تلك الثغور القائمة بين عالم الجن وعالم الإنس، والتي كانت مبعث حذرٍ وتوجسٍ قبيل اندلاع اللظى ، قد أُحكمت عليها الحراسةُ وشددت فيها العيونُ بعد أن وضعت الحربُ أوزارها الأولى. ومع أن حشد الجند في كل ثغرٍ ضربٌ من المحال، إلا أن الرقاب قد اِ شْرَئَبَّتْ للمراقبة آناء الليل وأطراف النهار؛ ليكون النذيرُ حاضراً عند كل حدث. وهنالك، لمح جنديٌّ إمبراطوريٌّ، لم يغمض له جفن، كوكبةً من الجند تنسل تحت جنح الظلام، فرفع خبرهم إلى ولاته فوراً. والإمبراطور "إلبيديوس"، الذي فطن لوجهتهم، اتصل بمملكة "شان" الحليفة، والتي كانت غرضاً لسهام جيش ملك الشياطين.
{م.م: الثغور: المناطق الحدودية التي يُخاف منها هجوم العدو. توجس: خيفة وحذر. اللظى: هو اللهب الخالص الذي لا دخان فيه. أوزارها: أثقالها وأعباؤها (وضعت الحرب أوزارها أي انتهت). اشرئبت: امتدت وارتفعت للنظر. كوكبة: جماعة من الناس أو الفرسان. غرضاً: هدفاً.}
ــــــــــــــــــــ
"مددٌ من عالم الجن..." تمتمت ملكة مملكة الجبل، وهو يقطع الاتصال بهدوءٍ مريب: "يبدو أن ملك الشياطين لا ينوي إغماد سيفه بعد."
فلولا ذلك، لما قذف بالحطب في أُتُونِ معركةٍ بدأت تميل إلى الركود والمهادنة. كان صوته رزيناً، غير أن مسحةً من القلق خالطت نبراته.
{م.م: أتون: الموقد الشديد الاشتعال.}
"هذا العون وصل بُعيد أنباء استحضار شيطانٍ في الإمبراطورية. الأرجح أنه قد سُخّر."
"أوافقك الرأي. وبما أنه أرسل جنداً نظاميين، فلا بد أنه واثقٌ ببطشه." الجندُ العاديون ليسوا إلا حشواً لتكثير السواد ؛ العمدةُ الحقيقيةُ هي ذلك 'الشيطان المُعاقد'. "إن بلغت ثقته هذا المبلغ ..."
"فهذا يعني أن الشيطان المتعاقد لا يقل شأناً عن رتبة قائد عام."
"أجزمُ أنه ليس من قادة الفيالق."
"الاحتمالُ قائمٌ، وإن بَعُد..." رفعت "يونهوا"، ملكة مملكة الجبل، بصرها عن جهاز الاتصال، لتلتقي عيناها بعيني "سيرين" القلقتين. "...لا يسعنا إلا الرجاء."
"...."
"والآن، لنرسم مسار حركتهم."
{م.م: السواد: الجماعة الكثيرة من الناس. المبلغ: الغاية أو المدى. }
صفقت بيدها مشيرةً إلى الخريطة المعلقة. وفي اللحظة ذاتها، تحولت نظرات "سيرين" الواجمة إلى حيث أشارت الملكة. لم يجرِ حديثٌ عما يجب فعله إن كان الخصمُ قائد فيلق.
فإذا كان دحرُ قائد الفيلق وهو مُقيدٌ بالأغلال صعباً، فكيف السبيل إليه وهو قادمٌ بشرعيةٍ، وقد خفّت قيوده عبر ميثاقٍ مع بشري؟ لم يكن في البلاد بطلٌ يحمل شظايا المحارب القديم، فالإمبراطور السابق "إدواردو" قد استقطب كل ذي لُبٍّ وفضل بوعودٍ سخية، حتى خلت الديار من العباقرة. لذا، ترفعتا عن الخوض في الظنون الموحشة، وحدقتا في الخريطة. لمس إصبعها نقطةً، ثم رسمت خطاً وئيداً على طول الطريق.
"هؤلاء الذين يطرقون بوابتنا الآن سلكوا هذا الفج ." أومأت سيرين وقالت: "وكانت هناك فخاخٌ شتى بانتظارهم."
{م.م: الواجمة: الساكتة من شدة الخوف أو الحزن. وئيداً: هادئاً وبطيئاً. الفج: الطريق الواسع بين جبلين.}
"والأرجح أن خبرها قد رُفع لقادتهم."
