ارتسمت على ثغر الشيطان ابتسامةٌ ماكرة، وقال: ".. أصبتَ الحق".

يا له من أمرٍ جَلل!

"كما خِلتُك، تمتلك موهبةً فذة".

'..لأنه البطل.'

"أجل".

لم تكن تلك الضربة لِغرٍّ يحاول لأول مرة؛ فرغم تعثرها، كادت أن تُحاكي حركات ملك الشياطين بدقة.

أحسبُ أن البطل إنما استحق لقبه لأنه لم يغفل عن إتمام ضربته وإنهائها بلا وَهن. دنا ملك الشياطين -الذي كان يرقبه بصمت- من "ديون"، وقبض على صدر رمحه ثم رفعه عالياً.

أدرك "ديون" مراده فأرخى قببضته، لكن الرمح لم يسقط، بل استقر في مكانه.

حينها انسلّ صوتٌ ناعم:

"لا تُفلتْه".

"...."

"تلك الطعنة كانت صائبة، بيد أن سِنان الرمح اضطرب قليلاً عند الدفع والنزع. سأعيد الكرة أمام ناظريك بتمهّل، فأعِرني جُهدك".

{م.م: سِنان الرمح، أيّ رأس الرمح.}

حتى الطعنُ كان نقياً خالصاً.

أن يبلغ هذا الشأو من محاولة واحدة! كم يلزمه من العناء ليصل المرء العادي لهذا المقام؟ وبخاطرٍ مفعم بالمرارة من جور الأقدار، حرّك ملك الشياطين الرمح ببطء، طاعناً في الهواء ثم استردّه.

{م.م: الشّأو: هو المستوى العالي أو القدر الكبير، أو المسافة كبيرة. جور: ظلم.}

لم يكن ثمة داعٍ لشرحِ وجوب ليّ الرمح عند نزعه؛ فقد نطق الفعلُ قبل القول.

اكتفى الملك بكلمة واحدة:

"أرأيت؟"

"أجل".

"الآن، كررها عشراً بوضعيةٍ قويمة. فإذا فرغت، علّمتك الصدّ مرتين، ثم تُبارز "مايرز"."

"...."

"لِمَ العجب؟ المبارزةُ أجدى عند تعلم الصدّ. أعلمُ أنه لا نظير لها في وطيس المعارك، لكنه تعذرٌ حالي، وبما أنني لا أستطيع نزالك، فليس خيرٌ من قائد الفيلق الثاني عشر -وسلاحه الرمح- ليبارزك، أليس كذلك؟"

لا ضير في ذلك.

بمنطق العقل، مَن ذا الذي يبارز فور تعلمه عشر طعنات وصدتين؟

بيد أن "ديون" -الذي أدرك موهبته حين أحسن قَبض الرمح أول مرة- لم يجادل. بدا وكأن قول الملك حقٌّ وكافٍ، بل هو الكفايةُ ذاتها.

"... آوه، تذكرت".

هتف ملك الشياطين وهو يرقب "ديون" يطعنُ دون ذبذبة، كأنه استعاد أمراً غاب عنه. وتابع بحديثٍ نأى عن فنون القتال:

"بلغني أن جيش الإمبراطورية أغار على (طائفة ديمون) وأباد خُضراءهم؟"

{م.م: خُضراء، بضمّ الخاء: عامة الناس.}

'كُفَّ عن ذلك.' اختلّت حركة الرمح في يد "ديون" لحظة استرداده.

لم يكترث الملك، ورفع طَرَفي فمه بزهو، ثم ألقى سؤالاً غليظاً في ثوبِ مزاح:

"قيل إن الهلاك أتى عليهم جميعاً إلا شِرذمة قليلة. آنت بخير؟"

{م.م: شِرذمة، جماعة قليلة.}

"... ما دامت صاحبة العقد على قيد الحياة، فلا بأس".

علمتُ أنه فور نجاح العقد، أخذت "ليرينيل" صاحبة العقد "شييا" وبدأت حمايتها ومراقبتها.

