دان أومأ برأسه.
"نعم، أرى ذلك أيضًا."
"لكن... لستَ من أولئك الذين يتركون مكانتهم بسهولة..."
أمال ديون رأسه.
كان رجلاً يتشبّث بالكرامة والمجد أكثر من أي أحد، وكل ذلك لا بد أنه وُلِدَ من شعوره بالقرف من كونه "لقيطًا" و"نصفَ نبيل".
وقد قيل بوضوحٍ إنّه "يجوب القارّةَ باحثًا عن أدنى الأماكن". ولو كان في أي ملكٍ ذرةُ عقلٍ لما أضاع قوّته البشرية الثمينة في أمرٍ كهذا، فيُفهَم من ذلك أنه بلا انتماء. أي أن الشخص الكامن وراء الإشاعة، إن كان حقًا ذلك "الوصمة"، فقد ألقى بلقب النبيل وراء ظهره.
"أتُراه ذاك (ستيغما بريميرو) قد خلعَ لقبه؟"
أطرق ديون لحظةً وهزّ رأسه.
"أليس مجرّد إشاعة؟ أو بطلٌ آخر؟"
"أولاً، هذه ليست إشاعة. هناك شهادات عديدة من شهود عيان. وإمكانية أن يكون بطلاً آخر... ليست معدومة تمامًا، لكنّها احتمالٌ ضئيل. الشعر الأخضر ليس أمرًا شائعًا. بل قيل أيضًا إن البطل المزعوم كان يُخفي في حركاته أناقةً لا تُخفى..."
"أنتَ الأقدم."
وحين يخطر بالبال معنى "الأناقة"، فذاك لا يُوصَف إلا بـ(ستيغما بريمير).
لا سبيل لإنكار ذلك. ومع أنّه أقرّ بالأمر متردّدًا، أبدى ديون شكَّه في هذا الموقف الغامض.
"لِمَ خلع لقبه النبيل...؟"
"لا أدري، لكنه لا بدّ أن له مقصدًا. كأن يكون... ساعيًا لمجدٍ أسمى، حتى لا تعود للألقاب قيمة."
"...مجدٌ أسمى؟"
"نعم. صراحةً الإمبراطورية تنهار. ولو ظلّ في مكانٍ كهذا لصار مجردَ 'بطلِ مملكةٍ خَرِبة'. أتظنُّ أنّه سيرضى بهذا؟"
"بالطبع... إن كنتَ أقدمَ منه فأنت ممّن يسعى ليترك وراءه مجدًا لا يُنسى حتى بعد الموت."
في الأزمنة الماضية، لا سيما في الحروب، تُنسى الممالك المتهدّمة، ولا يلتفت إليها أحد. حتى لو كان إمبراطورًا، فبطلٌ كهذا قد يُمحى اسمه ولا يخلّف أثرًا.
فلعلّ (ستيغما بريميرو) قد ضاق بذلك فغادر المكان.
الأمر معقول. مسح ذقنه وهزّ رأسه متفهّمًا.
وأضاف دان بابتسامة جانبية:
"في الحقيقة، لا أجد سببًا آخر يدفعه للتخلي عن مقام النبلاء."
"...صحيح."
فكرتُ بالأمر كذلك، لكني لم أجد فرضيةً أصدق من كلام دان.
...ليس ذلك هو المهم الآن. فلنترك جانبًا الفرضيات التي لا يقين لها.
"إنه حقًّا يتجوّل في القارة."
وبفضل ذلك خطرت في بالي فكرة. لم أُفكّر فيها طويلاً حتى فتحتُ فمي وشاركتها قبل أن تتبدّد وسط انشغالي.
"...يا قائد الفيلق الثامن هيل، مهما حدث فلا شيء يغيّر وجوبَ إرسال هذا إلى العالم البشري. فماذا لو أرسلناه إلى أسوار مملكة الجبل التي قيل إنها تأخّرت، ونعالجه عبر أقدميّتك؟"
"يبدو فعلًا أنه قادر على قتل قائد الفيلق الثامن بعد رفع القيود عنه، لكن... هل سيفعل ما نريده؟"
"سيتحرّك. أيعقل أن يفوّت رجلٌ ترك مقامه طلبًا لمجدٍ أعظم فرصةَ قتلِ قائد فيلق؟ 'أعطني ساحةً وسأعتليها عن طيب خاطر'."
وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فكلّ ما علينا أن نفعله هو أن نُحرّكه.
كان صوته مشحونًا بالثقة كأنه مُوقن بما يقول.