"أجل، لذا فإن مسار هذا المدد سيكون..." أزاحت "يونهوا" يدها والتفتت إلى "سيرين".
برقت عيناهما في آنٍ واحد، وكأن فكراً واحداً يجمعهما.
"سيكون المسار ذاته."
"سيكون المسار ذاته."
افتر ثغر "يونهوا" عن ابتسامة رضا: "ولمَ تظنين ذلك؟"
"لأنه النهج الأسرع والأكثر تمهيداً، وسيعتقدون أن الفخاخ قد استُنفدت مع الطليعة التي سبقتهم."
{م.م: افتر: انكشف (تُقال عند الابتسام).}
"أصبتِ. هل تعلمين لِمَ سُميت مملكة الجبل بـ 'صانغوك'؟ لأنها تَرْبِض بين القمم. ورغم أنها ليست محصورة بين السلاسل كـ"إسبيرانيس"، إلا أن وُعُورَتها تعيق المسير؛ لذا قام ملكٌ سابق، متجاوزاً اعتراضات رعيته، بتمهيد طريقٍ ليسهل الترحال. فصار ذلك الطريق مطمعاً للغزاة."
{م.م: تربض، أي تقبع.}
"لكنهم غفلوا عن أمرٍ عظيم." لم تغب عن بالها أبداً حقيقة أن هذا الطريق قد يكون ثغرة للأعداء، وهو ذات السبب الذي جعل الرعية يعترضون قديماً.
"فالطريق الممهد مصممٌ بحيث يطبق فخاخه على كل غريب. لذا كان على الرسل والتجار إبلاغ القلاع مسبقاً لتعطيل الفخاخ مؤقتاً. ويمكن التحكم في هذه الفخاخ من داخل الحصون."
"أدركتِ السر؟ إنها 'الإدارة'." رفعت "يونهوا" طرف شفاهها. "الفخاخ لم تكن لمرة واحدة أبداً." عندما يشتعل الفخ، تنهمر السهام وتتدحرج الصخور. لكن هذا ليس كل شيء.
"فمخازن السهام والحجارة لا تنضب من مَرّة واحدة. بل تتوقف بعد قدرٍ معين حتى يُعاد تفعيلها. والأدهى، أنه بلمسةٍ بسيطة، يتغير مخرج الصخور وجهة السهام، ما يجعل حفظ مواقعها هباءً منثوراً. أعددناها للمدد أو عند انسحاب العدو، وها هي تؤتي أكلها." كان تصميماً بارعاً رغم تكلفته الباهظة. لن تنال هذه الحيل من 'الشياطين المتعاقدين'، لكنها ستحصد أرواح الجند العاديين حصداً.
"المعضلةُ في أولئك الشياطين..." هل ينبغي لنا ملاحقتهم و استئصال شأفتهم ؟" تمنت "يونهوا" أن يصل المدد وقد نُهكت قواه، وشرعت تفكر في مهاراتهم وكيفية نزالهم.
{م.م: استئصال شأفتهم: إزالتهم من جذورهم والقضاء عليهم تماماً.}
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان "هيل"، قائد الفيلق الثامن، يقاسي الأمرّين وهو يتقدم بجنده في عالم البشر.
تحطم.
[ديون... قال إنه يثق...] جثا "هيل" في مكانه.
{م.م: يذود : يدفع ويحمي. الروابي : التلال والمرتفعات. صرعى : قتلى.}
لولا تشجيع مساعده "ناين"، لضاع منه الكثير من الوقت. [أنت تبلي بلاءً حسناً يا هيل. تعطل السحر يعني أننا في نطاق 'مبطلات السحر'.]
وهذا يعني قرب الحصن. [لقد دنت الغاية. هلا استجمعت قواك؟] كم ساروا وهم يترقبون الموت من علُ؟ وفجأة، ساخت الأرض من تحتهم. فإذا بهم فوق حفرةٍ مُلئت بأسلحةٍ محطمة وأخشابٍ شُحذت رؤوسها لتخترق الصدور.
{م.م: ساخت : غاصت ونزلت إلى أسفل.}
'أظنها ستُستخدم مجدداً...' فكر "ناين" وهو يتملص من تلك الحفرة الموحشة، متشبثاً بـ "هيل". قيل إن الطليعة مرت من هنا، لكن الفخاخ عادت كما كانت، وكأنها نُصبت للتو.
'طريقٌ ممهدٌ كهذا لا بد له من دفاعاتٍ عاتية.' أدرك ذلك... لكن المعضلة أن الجند قد أُبيد جلهم.
