حين أفصح "إيغا" عن كونه عِفريتاً ذكريّاً (إنكوبس) بدلاً من أن يجيب على اعتراف "إد"، كان يمكن أن يصبح صديقه لو أنّ موقف "إد" كان مختلفاً.
ومع مرور الأيام وازدياد قربنا، صار الاعتراف في ذلك الحين ذكرى مُحرجة كان بالإمكان تلافيها، حادثةً عابرة تُروى يوماً وتُضحكنا. كان يمكن أن يأتي ذاك اليوم.
غير أنّ السبب في انحدار الأمور إلى هذا المآل كان أيضاً موقف "إد" نفسه.
[…]
كان الأجدر به أن ينفجر غضباً، أن يصيح: هل خدعتني؟ لكنّه ظلّ صامتاً، فمه موصد، وعيناه ترتجفان ارتجافاً فاضحاً لاضطرابه.
دع عنك أن يقول: "لا بأس" أو أن يطلب التظاهر بعدم الاعتراف؛ لم يُبدِ سوى الارتباك والتردّد، حتى كأنّ دماء الطرف الآخر جفّت من فرط الانتظار.
وكان هذا أشدَّ حتميّةً لأنّه لم يكن خداعاً متعمّداً ولا سخريةً متقصّدة.
«عِفريتٌ ذو قوّةٍ سِحريّةٍ شيطانيّة يُحسن إليَّ وهو يظنّني عِفريتةً أنثى (سَكّوبس). كيف لي أن أكشف له أنّي إنكوبس؟»
ومع ذلك، فالسَّكّوبس والإنكوبس كلاهما موضعُ ازدراء، ومن المهمّ ألّا تُسيء إلى بقيّة الشياطين.
ولمّا أدرك "إد" أنّه ليس شيطاناً سيُضارّ لمجرّد ذلك، كان الأوان قد فات.
ذلك التردّد تخطّى لحظة الرجوع، وما ظُنّ أنّه لحظةُ اهتمامٍ عابرةٌ عند الأقوياء امتدّ إلى أن آلَ إلى الكارثة.
ولذا كان "إيغا" مُتهيّئاً لكشف الحقيقة، مُسلّماً بما سيحكم به "إد" وبما سيتّخذه من فعل.
«لكنّي ما كنتُ أظنّ أنّي سأُعجز عن القرار.»
ذلك أنّي أعجز عن أهون الأمور.
لم يكن يهمّ إن كان الحكم إيجابياً أو سلبياً؛ ما أراده "إيغا" هو موقفٌ واضح. حينها فقط تُفرَز هذه العلاقة المُضطربة التي صارت هباءً.
إمّا صداقةٌ بحق، أو قطيعةٌ بحق. أو... حبٌّ – وإن كان مستحيلاً.
{م.م: ما أدعم الشواذ يا جماعة... وما في أثر واضح لوجود شي زي كذا هنا. لو لاقيت دعم للشواذ بوقف ترجمة حقا.}
لكن مهما امتدّ الانتظار، لا يعود سوى الصمت.
في النهاية لم يجد "إيغا" بُدّاً من أن يأخذ هو المبادرة وينهي العلاقة. فمن موقع المَخدوع، أيُّ طريقٍ تسلكه ستبلغ النتيجة ذاتها.
وإن قلتَ لرجلٍ: "لن أراك بعد اليوم" أو "لن ألتقيك ثانيةً لأنّك بلا حياء" قد تقود نفسك إلى أسوأ العواقب.
قرّر "إيغا" أنّه ما دام المصير واحداً، فعلى الأقلّ ليُظهِر موقف "إد" جليّاً.
حتى إنّهم سخروا منه بادّعاء الشرّ، لكن ماذا تعني هذه الليونة؟
خشيتُ أنّي قد غدوتُ بليداً بعد طول غياب، فجئتُ بوقاحة أذكر صديقي. تسلّل شيءٌ من انفعالٍ غريبٍ إلى صوتي دون قصد.