ولو هلكتْ، لكان "هيل" -قائد الفيلق الثامن- قد استُدعي قسراً، لكنه لا يزال في الميدان. بل بلغني أنهم يُبلون بلاءً حسناً، متجاوزين الفخاخ حتى بلغوا أسوار "مملكة الجبل".

"أقلتَ إنك استخدمت قدرتك الفريدة لاقتحام القلعة وإحداث جلبة لفتح البوابة؟"

كانت ملكة الجبل في الحصن المجاور، فتعذر الإجهاز عليها، لكن الركود الذي ساد المعركة استحال نصراً، وهذا لعمري أمرٌ عجاب. وآخر الأنباء تفيد برحيلهم فوراً للحصن التالي.

هذا يعني أن صاحبة العقد في مأمن.

"إنه لَأمرٌ.. مفعمٌ بالحماس حتى ليثقل الكاهل". ارتسمت الدهشة على محيا "ديون".

"هيل"، "ليرينيل"، "بين" و"إيد".. كل الشياطين في خاطري يتسمون بهذا الحماس، وهي جِبِلَّة في عرقهم.

{م.م: جِبِلَّة، بكسر الجيم والباء وتشديد اللام: لخِلقة والطباع الموروثة، وتُستخدم أيضاً للإشارة إلى الخلق الكثير من الناس.}

"لا سيما ما شعرتُ به حين علمتُ متأخراً بفعلة ليرينيل السريعة".

مرت صورة شيطانة يافعة بمخيلتي، تزهو بسرقته للعقد قائلةً: "أأغفلتَ الأمر لأنه بدا بديهياً؟". لم أتمالك نفسي من الضحك.

كان شعوراً لا يوصف بكلمات.

من اليُمنِ أن العصبة التي سيطرت على قائد جيش الثوار بقيت حية، لكن من الأسى أن العصبة التي أطلقت قائد الفيلق الثامن -بقيود أقل- في عالم البشر لم تهلك. وبحساب الربح والخسارة، بقاؤهم أحياء أفضل.

{م.م: اليُمْن: مزيج من البركة والتوفيق والسعادة.}

على أية حال.

"ما دام قائد الجيش قد استُدعي، فقد أدت (طائفة ديمون) في عالم البشر دورها. وما لم يكن الأمر متصلاً بالعقد، فلا يهمُّ هلكوا أم بقوا".

"أحقاً؟"

"أجل". وفي الحقيقة، لا.

كان الأفضل لو حُسم الأمر سكوناً دون استدعاء قائد الفيلق. ما تركتهُ تحسباً انقلب سُماً.

كيف أجلو هذا الأثر؟ وماذا عن صاحب العقد؟ وبينما هو في فكره، أتم "ديون" طعناته العشر وسلّم الرمح للملك. أدار الملك الرمح بخفة كأنه يقلّب قلماً واستعد.

"الآن أريك كيف تصدّ، فأنعم النظر".

تحرك الرمح بلا جلبة. "هكذا تدفعه خارجاً".

"...."

"وهكذا تدفعه نزولاً للداخل".

رغم عشوائية الحركة ظاهرياً، إلا أنها كانت جليةً يسيرة التعلم. قبض "ديون" الرمح وقال: "سأجرب الآن"، وابتسم محاكياً الملك.

"فهمتُ لِمَ قلتَ مرتين فقط". الأمر يسير، بل مفرط في اليسر.

رغم أنها المرة الأولى، أمره الملك بالزيادة مرتين، وكأن لا غبار على وضعيته.

حركتُ الرمح ورمقتُ سيد الشياطين. والملك -الذي لا تخفى عليه خافية- حاد ببصره عن سنان الرمح ونظر إليّ مبتسماً. وفجأة، استحال بصر "ديون" بارداً لضيقِ حاله.

"طائفة ديمون التي ولجت عالم البشر".

"آه، صحيح".

"...؟"

كما فعل الملك آنفاً، هتف "ديون" مقاطعاً إياه.

ولأن الأمر كان مباغتاً، ظهر الارتياب في عيني الملك. وعلى ثغر "ديون" ابتسامةٌ تكاد لا تُرى.

