"ما هذا؟" اكفهرّت ملامح "ديون" وبردت نظراته.

"أشتاقُ إلى مخدعي في غرفتي..."؛ كان يرقب الموقف بعينين ملؤهما الأسف، ثم دنا من قائد الفيلق الثامن الذي كان يرسف في أغلال قنوطه، رغبةً منه في حسم الموقف سريعاً والخلود إلى غرفته.

«أعلمُ أن ثقتك بنفسك قد زعزعتها الظنون، لكن هذا لا يعني أنك لن تخوض غمار الحرب. فلتنهض فحسب.»

«ولكن...»

«ستكون كفؤاً بما يكفي، فلا ضير من القلق إذن.»

رفع "هيل"، الذي كان منكمشاً على نفسها رأسه ببطء. وتحدث ذلك الظل الأسود المتجسد، الذي لم يبن له ثغر، بصوتٍ متهدج يملؤه التردد: «أأنت جادٌ فيما تقول؟»

{م.م: متهدج (صوت متهدج): الصوت الذي يرتعش وينقطع بسبب البكاء أو الضعف أو الخوف.}

«أجل.»

وضع "ديون" يده على منكبه، وبرقت عيناه الحمراوان بصدقٍ جليّ: «إن لم تثق بنفسك، فثق بي؛ فإني أرى الفوز حليفك.»

«...!»

تصلب جسد "هيل" لبرهة، كأنه استُحيل صلحداً من حجر، ثم ما لبث جسده أن ارتعش، وانبعث منه صوتٌ باكٍ: «فهمت... فهمت! لن... لن أخذلك أبداً!»

{م.م: صلحداً: الحجر الصلب الشديد.}

...يا له من مشهدٍ يبعث على التأثر.

شعر "ديون" بضيقٍ في صدره حين رأى حماسته تشتعل. تحسس ما بين ثيابه، وأخرج لفافة تبغٍ وأشعلها، ثم أغمض عينيه الكليلتين بهدوء.

{م.م: الكليلتين (عينيه الكليلتين): من "الكلال" وهو التعب والإعياء الشديد. أي عينين أرهقهما السهر أو الهم.}

حتى وعيناه مغمضتان، كان يشعر بفيض الدماء التي غمرت كاحليه وطغت فوقهما. حينها سمع هاتفاً يهمس في أذنه: — "أيها المنافق"

«....»

لم يبدِ "ديون" أي أثر. طرح ذلك الصوت الذي ينعته بالمنافق والحثالة وراء ظهره، ورفع طرف ثغره مجيباً بسكينة: «... حسناً.»

ارتدّت أجفانه، لتطالع عيناه الباهتتان "هيل". شعر بالامتنان مجدداً لأنه من بني "الظلال"؛ فبسبب هيئته الظلية، استطاع تجنب تلاقي الأعين، فالظلال لا أعين لها. ولو كان لـ "هيل" عينان، لما استطاع النظر في سوادهما.

مدّ يده دون وعي منه. «... السيد ديون...؟»

حامت يده قريباً من موضع العينين المفترض. وحين سمع صوته المرتبك، ثنى أصابعه وقبض كفّه بلين. كان يتخيل نظراته دون أن يراه؛ نظرات صافية، طاهرة، وعازمة... تلك التي تُسمى عادة بالعيون "الإنسانية" لأبعد حد. ماذا كان سيحدث لو واجهها وجهاً لوجه؟ أيقن "ديون" أنه ما كان ليصمد.

كيف للمرء أن يقاوم نظرة بريئة تخطف الأنفاس، وتتجسد قوتها في نبرة الصوت وفعل المرء؟

«هيل.»

«لبيك، سيد ديون.»

لم ينطق "ديون" على الفور، بل اكتفى بابتسامة باهتة. ... عدا المظهر، ما الفرق حقاً بين الشياطين والبشر؟

ليست الشياطين "شراً مطلقاً" كما يُشاع؛ فإذا أمعنت النظر، بدت في بعض الوجوه أكثر نقاءً من بني البشر. ومع فيض أفكاره، طرأت له خاطرة: «لو كنتم أشراراً حقاً لكان خيراً لي.»

لو كانوا كذلك، لما تردد في إنفاذ خطته، ولما أثقله وقر الخطايا. شعر كأنه حجرٌ أسود كان يظن نفسه في عالمٍ من الأحجار البيضاء، فانزلق إلى عالمٍ من الأحجار السوداء، ليكتشف أنه عالمٌ "رمادي"، وأنه لا يوجد حجرٌ أشد سواداً منه.

«... أهو مفعول التبغ؟ أشعر أن كل هذا هراء.»

لم يعد يدري كنه أفكاره. حتى لو كانوا أشراراً، لن يتغير الموقف؛ سيمضي في خطته، لكنه سيظل يقلب عبء الإثم في قلبه كي لا ينساه. لعل حاله الآن أهون مما سيكون عليه آنذاك.

