كانت كلمة أُلقِيَت بلا تفسير، غير أنّ بول فهِم معناها.

كما هو متوقّع، لقد كنتَ تعرف منذ زمنٍ عن مكان شيّا. ربما علمتَ به ذات مرّة.

"السيّد إيرام... السيّد إيرام... السيّد إيرام..."

"...."

"لِمَ فعلتَ ذلك؟"

انفلت صوتٌ أقرب إلى الرثاء منه إلى الغضب.

شعرتُ بالخيانة، لكن لم أَغضب؛ إذ إنّ الحزن يسبق الغضب.

"أعرف جيّداً ما تمثّله شيّا بالنسبة إليّ."

وجود شيّا ليس شيئاً يُنظر إليه مجزّأً أو يُقاس بميزانٍ عابر.

فبالنسبة لبول، الذي احترق مراراً بيد الشخص ذاته، كانت شيّا البذرة والجذر لآخر ما تبقّى له من إنسانيّة، وهو طفلٌ نشأ في بؤسٍ عاطفيٍّ يابس. وطالما أنّه قائد الجيش الثوريّ، فلن يجرؤ أحد على انتزاعها منه.

غير أنّ خائن الدار يقدر على ذلك.

"...أنا."

فتح إيرام، الذي ظلّ يصغي صامتاً، فمه وقال:

"أردتُ أن أستأصل ضعفك."

"...."

"دانيال، قائد السريّة، أفنى عمره في سبيل أمّه وعاش لها، فلم يكن له من خيار. لكنّك مختلف. أنا ما زلت بخيرٍ من دون تلك الفتاة."

"هاها."

امتلأ المكان بضحكةٍ يابسة. ثم خرج صوتٌ خفيض، ينضح بغضبٍ مكتوم:

"ولِمَ يحكم السيّد إيرام بهذا؟"

"...."

"فماذا تصنع إن أنا جننتُ حقّاً؟"

ذلك الرجل، قائد السريّة، أستاذي وأخي الأكبر، لعلّه كان يلاينه أكثر مما ينبغي لأنه أقرب المقرّبين إليه.

أتراني كنتُ في أعينهم هزلاً إلى هذا الحدّ حتى دبّروا كلّ هذا؟

التقط بول وثيقةً عن المكتب ولوّح بها.

"أيَعلم السيّد إيرام ما هذه الورقة؟"

"...؟"

"إنها وثيقة تُحلّل الوضع الراهن، وتخطّ لنا اتّجاه المسير. آخر نسخة. هل نؤجّل السياسة التي وضعها دانيال لما بعد الثورة وندعوها سياسةً مؤقّتة تُنفّذ في هذه الفترة؟"

كان إيرام يدرك أهميّة الوثيقة، غير أنّ الحيرة ارتسمت في عينيه.

ابتسم بول وهو يلتقي نظراته، ورفع الوثيقة بكلتا يديه كمن يستعرض غنيمة. وفي اللحظة التي ارتجف فيها قلب إيرام من تلك الابتسامة الموحية بشرٍّ مبهم، تمزّق الورق نصفين.

"...!"

اتّسعت عينا إيرام.

لكن بول لم يتوقّف، بل مضى يمزّق ما تبقّى، مراراً وتكراراً، حتى غدت الأوراق أشلاءً مسحوقة.

حين ضمّ بول بقايا الأوراق بين كفّيه أخيراً، أفاق إيرام متأخّراً وقبض على معصمه.

"ماذا... ماذا تفعل! تلك الوثيقة بالغة الأهميّة!"

"اتركني."

"...."

"اتركني، أيها السيّد إيرام."

ارتخت اليد القابضة على معصمه.

نثر بول غبار الأوراق في الهواء كمن يستعرض مشهداً. كأنّ ثلجاً في غير أوانه يتساقط في الداخل.

حدّق إيرام في المشهد مبهوتاً. لم يستفق سريعاً من غضبٍ هادئ لرجلٍ كان يؤدّي دوره بصمتٍ حتى الآن.

...لقد أدرك ما يعنيه هذا الفعل. إنّه إنذار.

"إن كنتَ تريد أن تؤدّي دور القائد الحقّ، فعليك أن تبحث أوّلاً عن مكان شيّا. ومعه تحذير ألا تعيد الكرة."

"لن يكون هناك ثانية، يا سيّد إيرام. هذه المرّة الأخيرة."

"...."

"أين شيّا؟"

آه... ما زلت أبصر الصبيّ الصغير الذي كان دانيال يحمله بين يديه. متى غدا بهذا الكِبَر؟

العيون المترعة بروح القائد الذي يسوق جماعة، ثبّتت نظرها نحوه. وبعد لحظةٍ من التقاء العيون، فتح إيرام فمه ببطء:

"...صراحةً لست متيقّناً. مذ انشغلت بالحرب على عالم الشياطين وتكاثرت عليّ الأعباء لم يعد لديّ وقتٌ لتلك الطفلة. لكن، إن أخبرتك بمكانه حين لمحته آخر مرّة..."