"كيف فُضّت معضلة الوحوش؟"

كففتُ عن الحديث؛ فما سيقوله الملك جليّ. لا بد أنه سؤال عبثي عما يجب فعله الآن. مجرد قولٍ بلا نية سوى إرباك هذا الجانب والضغط عليه.

لا حاجة لسماع ذلك. قال "ديون" للملك الذي لا يزال التساؤل يعلو وجهه:

"كما هو متوقع، لو تقدم ملك الشياطين بنفسه، لزادت الجحافل وتيسرت الحرب".

كان هو من فتن بي أولاً، لكن الدهشة علت وجهه كأنه لم يحسب لهذا حساباً.

'من بدأ الأذى، فليستعد لرد الصاع.'

ابتسم بوضوح كأنه يتباهى. حينها فقط طرَف الملك بعينيه وابتسم، والسرور يفيض من مآقيه.

{م.م: مآقٍ، جمع 'مُؤْق' أو 'مَأْق': أطراف العين، وتحديداً هي مواضع الدمع أو الزوايا التي يجتمع فيها الدمع في العين، حيث المُؤْق هو طرف العين مما يلي الأنف (وهو المجرى الذي يسيل منه الدمع)، أما اللِحاظ هو طرف العين مما يلي الأذن (الطرف الخارجي).}

وفجأة، انتهى من تدريبه، وسلب منه الرمح الهامد وهو يهمس متبسماً:

"البطلُ هنا، لكن عليّ الانتظار حتى يغيب ملك الشياطين لأستخدمه".

بماذا أثق ولِمَ أتركك هنا؟

رغم أنه صاغها بأسلوب مغاير، إلا أنها بدت كصرخة في وادٍ. ضحك "ديون" من هذا الجواب الصريح على غير العادة.

"أوليس أنك لا تهوى الحروب اليسيرة؟"

"ربما".

هز ملك الشياطين كتفيه.

رغم أن كلاهما يعلم ويظهر الجهل، فإن ملك الشياطين لا يحارب لابتلاع عالم البشر.

بما أن غايته كانت تزجية وقته بدميته "ديون هارت"، لم يكن يلقي بالاً لحروبٍ تنتهي بلمح البصر.

{م.م: تزجية: تمضية.}

"... أَهِيَ؟"

لو كان فيما مضى، لقال: "مستحيل" وافتخر.

أقررتَ بالصدق الآن؟ رمش "ديون" للحظة لهذا الجواب غير المتوقع، متسائلاً عن سر هذا التغير.

في تلك الأثناء، أخرج ملك الشياطين حجر التواصل من صدره وقال بهدوء:

"فلننهِ الدرس هنا. لندْعُ "مايرز"".

"... أليس فيلق الاثني عشر مشغولاً بصيد الوحوش؟" ثم إنه لم يمضِ وقت طويل منذ رحلتُ.

علمتُ أن قائد الفيلق الثامن خرج للصيد ثانيةً ذلك المساء.

سيكون الأمر مختلفاً لو أمرته بالعودة. افترّ ثغر الملك عن ابتسامة، وكأن اضطراباً انعكس في عينيه.

"لا أقول إننا سنتبارز الآن، بل لنقل إنه حجزٌ لوقتٍ لاحق".

"آه..."

حين أومأ "ديون" متفهماً، أضاء حجر تواصل ملك الشياطين.

'لم أحاول الاتصال بك بعد؟' انصبّ انتباههما لمكان واحد. تمتم "ديون" حائراً:

"هناك اتصال...؟"

نادرٌ أن يتصل أحدٌ بملك الشياطين مباشرة. ماذا جرى؟ ظهر الشك في عيني.

رمق الملك "ديون" بطرفه ثم خفض بصره ليستقبل الخبر. وسرعان ما تردد صوتٌ مرتجف في الردهة:

- السلام على ملك الشياطين. هذا فريق البلاغات. أتصل بك لنبأٍ عاجل.

"ما الخطب؟"

- قيل إن الفصائل التي خرجت للإمداد قبل أيام قد أُبيدت عن بكرة أبيها.

