استعار "إد" جوادًا من الإسطبل، وانطلق صوب المدينة الأولى.
كان طبيعيًا أن تهرع الوحوش مذعورة أمام فريسة فريدة، تسير وحيدة لا في قطيع، تجوب الفلاة الخالية.
دوو... دوو... دوو... دوو!
الأرض تهتز، وسحابة غبار تتعالى، وجموع الوحوش تهدر من البعيد.
ومع ذلك، لم يتبدّل وجه "إد".
(لقد مضى زمن منذ استدعيتُ قدرتي الفريدة.)
لم يُوقف جواده ولا حتى أبطأ، شدّ اللجام بيد، وبالأخرى رفعها إلى فمه. عضَّ طرف قفازه الأبيض، وجذبه بأسنانه.
ظهر جزء من نقوش سوداء غريبة امتدت حتى ظهر يده.
لقد وُلد "إد" بطاقة شيطانية امتزجت بالريح. لم تكن وليدة اتحادٍ بسيط بين الريح والطاقة المظلمة، بل قامت على قربان جثة بشرية.
جسد قائدٍ بشريٍّ، كان مسجّى بين الليل والنهار، في يوم عاصف. تآكل الجسد وتفسّخ بسمّ الشيطان، ثم أُعيد تكوينه ليصير جسدًا شيطانيًا، واختلطت الريح الدوّامة بذلك، فكانت تلك قدرته الفريدة.
ولعلّها تلك القدرة، أو ربما جسده الذي ظلّ نصفه في عالم البشر، جعلته يختلف عن غيره من مواليد الجثث. فشَعره يحمل شحوب الشمس، وعيناه بلون صفاء السماء. ولهذا حظي برضا "ديون هارت" في وقت أبكر من سواه من الشياطين.
["يسرّني لقاؤك. أنا إد، وسأخدم السيّد ابتداءً من هذا اليوم. سمعتُ أنّ جسدك قد أُنهك وأنت تصدّ البطل عن الانتحار. سنبذل جهدنا كي لا تلقى مشقة."]
["اللون..."]
["عفوًا؟"]
["...لا شيء. أُعَوّل عليك."]
في تلك اللحظة يتذكّر "إد" أنّ العينين الحمراوين الكثيفتين كانتا قد وقعتا، ولو لبرهة، بين عينيه وشَعره، ثم هدأتا قليلًا. وسمع لاحقًا أنّ هيئته، بخلاف سائر الشياطين، أقرب إلى البشر لونًا وصورة.
هنالك أدرك.
(آه يا سيّدي، إنك تمقت كل ما يشي بالشيطانية.)
وما دمتَ بشرًا، فلا عجب أن تفهم. بل الأدق أنّك تنفر من "كل ما يختلف عن البشر". لذا كان الأجدر أن أُخفي سمات الشياطين.
وأنا لم يكن في جسدي من تلك السمات سوى النقش الممتد من الذراع حتى ظهر الكف. ولأن الأكمام تخفي الذراع، فكان يكفيني أن أستر اليدين... ولهذا لم أنزع قفازي قط.
(ديون...)
بعد كل ما بذلتُ، لمَ يزداد البُعد بيننا؟ أتراني أخطأت؟
عاد وعيه يتيه حول "ديون هارت"، يلتف في مكانه. شعر بقبضة صدره تضيق، فتوقف عن التفكير وحدّق أمامه مباشرة.
قال متمتمًا: "...حتى تلك الطيور تكاثفت هناك."
مد يده العارية صوب جموع الوحوش التي اعترضت الطريق.
ما دام لا أحد هنا سوى وحوش، فلا خشية. أدار الجواد دون تردّد، وحدّق إلى القطيع.
وكانت المسافة تتقلّص بسرعة، وما إن كاد الاصطدام يقع، حتى تحرّكت النقوش على ظهر كفّه.
كواااااغ!
تمزّقت الوحوش، بل حتى الصدى انشقّ لحظة.
اختفت الريح السوداء التي مزّقت كل ما أمامها رويدًا. وكان النقش على ظهر يده قد تلاشى منذ برهة.
عاد الضجيج بعد ثوانٍ إلى الفضاء الساكن. مضى "إد" بجواده دون وجل، يخترق الفراغ الذي خلفته الجموع الممزّقة.
ولأول مرة منذ حين، أحسّ قلبه يخفق بقوة، وذراعيه الخاليتين تمتلئان بالهواء.
(ساعة كاملة قبل أن أستطيع استعمالها ثانيةً.)
وعليه أن يقتصد فيما تبقّى.
لكنّ الوحوش بدت مترددة خائفة مما شهدت، فسيبلغ المدينة الأولى قبل أن يتهدد بالخطر.
ولم يكن ترشيحه لقيادة الفيلق محض صدفة، ولا لمجرد قدرته الفريدة، رغم حدودها القاتلة.