وكلما قلتُ ما يجول في رأسي أحسستُ أن أفكاري المبعثرة تنتظم في سياقها. تابع ديون تمتماته كأنه يحدّث نفسه:
"الفيلق الثامن وحدةُ درع، لذا بدلاً من إرسال دعمٍ مع هيل، سيكون أجدى تركُه في قلعة ملك الشياطين... وأرسلوا بدلًا منه وحدةً عامة. فالمحور كلّه هو قائد الفيلق الثامن. أنتَ تعرف موضعه أليس كذلك؟"
"نحن على علمٍ أوليّ بالقرية التي نقيم فيها. ومن الصعب حتى أن نلتقي أعينهم فضلاً عن التواصل."
"إنه بطلٌ، فسينزع بسهولةٍ تلك الأعين الملتصقة. هذا يكفي."
في كلّ حال، المأوى الوحيد هو نُزل. وإن لم يكن الوضع مواتيًا فلستَ من صنف من يُصِرّ على البقاء في الشارع مع وجود نُزل. خصوصًا أنه 'بطل' يستطيع تجاوز أيٍّ كان؛ فلا سبب يدعو النزل إلى منعه.
غير أنّني إن حاولتُ التواصل مع أحدهم فالغالب أن يتجنّبوه، ولا يسعني أن أذهب بنفسي إذ أُثير كلَّ الأنظار سواء في عالم الشياطين أو في العالم البشري...
"أبلِغ هذا جميع أصحاب النُّزل في القرية التي تنزل بها. إن رأيتم رجلًا أنيقًا، في هيئته كلامٌ وهيبةٌ، فأوصلوا له رسالة. إن دفعتَ لهم مالاً فالجميع يفعل ذلك."
"وما الرسالة؟"
"حسنًا... ينبغي ألا تكون صريحةً أكثر من اللازم..."
طرقتُ بإصبعي السبابة على فخذي.
"...سيُلقي المصباحُ ظلًّا أمامه، وهو قائمٌ في مهبّ ريحٍ عاصفة، ولن يقدر على إزاحته سواك.... أترى ذلك كافيًا؟"
"حسنًا. سأُبلّغك إياها."
"آه، وفي الختام أضِف أنها هديةٌ وصنيعةُ جميلٍ من تلميذٍ دميم. وأنت تعرف أن عليك التحرّك في الخفاء أليس كذلك؟"
"بالطبع."
ابتسم دان.
"سأؤدّيها على أكمل وجه هذه المرّة أيضًا."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حان وقتُ الرحيل عن هذه القرية.
أنا واثق أني لن أُقبض عليّ، لكن تفادي ذلك بحد ذاته مُرهق. تذكّر ستيغما تلك العيون التي كانت تلاحقه قبل قليل وأخرج نقوده ليدفع.
في لحظةٍ ما يبدو أنني استسلمت، فقلَّت تلك العيون، لكنه لا يزال أمرًا مُزعجًا. وبالنظر إلى وجود رجالٍ من الإمبراطورية داخل النُّزل لم يستطع ستيغما أن يهمل احتمال حدوث ما هو أسوأ، فقرّر مغادرة القرية قبل أن يتضاعف الإزعاج.
...لكن.
"ما بالك لا تأخذها؟"
لِمَ ينظر صاحب النُّزل إليّ هكذا؟
منظره وهو يحدّق بي دون أن يأخذ المال أزعجني فأقطّبت جبيني. وحين لم أطق الانتظار وسحبتُ يدي خطفها هو. ضحك ستيغما.
"أيّ حيلةٍ هذه؟"
آنذاك فقط فتح الرجل الذي كان ينظر إليّ بصمتٍ فاه وتكلّم.
قال متردّدًا: "كنت أتساءل كيف لي أن أفرّق؛ فقد قيل إنّه رجل رقيق الطبع، لكن... حين تقع عيني عليه أدرك الفرق يقينًا."
"..."
كنت أهمس لنفسي، غير أنّ السهم وُجِّه إليّ. فأطبق "ستيغما" شفتيه صامتًا.
ويبدو أنّ أحدهم قد استأمن صاحب النُزُل على رسالة أو وديعة. فمَن يتجنّب لقاءه وجهًا لوجه، لا غريب أن يبعث بكلماته على هذا النحو. لعلّها تسوية بين الطرفين بعد شدّ وجذب.
فانحسر حدّ الفواصل، ولان الصلب شيئًا. ومهما يكن، فقد ألقى صاحب النزل كلماته ملبّيًا الطلب: "جاءني من يقول لك: سيُلقي المصباحُ ظلًّا أمامه، وهو قائمٌ في مهبّ ريحٍ عاصفة، ولن يقدر على إزاحته سواك."
"..."
وأضاف: "وهذا فضلٌ وهديةٌ من تلميذٍ دميم."
فالتقط "ستيغما" المعنى على الفور، وابتسم ابتسامةً ساخرة. "شكراً لإخباري."
لم يطل مقامه، بل ترك خلفه نظراتٍ لاصقةً متطفّلة، ودفع المال وغادر.
ومتى ابتعد عن الأعين، وقف يتأمّل الرسالة: "مصباحٌ قائم في مهبّ ريحٍ عاصفة..."