'كُفَّ.' تراجعت يد "ديون" التي كانت تداعب خصلة شعرٍ وتوقفت.

-كان الموقف جلياً. '... يا للهول. لقد كان ذاك.'

غار الشعور في أعماقه.

وبينما ساد الصمت، نطق الملك كأنه يسترجع ذكراه:

"قبل أيام... أتتحدث عن الفصائل التي قادها قائد الفيلق الثامن؟"

-أجل، هو كذلك.

"أُبيدت تماماً..."

غارت عينا الملك ببرود.

"أيعني هذا أن قائد الفيلق الثامن قد لقي حتفه أيضاً؟"

- ... أجل، هو كذلك.

في النهاية، مات. تحسس "ديون" جيبه وأخرج لفافة تبغ.

لم تخطئ عين الشيطان حركته، لكنه لم يبالِ وأشعل ناره. رقب الملك الدخان وهو يتلاشى في السماء للحظة، ثم عاد للاتصال.

انهمرت الأسئلة:

"ما مصدر الخبر؟ علمتُ أنهم انضموا للقوات المتقدمة، فلمَ أسمع نبأ إبادة قوات الإمداد فقط؟ وماذا عن القوات الأولى؟ أهي في مأمن؟"

- قبل قليل، وردت رسالة من "ناين"، مساعد قائد الفيلق الثامن. يقال إن بطلاً باغتهم وهم يسلكون طريقاً مهيأً للاختصار.

- الطريق الممهد محفوف بالمكائد، والوعر ضيقٌ عسير المسلك. كلما زاد العدد، بطُئت الحركة، فكان الأجدر السير فرادى.

- تأكدنا أيضاً من نجاة القوات السابقة. الجميع بخير.

"هذا حسن... قلتَ إن المساعد اتصل بك مباشرة. إذن ثمة ناجٍ، وليست إبادة؟"

- قال بلسانه "إبادة" ثم انقطع الاتصال في حالٍ عصيبة.

... استشعر دُنوّ أجله.

ألقى "ديون" عقب اللفافة المحترق وأخرج أخرى. رقب الملك اللفافة الجديدة والجرح المندمل في عنقه الذي لم يترك أثراً، ثم مد يده.

"هل من خبرٍ عن البطل الذي واجهتموه؟" (صوت احتراق).

قبض الملك بالسبابة والوسطى على اللفافة، وضغط بالإبهام على طرفها المشتعل ليطفئه. وهنت يد "ديون" من هذا الفعل المباغت.

- بالنظر لشعره الأخضر وعينيه البنيتين، يُرجح أنه "ستيغما بريميرو"، بطل الإمبراطورية الثاني الذي قيل إنه اختفى.

"الشعر الأخضر ليس شائعاً، ومن قهر قائد الفيلق الثامن صاحب العقد، فلا بد أنه هو".

ابتسم ملك الشياطين وهو يأخذ اللفافة بمهارة:

"شكراً لجهدكم. إن لم يرد خبرٌ غداً، سنعلن الإبادة رسمياً".

- طوع أمرك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بعد نقل خبر "الإبادة"، أغلق "ناين" الاتصال ورفع رأسه.

رأى جثة سيده ملقاة تحت قدمي البطل ذي الشعر الأخضر. الظل الأسود الساكن أكد موته بعد صراع مستميت حتى الرمق الأخير.

جزّ على أسنانه. غمره مزيجٌ من الغضب واليأس والاضطراب.

... في الأصل، كنتُ سأبلغ عن ناجِيَيْن وأطلب العون.

[أطلب المدد عاجلاً. الموقع هو...]

كان ذلك ليحدث لو لم يتقلص عدد الناجين لواحد فقط.

(صوت نفاذ سلاح). سُمع صوتٌ مخيف، وهلك "هيل" الذي صمد للأخير. سكت "ناين" الذي شهد المشهد.

[أيها المساعد؟]

[....]

[... أيها المساعد؟ أتسمعني؟ ماذا يحدث؟]

2026/05/02 · 6 مشاهدة · 1552 كلمة
نادي الروايات - 2026