تابع "إد" ركوبه هادئًا، لا أثر لقلق عليه.
عصر مُمِل، لا عمل فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
طَرق! طَرق!
بوّاب القلعة، وقد كان يغفو متكئًا إلى الباب، ارتجف من وقع الاهتزاز، وانتفض.
اتسعت عيناه دهشةً إذ أدرك أن مصدر الصوت... طرقٌ على الباب الخارجي. نعم...
(ألم يُعلَن أنّه لا زيارات اليوم؟)
إذن فالزائر الآن قادم بمحضه، وهذا يعني قلّة لا كثرة.
(أيمكن أنّ نفرًا قليلًا اخترق ذاك السيل من الوحوش؟)
لهذا السبب أُغلق باب القلعة، الذي اعتاد أن يبقى مشرعًا، إلا في النادر، حين كثر الوحش وزحف.
للحظة، ظنّ أنّه واهم، وأن الصوت ضربات وحش بجسدٍ بالخارج، لكن كان الطَرق واضحًا: منتظمًا، مقصودًا، مكبوتًا.
خطف لوح الاتصالات.
قال مستعجلًا: "هناك من يطرق الآن! أأفتح الباب؟"
– ....
"هيه؟"
– آه... آه...
أهذا إِذَنْ إِذْنٌ بالفتح أم بالمنع؟
فلو فتح دون تدقيق، جاز أن يجرّ الكارثة، ويدخل الوحوش أسوار القلعة. فزمجر الحارس غاضبًا في اللوح:
"قلها صريحة! أفتح أم لا؟ أترانا نحتاج جندًا يصدّون الوحوش ونحن نفتح؟"
– ...افتح. لا حاجة للجند. فلا وحش حيٌّ خارجًا.
بدت الإجابة غريبة، غير أنّها شهادة من أحد الحراس فوق الأسوار. ولم يكن هناك ما يدعو للريبة.
أمسكتُ بالجهاز الذي يفتح بوابة القصر. كان واضحًا أن العدد قليل، فلا حاجة لفتحها كثيرًا، يكفي أن تُفتح قليلًا. فلو كان الجمع غفيرًا، لوضعوا لنا موعدًا وأعلمونا قبل قدومهم، فلا وجه لاحتمال كثرتهم.
وما إن حرّكتُ الجهاز حتى دوّى صوت ثقيل كالرعد "كُغغغونغ"، وانفرجت البوابة عن شق ضئيل. وكأن أحدهم كان ينتظر، فإذا بفارسة على جوادها تنفذ من خلاله.
"...شخص واحد؟"
انتظرتُ ظنًّا مني أنّ البقية ستدخل من بعدها، فلم يأتِ أحد.
سألت القادمة، إذ رأت البوّاب متسمّرًا: "ما بالك لا تغلق الباب؟"
"الجماعة..."
"لا وجود لهم."
هي وحدها.
أيعقل أنّها جاءت بمفردها؟ لحظة شكٍّ رفعت رأسها، لكنّها ما لبثت أن انطفأت حين أحسستُ بسحرٍ شيطاني يفيض منها.
''...نعم، ما يبرّر مجيئها وحدها.''
إنه جارف حدّ العجز عن تمييزه. بدا وكأن معظم قوات قصر ملك الشياطين لا تقل عن مستوى القادة. ومع ذلك، فالأعراف تقتضي أن يصحب المرء رفيقًا اتقاءً لما لا يُتوقّع... فهل يعني هذا أنّها على يقينٍ بقدرتها وحدها؟
وبما أنه لا مزيد من الشياطين يدخلون، وجب إغلاق الباب ثانية. وضعت يدي على الجهاز، غير أن البوّاب، الذي ألقى نظرةً عابرة عبر الفتحة الضيقة، تجمّد في مكانه.
"...أمرَّت عاصفة من السيوف؟"
رغم أن المشهد محدود من خلال شق ضئيل، إلا أنّ بقايا الوحوش الممزّقة كانت كثيرة إلى حدٍ مذهل.
والعبارة التي ترددت في ذهن البوّاب، لم يسترجعها إلا بعد أن غابت هيئتها: "كنتُ قلتُ إن سحرها مألوف على نحو غريب..."
تذكّرتُ الآن. إنّه نفس السحر الخبيث الذي كان يحيط بمساعد قائد الفيلق ساعة زيارته.
...مهلًا، ما معنى هذا؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القوّة الوحيدة التي ادّخرتها استُعملت أمام بوابة القصر. فلو تركتها ترافقني عند دخولي، لأصبحت كارثة.
وقد خلّفتُ بقايا غير لائقة، لأنّي لم أضبط الأمر مخافة أن أنال من أسوار القصر أو بواباته. لكن على أي حال، جرى تطهير الوحوش، وانتهى الأمر.
"إلى أين أمضي الآن؟"
ترجّل "إيد"، تاركًا فرسه، وألقى ببصره حوله.