عند تلك الفكرة، قطع "ديون" حبل أفكاره، وأطفأ لفافته بعنف، ثم نظر إلى ذلك الشيطان الذي يحمل ملامح إنسانية مفرطة، وقال بلهجة الناصح: «... جاءتني أنباءٌ تفيد تعثر فرقة الطليعة بسبب فخٍ نُصب لها. فلتكن على حذر أنت أيضاً.»

«آه...! أجل، فهمت!»

— "أيها المنافق". عاد الصوت يهمس، ووخزت رائحة الدماء أنفه. أخرج "ديون" لفافة جديدة وابتسم كأنه يرد على ذلك الهاتف: «أعلم ذلك.»

ــــــــــــــــــــــــــــ

بينما كان "ديون هاردت" يودع قائد الفيلق، كان "إيد" — الذي اعتاد ملازمة "ديون" — يتسكع في الحديقة. كان "هيين" يرقبه من بعيد، وقد أمال رأسه حيرةً.

قد يبدو الأمر للناظرين عادياً، لكن "هيين"، الذي قضى عمره يترسم خطى الآخرين ويدقق في أحوالهم، أدرك أن "إيد" مكتئب. «ما الخطب يا ترى...؟»

يعلم "هيين" أن "إيد" يمقته، لذا وجب عليه الحذر وتجنبه... لكن رؤيته بتلك الحالة جعلته يتجمد في مكانه. ولعل فضول "هيين" وتطفله كانا يثيران حنق الآخر.

انحنى "إيد" والتقط حجراً، ثم قذفه بقوة نحو المكان الذي يقف فيه "هيين". مر الحجر كالسهم بجانب رأس "هيين" مخلفاً صوتاً حاداً، وفي اللحظة ذاتها سقطت نبتة صغيرة صريعة.

«....»

«اغرب عن وجهي.»

انبعث صوته كزئير وحشٍ هصور، على نقيض سمتِهِ المهذب المعتاد. بدا كحيوانٍ جريح يشحذ مخلبه ليخفي وهنه. توقف "هيين" ورفع رأسه، ولم يستفق إلا حين التقت عيناه بعيني "إيد" المتوهجتين غيظاً، فانسلّ مبتعداً ببطء.

{م.م: هصور، الأصل: مشتقة من الفعل "هَصَرَ"، ومعناه: كسر الشيء أو جذبه وشده بقوة. الوصف: "الهَصُور" هو القوي الذي يكسر فريسته ويحطمها، أو الذي يميل الأشياء ويجذبها بشدة لعنفوانه. "سمتِهِ"، السَّمْت: هو الهيئة، والوقار، وحسن الطريقة في التعامل. يقال "فلانٌ حَسَنُ السَّمْت" أي أن هيئته، وطريقة كلامه، ومشيه، وسكونه توحي بالرزانة والأدب.في السير والسلوك: تُستخدم الكلمة لوصف الشخص الذي يلتزم بوقارٍ وهدوءٍ معيّن في شخصيته.}

حينها، تعرّض له صوتٌ ساخر: «خُلُقك ضيقٌ يا صاح.»

كان "بن" يقف هناك، حاملاً حقيبة طبية بيده، ولوّح بالأخرى وهو يتوسط المسافة بينهما. امتقع وجه "إيد" استياءً، بينما ولّى "هيين" مدبراً وهو في حيرة من أمره.

التفت "إيد" نحو "بن" وأبدى تبرمه دون مواربة: «وأنت أيضاً، تنحّ عن طريقي.»

«هذا مخيف. يجب على "ديون" أن يعلم حقيقة طباعك هذه.»

كانت كلماتٍ عابرة، لكن وقعها كان شديداً. «... أطبق فمك.»

تلك كانت أسوأ كلمة تُقال لمن بات حساساً تجاه كل ما يخص "ديون هارت". استحال الهواء من حولهما بارداً كالثلج، وسكنت نبرة "إيد" حدةٌ قتالة.

إلا أن "بن"، الطبيب "الدجال" الذي اعتاد مقارعة قادة الفيالق، اتخذ مجلسه ببرود، وأشار إلى المقعد بجانبه داعياً "إيد" للجلوس: «لا تكن فظاً معي، فلنتجرع كأساً مع "الشياطين العاطلين".»

«ومن أين لك بالخمر...؟»

صمت "إيد" حين رأى زجاجة الخمر تبرز من حقيبة الزيارات. كانت كلمة "كيف وصلت تلك إلى هناك؟" على طرف لسانه، لكنه ابتلعها وأشاح بوجهه إعراضاً.

«أيها الدجال.»

«ماذا؟!»

في النهاية، لم يتمالك "إيد" نفسه ونطقها. ثار "بن" معترضاً على وصفه بالدجال، فهدأت نفس "إيد" قليلاً وهو يراه غاضباً، وأردف بهدوء: «أخبرتكم جميعاً أن حقيبة الزيارة تحوي زجاجة خمر. يبدو أن الطبيب المعالج بات يداوي مرضاه بالخمر هذه الأيام.»

«... تباً لك.»