"أنظرْ إلينا الآن، علاقتُنا لم تبلغ العداءَ بعدُ، لكنّ موقفك ليّنٌ جدّاً، رغم ما فعلتُه أنا."
كانت تلك أوّل كلماتٍ بيننا منذ ذلك الحين.
الشيطان الذي كان يُفترض أن يكون مشغولاً كان يشرب الخمر – شيئاً لم يكن يستسيغه – ووجهه ساكن. لم أستطع أن أمرّ به، فدنوتُ متصنّعاً اللامبالاة، لكن لا سبيل لأن يكون غير متوتّر.
ولو لم أقدر، كنتُ لأضرب رأسي بالطاولة أو أمسك بعنقه.
"…إن شئتَ فصلتُ رأسك عن جسدك الآن."
"تمنحُ الناس خياراتٍ كهذه... كلا، يكفي."
"…"
رفع "إد" الكأس إلى شفتيه صامتاً.
حقّاً كان ردّي اليوم وديعاً. لا أدري أكان ذلك لأنّي بدأتُ أسكر، أم لأنّ الوقت مرّ وخَفَتَت الصدمة والانفعالات.
…لا، أنا أعلم.
كان "إد" يخشى أن يُنهي صِلته بمن وهبَه قلبَه يوماً.
فبائساً هو، لم يستطع أن يقول كلمةً لصاحب الشأن، واكتفى بمضايقة بستانيّة قلعة ملك الشياطين التي لا تكنّ له ودّاً.
«لم أغفر لك بعد، ومع ذلك أتشبّث بخيط علاقتنا.»
{م.م:...أرجوك لا. ديون، اقتله...}
وبينما أُمعن في السخرية من نفسي، صببتُ ما تبقّى في الكأس دفعةً واحدة ونهضت.
ابتسم "إد" ابتسامةً مُرّة وهو يلتقي بعين الإنكوبس المتطلّع إليّ في صمت. لكن صوته خرج منخفضاً بلا انفعالٍ ظاهر:
"حقّاً، كما قلت، موقفي هو ما سبّب المشكلة."
لو أنّ مُلازماً – يفترض به أن يكون أقدر من غيره على الوصل والقطع – لانَ على هذا النحو، لكان موضعَ ريبةٍ عند قائده "ديون". فلا بدّ أنّك أخذتَ في حسابك أنّك قد تنجرّ إلى علاقةٍ باطلةٍ فتخطئ القرار أو تؤجّله.
أكان "ديون" يفهمني على هذا النحو؟
تغيّر تعبير "إد" برهةً ليُخفي انفعالاً يتسرّب إليه، ثم زفر زفرةً بليدة.
"لكن ماذا أفعل وقد سهل القول وصعب الفعل؟"
أقلتَ إنّها علاقةٌ إنسانيّة؟ حين أفكّر أجدني ضعيفاً في هذا الباب خاصّة.
ومع ذلك لا حيلة لي. لو استطعت إصلاحها لفعلت منذ زمن.
"هذا أنا."
"…"
"عليَّ أن أعود الآن."
استدار "إد" وخرج.
«ذلك الرجل…»
حتى النهاية لم أقلْ له: "لنلتقِ بعد اليوم". فضحك "إيغا".
خرجتُ بذريعة أنّ عليَّ العودة، وأنا لا أريد المكوث أكثر، لكن ما إن وصلتُ حتى لم أكن أنوي الرجوع حالاً. سار "إد" هائماً بلا هدف.
«…ومع ذلك أظنّه خيراً أنّي جئت.»
ندمتُ قليلاً حين التقيتُ بمن لا أهوى وأنا غير مستعدّ، لكنّي رضيتُ إذ انقشعت شكوكي.
«في النهاية، كانت المشكلة في الظرف.»
لو أصابني أمرٌ كهذا، لَعَهِدتُ اللومَ إلى نفسي، لكن "إد" لم يفعل.
فلا خُبث فيه ولا ضرر للآخرين؛ إنّما هو طبعٌ من طبائع لا تُحصى. مجرّد هيئةٍ من هيئات البشر، فما ذنبه؟
الذنب ذنب البيئة المحيطة التي جعلته إثماً.