شعر "ناين" برعشة اليد التي تمسك به، فتنهد غيظاً، وانفلتت منه سبةٌ غاضبة: "تباً لمملكة الجبل!"
'لِمَ نصبوا الفخاخ بدقةٍ جعلتنا... نقتل قادتنا ونثير هذه الجلبة؟' أوغادٌ مستقذرون. كأنهم من طينة البشر تماماً. بينما كان "ناين" يصب جام غضبه داخلياً، كان "هيل" ينظر بذهولٍ إلى ما تبقى من جنده. لقد نقص عددهم بشكلٍ مفزع. نكس رأسه بأسى.
...وفجأة فكر: 'لو أنني سرت وحيداً...' لكان قد وصل بلمح البصر مستخدماً قدراته الخاصة. أو على الأقل، لو كان معه مرافقٌ واحد. شعر "هيل" بالذنب لأنه اعتبر جنوده عبئاً، وبدأ يلوم نفسه.
"كما توقعت... أنا هو العيب..."
"كلا يا هيل، هذا قدرٌ محتوم."
كان "ناين" خبيراً في مواساة قادته. "هذه حدود الجند العاديين. ليسوا من الفيلق الثامن، ولا هم من النخبة."
"كلا... كان يجب أن أحذر أكثر..." صوتٌ كئيبٌ خرج منه وكأنه يحفر في الأرض. لمس "ناين" ذراع "هيل" وأنزله للأرض، ثم نظر إليه. "إن كنت ترهقك القيادة، فدعها لي."
"...ماذا؟"
"سأقود الجند، وتفضل أنت أولاً."
"...!"
كاد "هيل" أن يوافق ليلقي عن كاهله هذا الوقر ، لكنه تردد. هز رأسه يميناً وشمالاً في صمتٍ ثقيل. ثم عاد صوته حازماً: "كلا. ماذا لو هلكتَ أنت؟"
تغيرت تعابير "ناين": "...لستُ ممن يموتون بسهولة."
"لقد كدتَ تهلك في الفخ قبل قليل..."
"ذاك لإهمالي، لم أرقب موطئ قدمي."
"...."
لو ذهب "هيل" وحده وغفل "ناين" ثانية، فسيموت لا محالة. فتح "هيل" فاه ببطء: "ديون قال إنه يثق بي."
"...."
"عليّ أن أحمل المسؤولية حتى النهاية."
"...."
"أنا."
{م.م: الوقر : الحمل الثقيل.}
سكت "ناين" أمام هذا الإصرار غير المعهود. 'يا ديون، كلمتك تلك... أثرها عظيمٌ حقاً.' شعر بأن هذا الضغط قد ينفجر في أي لحظة. كتم تنهيدته، وأومأ برأسه أمام تلك النظرات التي تحثه على الإجابة.
"سمعاً وطاعة."
ــــــــــــــــــــــــــــــ
"كالعلوم شتى، قد يبدو فن الرمح يسيراً، لكنك إن غصت فيه وجدت تشعباتٍ لا تنتهي. كلما ازددت علماً، اتسعت رؤيتك." هكذا تحدث ملك الشياطين.
جاء الملك مع "ديون" إلى ساحة التدريب ليفي بوعده. أرجح رمحه بخفة. "ببساطة... الرمح صدٌّ وطعن. والصدُّ ضربٌ للخارج أو ضغطٌ للداخل، والطعن... أنت تعرفه، أليس كذلك؟" اختار الرمح ليكون المعلم الأول.
لا سبب معين، سوى أنه وجد رمحاً متاحاً في الساحة. وبما أن "ديون" لم يحدد بغيته، لم يكن هناك ما يدعو للقلق. "والأهم من كل ذلك هو استرداد الرمح. فالطعن يكشف ثغراتك؛ إن لم تسترجعه في الحين، فستتلقى ضربةً قد توردك موارد الهلاك."
"...."
"تذكر، الطعن والاسترداد حركةٌ واحدة. هكذا..."
أزيز.
"...."
وبدلاً من الجواب، مد "ديون" يده للرمح. سلمه الملك إياه بطواعية. وزنه "ديون" في يده ليعرف مركز ثقله، وفجأة، وبسرعة خاطفة، غرز الرمح بجانب رأس ملك الشياطين. "أتقصدُ هذا؟"
"...."
تابعت عيناه يوك-آن حركة الرمح، ثم سرعان ما استدارت لتواجه العينين الحمراوين اللتين ترمقانه. عينان قانية الحمرة استترت خلف جفونٍ مُنكسرة، كأنما تتربص باللحظة التي تلتقي فيها النظرات.