إنها كناية صريحة عن موقفٍ حرج يكاد ينكسر فيه كلّ شيء. وليس مجرد نسيم، بل إعصار عاتٍ. وما إن خطر ذلك حتى استدعى "ستيغما" إلى ذهنه بلاد "سانغوين"، التي كانت مسرحاً لهجمات عالم الشياطين.
"ظلٌّ أمام المصباح..." أهي شارة إلى قوّات تعزيزٍ من عالَم الشياطين؟
ولمّا قيل: "لا يزيحه سواك"، بدا أنّ بينهم قائداً من طرازٍ فريد، لا جنديًا عاديًا.
لقد قيل إنّ الإمبراطور السابق "إدوارد" قد زُحزح على يد "ديزرت"، لكن ذاك كان استثناء. أمّا "ستيغما"، فكان أعتى الأبطال قاطبةً، يثق بنفسه كما يثق السيفُ بحدّه.
"إذن المرشَّح لا يخرج عن قائد الفيلق الأول أو الثالث... أو قائد عقد حلفًا مع بشر."
وأما الجملة الأخيرة: "طلب وهدية من تلميذ دميم"، فهي إشارة واضحة أنّ صاحب الرسالة هو "ديون هارت". فيها رجاء أن يُصغى إليه وألا يُنبذ صوته.
ابتسم "ستيغما" ابتسامةً متعالية، وقد داعب نسيمٌ دافئ وجهه الأرستقراطي الذي طالما لفحته برودة الكبرياء. "ها هم يستدعون رابطة الأستاذ والمريد... كي أحرك ساكناً. حسناً يا فتى... سأُلبيك."
لكنّه كان يعلم أنّ في الغد، حين يلتقيان، سيقع ما يوجب الأسف. ومع ذلك، لم يجد سبباً يمنعه. بل لعلّ هذا وحده لا يكفي ليُوازن الكفّة.
فتحرك، وقد عقد العزم أن يجد ما يليق أن يُقدّمه بديلاً حين يلتقيان من جديد. "...من أجل مجدٍ أعظم."
فالناس يظنون أنّ "ستيغما بريميرو" مشغوف بالألقاب والنُّبْل. لكن الحقيقة أنّه لم يُمسك بها إلا لكونها شاهداً على شرفه، لا أكثر. فقد كان اسمه "وصمة" تلطّخ أسرته، بصفته ابنًا غير شرعي، فصار شغفه بالشرف ناراً تأكل جوفه، إذ هو السبيل الوحيد ليُطهِّر اسمه ويخلّده.
ولذلك، فإن لقب النبالة الذي يحمله اليوم مجرّد عباءة، يُلقيها متى شاء إن اقتضت التضحية. "المهم أن يُنقش اسمي في سجلّ قارةٍ بأسرها."
فإذا ما بلغ أرض المعركة، هُدي إلى ما ينبغي فعله.
واختار، من أجل تلميذه البائس الحبيب، أرضاً لا يشتهيها قلبه، لكنّها ستقوده إلى المصير المحتوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"سينتهي الأمر في لمح البصر..."
همس "هيل"، قائد الفيلق الثامن، يائساً. فالتفت "ديون" برأسه متعجباً. "مَن تعني؟"
"...أنا بالطبع."
فقال متحسراً: "أأنت؟!"
وإذا كان هكذا قبيل الحرب، فكيف يكون عند وقوعها؟ حتى معاونه بدا قلقاً، فربّت على كتفه مسارعاً: "ستُحسن الصنيع يا هيل."
فأجاب بانكسار: "لا أظنّني سأحسن..."
قال له: "وأنت ذو قدرةٍ عظيمة؟!"
"لكن... هل يليق مثلي بمهمّة كهذه؟"
كان معاونه "ناين" يتنهّد في صمت، يحرص ألا يجرح مشاعر قائده الرقيق.
ورأى "ديون" المشهد، وقد بدا القلق اليوم أشدّ من ذي قبل. فهل لأنه أوكل إليه أخطر مهمة في حياته؟
رفع بصره، فإذا بعينيه تقعان على معاونة قائد الفيلق الثاني عشر، الذي كان يوبّخ سيده قائلاً: "كم مرةً حذرتك أن تزن كلماتك قبل أن تنطق بها؟! ألم تستمع؟ لقد كدت تجرّنا إلى عراك مع قائد آخر!"
"..."
"وأنت الآن تلوذ بالصمت؟! والله إني لأفكر أن أترك معاونتك!"
"عذراً..."
"لم أسمعك."
"عذراً!"
فالتفت "دهار"، معاون قائد الفيلق الثاني عشر، إلى حيث التقت عيناه بعيني "ناين" الذي كان يُسكّن من روع قائده. وتبادلا نظرةً صامتةً من قلبٍ مثقل:
"لقد كابدتَ كثيراً." "وأنت أيضاً..."