نظر "بن" إلى "إيد" والزجاجة في يده كأنه يهمّ بضربه، ثم تنهد وفتح الزجاجة. دهش "إيد" من هدوئه المفاجئ، ثم استقر نظره نحو الأفق وساد صمتٌ قطعه صوت "إيد" الخفيض: «"الشياطين العاطلون"... يبدو أنك صرت أكثر فراغاً أيضاً. لقد صار السيد ديون بطلاً، وهذا أمرٌ طبيعي.»

«أجل، لقد غدوتُ شبه عاطلٍ عن العمل.»

كان كلام "بن" أشبه بمناجاة النفس، لكن "إيد" سأل ببطء: «ألا يشقّ عليك ذلك؟»

«كطبيب، أنا سعيد. فهذا دليلٌ على صحة "ديون".» لكن المشكلة تكمن في عقله..." هكذا تمتم "بن" وهو يصب الخمر في كأسه. كاد "إيد" أن ينعته بالدجال ثانيةً، لكنه كظم غيظه وتناول الكأس. وبعد صمتٍ طال بينهما، سأل "بن" فجأة:

«ماذا لو؟»

«....»

«ماذا لو وقع الصدام بين "ملك الشياطين" و"ديون"، بصفّ مَن ستنحاز؟»

«... هذا سؤالٌ وقح.»

«قلتُ "ماذا لو".»

«لا يستحق الإجابة.»

أشاح "إيد" برأسه وتجرع كأسه. رمقه "بن" وقال بنبرة هادئة: «أنت تتهرب من الجواب... هل يعني هذا أنك عاجزٌ عن الاختيار؟»

«... ولائي لكليهما. لا يمكنني المفاضلة. فولائي لديون هو ولاءٌ لملك الشياطين بالضرورة.»

«إذن، لهذا وضعتُ افتراض "ماذا لو"؟ أنت متردد.»

همّ "إيد" أن يسأله بغضب عن اختياره هو، لكنه سكت لهول فكرة خطرت بباله. «... تلك العائلة الخاصة بك.»

ثقل الجو بينهما. سكت "بن" تماماً، وأغمض "إيد" عينيه بقوة. حين فكر في سبب ابتعاد "ديون" المفاجئ، بقيت أسئلة بلا جواب. هل كان الموقف حقاً يستدعي هذا الجفاء؟ ماذا لو... ماذا لو كان هناك شيءٌ آخر أجهله؟

بدأت قطع اللغز تترابط.

«لا... لا تذهب في الظنون بعيداً.»

توقف "إيد" قبل أن يصل لنتيجة مريرة، وقال بصعوبة: «أيعني هذا أن السيد ديون يضمر "الخيانة"؟ ولهذا يبتعد عني؟»

لكي تستقيم الأمور، ينتظر نهاية الحرب مع البشر، لكن "ديون" قد لا يعود كما كان حتى بعد الحرب. حاول "إيد" التماسك، لكن أطراف أصابعه كانت ترتجف.

«أجبني.»

«... لقد افترضتُ الأسوأ.» ابتسم "بن" وهز كتفيه: «ليس بالضرورة أن تكون خيانةً عظمى. ألا تندرج الخلافات الصغيرة تحت مسمى الصدام؟»

«... أتتكلم بجد؟»

«أجل.»

تلاقت أعينهما في الفضاء. تنهد "إيد" أخيراً وسأل بصوتٍ خاوٍ: «وأنت، مع من ستنحاز؟»

«حسناً...»

«ه‍اه! تحثني على الجواب وفي النهاية أنت أيضاً...!»

«أنا طبيبه.»

كلمة واحدة أسكتت "إيد". ابتسم "بن" وأردف: «بالنسبة للطبيب المعالج، المرضى هم أولويته الأولى.»

«لقد ارتكبتُ خطأً فادحاً ذات مرة. حين اقترحتُ الخمر على مريضي، كانت كلمات "ديون" آنذاك صاعقة لا تُنسى: [فكر ملياً، طبيب مَن أنت؟]

كان حادثاً أفقدني ثقة مريضي، فكيف أنساه؟ لم أعبأ بتهديده لي بالخنجر، لكن زعزعة هويتي كطبيب هي ما هزّ كياني. ومنذ ذلك الحين، آليتُ على نفسي ألا أكرر الخطأ.

حتى وإن كان "ملك الشياطين" هو سيدي وهو من أرسلني، فإن مريضي هو "ديون" لا الملك. فالطبيب لا يعنيه إلا مريضه.»

«... هذا تصريحٌ محفوفٌ بالمخاطر.»

«وما الخطر في أن يفعل الطبيب كل ما في وسعه لأجل مريضه؟»

«....»

ابتسم "بن" فحسب، ناقشاً عهده في سويداء قلبه.

{م.م: سويداء، سويداء قلبه: هي الحبة السوداء في جوف القلب، ويُقصد بها في الأدب "أعماق القلب" أو "أشد أماكن القلب إخلاصاً وحفظاً للعهود".}

2026/05/02 · 6 مشاهدة · 1430 كلمة
نادي الروايات - 2026