«وتبدّل موقف ديون دليلٌ على ذلك.»
شخصيّتي لم تتغيّر بالأمس ولا اليوم.
الذي تبدّل وحده إنما هو الحال، وما دام موقف "ديون" قد تغيّر فالعِلّة بَيّنة.
…غير أنّ "إد"، وهو يسير في أرجاء المدينة غارقاً في خواطره، توقّف فجأة إذ عبر ذهنه سؤال:
«أبلغ الأمر أن يُضطرّ ديون إلى الابتعاد عنّي؟»
وما فكّرتُ مليّاً حتى أيقنتُ أنّ الأمر ليس كذلك.
«…فهل ثمّة سبب آخر؟»
لكن قلقي لم يَنفُذ إلى ذلك العمق.
"مرحباً. لقد مضى وقت منذ آخر لقاء لنا."
"…؟"
انتزع "إد" بصره من شروده، فإذا بعِفريتٍ وضيعٍ لا يُقلقني يظهر أمامي. وجهٌ مألوف، كأنّي رأيتُه من قبل. من يكون؟
"أيّها المُلازم؟"
"…"
لم أُجب على تحيّته، بل ظللتُ أُمعن في وجهه صامتاً. سرى العرق البارد على جبين الرجل الذي كلّمني غير مرّة.
وبعد ثوانٍ معدودة تذكّر "إد" وأطلق تعجّباً:
"مدير هذه المدينة؟"
"نعم، ذاك صحيح. ويشرّفني أنّ مساعد قائد الفيلق الصفري لا يزال يذكرني."
"لي الشرف؟"
أطرق ببصره إلى الأرض. يداه المضمومتان باحترام، ترتجفان عند حافّة النظر.
وما إن شعر بنظرتي شدّ أصابعه. لم يكن في نيّة "إد" أن يقول شيئاً، فأعاد بصره دون تردّد.
"وكيف علمتَ بقدومي؟"
"بلغني متأخّراً خبر زيارة المساعد."
"آه."
على ما يبدو، لقي من يعرف وجهي فأبلغ عنه.
وفي اللحظة نفسها تبيّنتُ سرّ وصولي إلى هنا. ففتحتُ فمي مطمئناً إياه بالجواب الذي يتمنّاه:
"القائد ليس هنا. فلا تفترض أنّه أتى خفيةً قبلي."
"لكن…"
"لم أتلقَّ أمراً خاصّاً بالزيارة، إنما جئتُ لسبب شخصي، فلا تُشغل بالك."
"جزيل الشكر لطمأنتي."
هنالك فقط ارتخت ملامح المدير بعض الشيء. طأطأ رأسه، ثم تحرّك لسانه مع بقايا التوتّر:
"وأودّ أيضاً أن أشكرك خالص الشكر على تسامحك مع ما بدا منّي من جفاء."
لستُ أحبّ التملّق، لكن ما دامت تحيّة…
أومأ "إد" إيماءةً مقتضبة وانصرف.
إلى أين أذهب الآن؟ قضاء الوقت عملٌ آخر. وقع بصري القَلِق سريعاً على المدير الذي ينتظر مروري.
…آه.
"تمهّل."
ارتعد المدير، كأنّما قُذف بالرعب، فتوقّف في موضعه. وجهه الذي شحب لحظةً عاد نظيفاً كأن شيئاً لم يكن.
وما إن رفعتُ رأسي حتى اقترب "إد" وخفّض المسافة بينهما، واضعاً يده على كتفي.
"أنت مدير هذه المدينة، فلا شكّ أنّك تعرف مَواطنها؟"
"أ.. أجل، أعرفها."
"حسنٌ إذن."
إذ من الطبيعي أن يستدلّ السائح بأهل البلد.
فتجمّد المدير.
ــــــــــــــ
وبفضل مُرشد بارعٍ فهِم طباعه على الفور وأرضى رغباته، عاد "إد" إلى قلعة الشيطان بعد رحلة ممتعة، قاصداً "نايسونغ" لأداء عمله، وقد انفرج مزاجه كثيراً.
