما لو أُزيح منها قسرًا، وسار على غير هدى. كان أمامه أوراق ينبغي إنجازها، لكن قدميه حملتاه في أروقة قصر ملك الشياطين بلا وجهة.

كان الضيق يعصره؛ ضيق لم يذق مثله من قبل، ولا يدري ما يصنع به. وفجأة اعترضه ملك الشياطين وهو في طريقه إلى المكتبة.

"لا أراك قاصدًا مكانًا بعينه... فما بالك هائمًا؟"

"آه، أيها الملك... لا شيء."

تقلّصت عينا ملك الشياطين. هنالك فقط أدرك "إيد" أن كلماته قد تُفهم على أنها استخفاف، فرفع يده مسرعًا:

"لا، لم أقصد هذا! حين أقول لا شيء، فلا أعني أنه لا يُؤبَه له، بل... بل..."

"كفى."

خرس لسانه، وأطرق برأسه. نظر الملك إلى هامته نظرة العارف، ثم مدّ يده إلى صدره وأخرج ورقة تحمل ختمه.

رفع "إيد" رأسه قليلًا، فإذا هي أشبه بصكٍّ بلا رصيد في دنيا البشر. اتسعت عيناه الزرقاوان، واضطربت شفافيتهما كالزجاج المرتجف.

"الوقت يداهمني، فلستُ أملك أن أهبك طويلًا، لكن بسلطان الملك أُعطيك يومًا واحدًا عطلة. إن شئت ملأته براحك، أو عدت قبله، فهو لك. هذا اليوم ملكك وحدك."

مدّ الملك الورقة. تردّد "إيد" لحظة، ثم مدّ يده بأدب وأخذها، وأودعها صدره خشية ضياعها، وانحنى شاكرًا:

"شكرًا."

"حسنًا."

أدار الملك ظهره ومضى دون التفات. ظل "إيد" يرقبه حتى غاب، ثم استدار متوجهًا نحو الدرج، وما زال ذهنه مضطربًا من تلك العطلة المباغتة.

وبينما ينزل السلالم خطر بباله: "لا مكان أريد قصده حقًا..."

لكنه ما دام أمرًا صدر، فلا يسعه أن يبقى في القصر. فحسم أمره سريعًا: "قال لي اختر من المدن الأربع... فلأمضِ إذن إلى أقربها."

سرّع خطاه بعد أن رسم غايته، لكن سرعان ما أوقفه صوت مألوف:

"إيد؟"

رفع رأسه على غير إرادة، وما إن وقعت عيناه على صاحب الصوت حتى حنا رأسه ثانية وزفر في صمت.

"آه... اليوم لقيني من لا أود لقاءه."

ومع ذلك لم يسعه أن يتجاهل التحية، فخرج صوته أكثر انخفاضًا من المعتاد:

"...مرحبًا، قائدة الفيلق الرابع."

"مرحبًا بك. كأننا لم نلتق منذ زمن."

ابتسمت "إيديليا"، قائدة الفيلق الرابع، وهي تلوّح بمروحتها.

"لِمَ لا أراك إلا في مكتبك أو عند ديون؟"

"...".

"والآن تذكرت... لقد قيل إن ديون مذ اتخذ ذاك البشري عرشًا له لم يعد يقرّب أحدًا سواه..."

كم هي ماكرة؛ تعلم كل شيء وتزيّف الجهل.

عضّ "إيد" على شفتيه. رفعت "إيديليا" مروحتها وأوقفتها أسفل ذقنه المُطرِق.

فرفع رأسه مع حركتها، والتقت عيناه بزرقتيها، ورأى حاجبيها منعقدين كأنها تأسى لحاله.

"لقد تُركت وحيدًا... وديون قاسٍ بحق."

"...لا تتفوهي بما لا يليق."

"واهًا! كلامك هذا يُسمع كأنه طعن في ديون، وأنا أحترمه وأحبه."

كان صدقها جليًا، لكنها كانت تطمع في "إيد" أكثر.

غطّت فمها بمروحتها وقالت: "إنما أبديت تعاطفًا مع وضعك."

"...أقدر ذلك، لكن عطفك في غير موضعه."

بدا الإعياء على "إيد". فمنذ أن جاء "دان" إلى ديون وتراجع شأنه، وهذه القائدة لا تكف عن التقرّب منه خفية.

كان يعرف مقصدها؛ أن تجره ليكون نائبها وملازمها، فيتفادى الأمر بمكتبته وأوراقه، لكن لا فرار من المواجهة إلى الأبد.

وما عجز عنه طويلًا أتى الآن:

"ألَا تكون نائبي إذن؟"

...ها قد وقع المحذور.

تنهد "إيد"، فيما تابعت "إيديليا": "إنك أهل لذلك."

"...".

"صبرتُ طويلًا احترامًا لملكية ديون، لكن ها هو لم يعد يبالي بك. إن رغبت في الانتقال فلن يمنعك، ولن يسيء الظن بي لو علم أني دعوتك."

كان صوتها خفيفًا كأنه لا يحمل وزنًا. قبض "إيد" يده وراء ظهره، والشعور غريب... كأن كلماتها تنكأ جرحًا لا يُرى في قلبه.

لكنّه تمكّن من الجواب بصوت مبحوح:

"...أشكرك، غير أني أرفض."

ابتسمت ابتسامة رائقة وقالت: "كنت أعلم أنك ستقول هذا. لكن، إن بدّلت رأيك يومًا... فأنت مرحّب بك في أي وقت."

"...".

2025/09/30 · 33 مشاهدة · 1476 كلمة
نادي الروايات - 2026