"...."

"...لقد كانت في الديمونية."

"...ماذا؟"

إنه خداع.

ـــــــــــــــــــــــ

ديون، الذي كان يجري اختباراً للمهارات بأسئلة شتّى مع قائد الفيلق الثامن "هيل"، لم يستطع كبح دهشته المتنامية، حتى تفجّرت على لسانه كلمات بغير وعي:

"هذا لا يُعقَل..."

"...كما توقّعتُ، إنني ميؤوسٌ من إصلاحي..."

"لا، لم أقصد ذلك... إنّه موهوبٌ على نحوٍ يفوق الوصف."

موهبة تجعله خطراً.

أهو من الصواب أن نُطلق مثل هذا إلى عالم البشر؟ لن يمضي وقت طويل حتى نسمع أنباء الفتح التام. لقد أُخذ ديون بقلقٍ بالغ.

"إنه حقّاً... رجلٌ شامل."

"...شكرًا...؟"

"...حسنًا، قبل كل شيء، هو ثناء."

كان "هِيل"، قائد الفيلق الثامن، شيطانًا بارعًا في ضروب السلاح كلها. وذلك وحده يكفي ليكون مهيبًا، غير أنّه وُلِد وفي دمه سحر الظلال، فغدت له قدرة لا يُستهان بها.

يتخفّى في الظلال ويتنقّل عبرها.

حتى القيود التي تكبّله في هذا العالم خُفِّفت، كأنّه ما زال في عالَم الشياطين. أمرٌ جلل، خاصّة أنّهم ما إن سمعوا بنصيحة "ديفيلانيا" قديمًا، حتى سارعوا لمواجهة الهدف ثم عادوا أدراجهم.

صحيح أنّ لقوّته حدًّا لا يتخطّاه، لكن ما هذا الجنون؟ أيّ قدرة هذه؟

"على أيّة حال... شكرًا لجهدك."

وأنا كذلك عليّ أن أُقصيه عاجلًا.

"شكرًا."

"..."

فجأةً عاد التحية إليه.

كان الدم النازف على الأرض يُثقِل صدره ذلك اليوم، فمدّ "ديون" يده إلى جيبه وأخرج سيجارة، ثم أمره أن يدخل ليستريح.

وما إن استدار، تبعه "إيد" و"دان" وكأنّه أمر طبيعي.

توقّف "ديون" برهةً عند الباب، ثم التفت إلى "إيد".

تلاقت الأعين، وفيها انكسار كأنّها تعرف ما سيقال. تردّد "ديون" قليلًا، أغلق فمه، ثم فتحه أخيرًا ونطق بما أراد:

"أحسنتَ الصنيع أيضًا."

"..."

كلمة مواربة تُقال للضيف إشارةً إلى أن ينصرف.

ألقى "إيد" نظرة إلى "دان"، ثم انحنى برأسه ومضى صامتًا. ظلّ "ديون" يتبعه ببصره قليلًا، ثم صرف نظره سريعًا وأمسك مقبض الباب.

حين فتحه، كان نبات غريب يطلّ برأسه من وعاء عند النافذة، يُصدر أنينًا خافتًا ويهزّ أوراقه تحيّة.

"آه... مرحبًا."

"ففف..."

دخل الغرفة، فامتدّت السيقان نحوه.

إلى أيّ مدى يمكنها أن تطول؟ نظر "ديون" إلى الساق التي تتمدّد وتنكمش كيف شاءت، ثم طوّق خصر النبات المعلّق بيده دون أن يُكسِر الوعاء.

"...ما هذا؟"

"يَك!"

"ألستَ في مزاج سيّئ؟"

"سوييت!"

"آه، هذا أيضًا... لكن رائحتك تبغ."

"يَك!"

"...كيف بالله تتفاهمون قبل أن يشمّ... أو قبل ماذا؟"

كان وجه "دان" الممزوج بالدهشة مضحكًا، فضحك "ديون" ووضع الوعاء على الطاولة. أخذ يداعب الساق السميكة برفق وهو يقول بخفّة:

"يكفي الشعور فقط."

"...حقًّا؟"

"لستُ أكذب... بل إنّه يُفصح عن أفكاره بطرق مفصّلة أحيانًا. الأمر بيّن."

"حسنًا."

"على ذكر ذلك..."

جلس "ديون" على السرير، يتمتم:

"قائد الفيلق الثامن لا بدّ أن يُقتَل كذلك."

"وكيف؟"

سأل "دان" بهدوء، وهو يعبث بالنبات الغريب على الطاولة. لم يُبدُ اندهاشًا، إذ توقّع شيئًا كهذا.

رفع "ديون" يده إلى فمه، عضّ مفاصله وهمهم:

"أدري... ماذا أصنع؟ لا أستطيع قتله بيدي..."