غير أنّه لم يلبث أن واجه مشهداً هزّ سروره.
"أيّها الوغد! يا زنديق!"
انهمرت السهام.
قائد الفيلق التاسع "تروفر" لوّح بقبضته فشتّتَها. وفي الثغرة تقدّمت "أويل" قائدة الفيلق الخامس، ولوّحت بقوسها حتى ارتطم بوجهه مباشرةً، مُصدراً صوتاً صاخباً.
لم يعد ثمّة مجال للتفكير أو التروّي.
"أويل!"
"رويدكما! كُفّا!"
وما إن قفز مساعد قائدة الفيلق الخامس يُمسك بسيّدته، حتى اندفع "إد" سريعاً وأمسك "تروفر".
ومنذ تلك اللحظة بدأت رأسي تدور. لا، بل ما إن فهمتُ الموقف حتى أخذت تؤلمني.
«قتالٌ بين قائدَيْ فيلق؟!»
ذاك وحده بلاء، فكيف ونحن في حرب؟ إن وقع الشقاق بين القادة فالأذى يصيب ملك الشياطين والقائد العام "ديون". اشتدّ قبضة "إد" على "تروفر".
…لكن لا بُدّ من إيقافهما أولاً. بدا أنّ مساعد قائدة الفيلق الخامس يشاركني الرأي، فقال لسيّدته:
"إن رآكما الملك أو ديون، فالعقوبة واقعة."
"اخرس يا دِيرنِفان! أفلِتني!"
نظر "إد" إلى "تروفر". فالشياطين، بقدراتهم البدنيّة الفائقة، كان بوسعهم الإفلات بسهولة لو أرادوا. توقّعتُ أن يرمي يدي ويهيج، لكنّه – على خلاف الظنّ – ظلّ مكانه، قابضاً على أسفل بطنه.
سأله "إد" قلقاً من صمته:
"تروفر، هل لي أن أسأل عمّا يجري؟"
"…"
مسح "تروفر" أنفه الدامي صامتاً، ثم أسدل يده. ارتجّت عينا "إد" لرؤية الدماء البادية.
ثمّ بوجهٍ ساخطٍ ضرب يد "إد" وأطلق صوتاً هائجاً نحو "أويل":
"وما شأن قطعة خردةٍ مكسورة كهذه؟!"
"ماذا قلتَ؟!"
آه… بفضلكم أدركتُ الأمر، لكنّي غير مسرور.
اندفعت "أويل" مهدّدة بالقتل، وواجهها "تروفر" متحدّياً أن تُجرّبها. وفي تلك اللحظة عاد صفوي الذي جلبته العطلة إلى أصله.
زفر "إد" مُتعَباً وهو يعين "دِيرنِفان" على كبحهما.
«لقد أرهقني الأمر.»
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى الموقف حين همس "دِيرنِفان" بشيء في أذن "أويل".
ماذا قال لها حتى عادت تلك الشيطانة، التي بدا أنّها لن تهدأ حتّى تفتك بتروفر، مطيع؟ أوّل ما سمعتُ حسبتُ أنّه وعدها بلقائها لاحقاً، لكنّي لم أتبين لبّ الحديث.
على أيّ حال، أدرك "تروفر" أنّ لا منفعة له في تفاقم الحادث، فانسحب مُكرهاً. وكان ذلك حظاً طيّباً.
«ما من شيطانٍ في القلعة إلا ويعلم أنّ "أويل" تعتزّ بما تلتقطه من نوادر، فلماذا إذن عبث "تروفر" بمخزونها؟»
أكنتَ إلى ذلك الحدّ ضجِراً؟
وكيف عثرتَ على المخزن أصلاً؟ قيل إنّه مخبوء يُنقَل بين حينٍ وآخر، ولا يعرفه سوى قلّة.
لقد أُنهكت. وأخيراً أطلق "إد" زفرةً طال احتباسها,