لم يرَ سوى أوكارٍ للشراب والقمار. وتسرّبت إلى نفسه فكرةٌ: كان يجدر بي أن أرحل إلى المدينة الرابعة وإن ابتعدت. فهي مدينة المصايف.
"...لكن، حتى لو بلغتُها، لما لبثتُ طويلًا قبل أن أُرغم على الرحيل مجددًا."
نبذ حسرته، وغرق في التفكير.
هذه المدينة التي يعدّها البعض واحة لهو، لا تعني له شيئًا. وبعد أن تردّد، خطا صوب حانة، عازمًا أن يحتسي كأسًا بعد انقطاع.
كانت الحانات كثيرة، فلا مشقّة في العثور على إحداها. دخل "إيد" حانةً ذات مظهرٍ لافت، جلس وأمر بشراب واحد. لم يكن شديد التركيز.
"أأهذا كل شيء يا أخي؟" سأله الساقي.
"سأعود عمّا قريب."
فهو قدِم وحده بلا رفقة من الشياطين، ولا يليق به أن يسكر.
وإذ رأى الساقي شدّة عزمه، نقر بلسانه وأعرض. رفع "إيد" الكأس ما إن وُضع أمامه، وأخذ رشفة.
وإذا بذراعٍ طويلة تلتف على كتفه كالثعبان.
"ما شأن شيطانٍ لا يعرف الخمر؟ أترى أنّ في صدرك همًّا؟"
رأيت طرف ذيلٍ أسود يرفّ في زاوية عيني؛ ذيلٌ مدبّب الرأس، دلالة على أنه من "الإِنكُبُس" أو "السُّكُبُس" (شياطين الأحلام).
...آه، نعم. هذه مدينة المتع. كان عليّ الذهاب إلى المدينة الرابعة. تجمّدت ملامح "إيد".
"...إيغا."
"نعم، مرّ زمن."
تثاءب الإنكبُس وحرّك يده بتكاسل.
كان "إيد" يومًا قد انفجر في وجه "هِيِن" غيرةً وعداءً، وحذّرها ألا تدنو من "ديون" ثانية. وحين تفوّهت هيِن بخطأ، كاد "إيد" أن يخنقها لولا أن منعه "بِن". عندها قال "بِن":
[افهم، إن له ذكرياتٍ أليمة مع الإنكبُس والسُّكبُس.]
[التبس عليه الأمر، فحسب إنكبُسًا سُكبُسًا، وأفصح عن حبّه خطأ...]
وها هو "إيغا"، بعينه، سبب تلك الحادثة البائسة.
هي التي خُيّل لي أني أحببتها... أوّل حبٍّ ملأني بمشاعر غريبة لم أملكها، فبحت بها، فإذا بها ذكرٌ إنكبُس، يسخر من ضعفي.
فالإنكبُس والسُّكبُس يتلاعبون بأجسادهم وفق أهواء من أمامهم. وإن لم يكن لذلك الشخص ميل ظاهر، ظلّت هيئتهم الأساسية بلا تبدّل. ولأن "إيغا" نحيل الجسد، التبس عليّ الأمر. أما أجساد غيرهم من السُّكبُس، فبدت عادية آنذاك، فلا غرابة أن يضلّ بي الظن.
لقد استغلّوا ذلك بوقاحة.
"...بأي وجه تتعلّق بي؟"
"ألا تلطف قليلًا؟ أما يسعك أن تكون صديقًا يُصغي لهمّك؟ لا حرج عندي في أنني إنكبُس أو سُكبُس."
"بفضلك... طال بي العهد."
"آسف جدًّا."
مسّ ذيله عنق "إيد"، وكأنه يعتذر، لكن الاعتذار أبعد ما يكون عن قلبه. أخذ يلاعب خدّه بطرفه الحاد. فانتزعه "إيد" بحدّة وزمجر:
"ما أسخف أن تُظهر ذيلك بين شياطينٍ يتحاملون عليك. هذا من أسباب ازدرائهم لكم."
فكأنهم لم يكتفوا بالعيش عالة، حتى جعلوا من ذيولهم وصمة تُميّزهم وتدعو الآخرين لنبذهم.
ومهما كانت نفس "إيد" غاضبة، ابتسم "إيغا"، ولوّح بذيله مسترجعًا إياه.
"رغم ذلك، ردّك أهدأ مما توقعت. تركت ذيلي بسهولة."
"...".
"ألا أقول لك كلمة، ثمنًا لكونك لم تصفع رأسي ما إن رأيتني؟ إن كانت مشكلتك خاصّةً لا عامّة، فاعلم أنّ العلّة في موقفك أنت."
"...".
"فلطالما كنتَ متراخيًا في اللحظات الحاسمة."
والطبع في الشيطان لا يتغيّر يسيرًا. نقر "إيغا" بلسانه.