لو فعلها بيده لكان أوجز، غير أنّ العيون كثيرة. في قلعة الشياطين نفسها، أنظارٌ لا تفارقه، والملك نفسه يرمقه بعينٍ أثقل من الجبال. فلا مَهرب.

و"ديون"، الذي خطّط أن يُقلِّل من عدد قادة الفيالق لاحقًا، لم يشأ أن يغامر من البداية.

"إن لم يخطر لك أمرٌ الساعة، فلِمَ لا نأخذ قسطًا من الراحة...؟ حسنًا!"

صرخ فجأةً إذ غرز الوحش أسنانه في إصبعه.

انتزع "دان" يده، والدم ينزف بغزارة، فبهت وجهه.

"أيُعقل أن يكون في الزهرة أنياب؟..."

"فهاها!"

"...أأعجبك الأمر؟"

"أجل. كثيرًا. وصاحبه قارض مثله، فمن الطبيعي أن يعضّك."

"..."

"لا سمّ فيه، فلا تقلق. أيجرؤ أحد على مسّي؟"

قهقه "ديون"، فيما أخرج "دان" منديلًا من جيبه ومسح الدم بفتور، ثم استجمع غايته التي جاء من أجلها:

"...لقد عثرتُ على (شِيّا) التي تبحث عنها يا سيّدي. فتاة بائسة، كانت يومًا في كنيسة الخلاص. الاسم موافق، والشروط الثلاثة متحقّقة. وهي الآن في كنيسة الديمونية."

انتظر "دان" ردّ فعل، إذ كان الخبر صادمًا؛ أن تكون مَن يبحثون عنها بين جدران كنيسة الديمونية. لكن "ديون" لم يُبدِ دهشة، بل استلقى على السرير.

"أعلم."

"...ها؟"

"تحت المصباح يكثر العمى. للأسف فات الأوان."

حدّق في السقف بعينين غائمتين.

"إنّها متعاقدة مع قائد الفيلق الثامن."

"...آه؟"

"لم أُخطَف بغير سبب."

كان الفراغ يملأ صدره، والعبث يحيط به. حتى وهو يستعيد توازنه، ظلّ الأمر عنده سخيفًا.

"دان" بدوره لم يجد سوى التلعثم:

"...آه... صحيح... هذا... مفاجئ جدًّا."

"..."

"فما العمل إذًا؟ إنّها في كنيسة الديمونية، لو أخبرنا (ليرينيل) ستتولّى الأمر سريعًا."

كانت تلك طريقتها العمياء؛ تفعل ما يأمر به "ديون" دون رويّة. وهو يعرفها جيّدًا.

ربّما لهذا...

رفع "ديون" جسده قليلًا، كأنّه سيتكلّم، ثم كتم الكلام وأسدل يده على وجهه. مسح وجهه مرّة واثنتين، ثم رفع رأسه. خرج صوته محمَّلًا بالأسى:

"يبدو أنّ الحرب نخرتني كثيرًا."

"..."

"فأفكاري بدأت تُشبه مكايد ذلك الوغد."

وقعت عيناه على قلم بنفسجي على الطاولة، فأخذه وكسره نصفين، ثم ألقاه بجانب الوعاء، فصفعه النبات بسيقانه وهو يصرخ "يَك!"

رأى "دان" المشهد، فأطبق فمه في حيرة.

"..."

"...أنت فطن حقًّا."

"يَك!"

رفع النبات ورقته كأنّها إبهام، مشهد مضحك أراح قلب "ديون" قليلًا، فابتسم وقال:

"لنُرجئ القرار إذن. لا داعي للعجلة."

"صدقت. ما دامت تلك الفتاة متعاقدة مع قائد الفيلق الثامن، فلو عادت الآن سيُرتاب في أمرها. الأجدر أن نمهل الزمن."

"نعم. ولمّا كنت أبحث عن (شِيّا) لم أتخفَّ. كلّ الشياطين علموا. إن هلكت الآن سأكون أوّل مَن يُتَّهَم..."

أدرك "دان" مراد "ديون"، وقد شعر أنّه اكتشف بعض ما يفكّر به. غير أنّه آثر ألا يفسد جوّ اللحظة، فاكتفى بالموافقة.

ساد بينهما جوّ غريب؛ دافئ، لكن ليس تمامًا.

ثم قال "دان" كأنّ فكرة خطرت له:

"...آه، وعلى سيرة البحث عن (شِيّا)، سمعتُ إشاعة."

"ما هي؟"

"حديثٌ ذائع بين العامّة في عالم البشر هذه الأيّام... عن بطلٍ أخضر الشعر، يجوب الأماكن الوضيعة لا الرفيعة."

بطل أخضر الشعر.

انفلت الاسم من فم "ديون" دون تفكير:

"...السينيور ستيغما."

2026/02/15 · 48 مشاهدة · 1363 كلمة
نادي الروايات - 2026