{م.م: سيماء: علامة أو ملامح الوجه.}
لا أدري أيُّ سيماءٍ تُرسمُ على وجهي الآن. الدماءُ تقطرُ من كفِّي المضمومةِ في غيظ. وبجهدٍ جاهدٍ، حاول "ناين" أن يفتحَ فاهُ الذي استعصى عليه وهو يغالبُ رغبةً في تهشيمِ "جهاز الاتصال"، فقال:
[... عذراً، سأُبدلُ قولي. لا حاجةَ لنا بمدد.]
[ماذا؟ ما خَبَرُكَ...]
[عَدَدُ مَن نجا قد تَغيّر توّاً. الناجون صِفر. أبلِغْ عن إبادةِ الجمعِ طرّأً.]
[لكنَّ المساعدَ حيٌّ يرزق، فما هذا الهُراءُ...]
{م.م: طرّاً: جميعاً أو كافّة.}
"تك". سقط جهاز الاتصال المهشّمُ فداسَتْهُ الأقدامُ بالخِفافِ العسكرية. لقد كان "جهاز الاتصال" لا يُرجى إصلاحُه، وكان الغرضُ من تحطيمِه ألا يقعَ في يدِ العدو. رفع "ناين" طرْفَهُ بعد أن سحق الحجرَ حتى صار هباءً منثوراً، ليلتقي بصرُه بعينينِ بُنيّتينِ لا تَشِيانِ بأيِّ ودّ.
{م.م: خِفاف: جمع خُف، وهو ما يُلبس في القدم من جلد رقيق.}
"...."
فتح (البطل) فاهُ، ولُبعدِ الشُّقَّةِ لم أسمع صوتاً، لكني قرأتُ حركةَ شفتيهِ بوضوح:
[لم تفرَّ بجلدِك إذن.]
{م.م: الشُّقَّة: المسافة الطويلة أو البُعد.}
"...."
عوضاً عن الجواب، خطوتُ نحوه بخطىً ثابتة. انفجر "ناين" ضاحكاً وهو يمضي قُدُماً نحو ذلك "البطل" الحقير. كانت عيناهُ المفتوحتانِ بتحدٍّ تلسعانِ كالجمر.
"أعلمُ ما تقتضيهِ الحكمة."
رأسي يدركُ تماماً أن الفِرارَ كان هو الصواب. فمساعدُ قائدِ الفيلقِ هو نائِبُه والمرشحُ لخلافتِه، وبالرغم من كونه دون القائدِ رتبةً، إلا أنه ركيزةٌ لا يُستهانُ بها. لقد أمهلني قادتي وقتاً كافياً للنجاة، وكان عليَّ الرحيل.
"ولكن."
رغم ذلك، لم يكن خيارُ تركِ سيدي والفرار وارداً في خلدي قط. كان جُلُّ ما فكرتُ فيه هو البقاءُ بعيداً وطلبُ المددِ كي لا أعيقَ القتال. لكنَّ سيدي قد قُضيَ نحبُه.
وفي غمرةِ الوجوم، تداعت الأسئلةُ في ذهني: ما كان آخرَ عهدِك به؟
[سيمتدُّ الأمرُ طويلاً، فامضِ أنت أولاً.] أذكرُ أنه كان رزيناً حقاً.
[لعلي كنتُ عبئاً ثقيلاً، لكنك جاهدتَ في رعايةِ مثلي... إني لك من الشاكرين.]
لطالما كان "هيل" كالظلِّ الذي تطوه الأقدام. كان يتساءلُ دوماً: هل يسعهُ أن يعلوَ فوق أحدٍ أو يساميَهم كتفاً بكتف؟
لو كان مكاني "ملازمٌ" طموحٌ لربما استغلَّ ضعفَ نفسِه وتواضعَه ليعلوَ عليه. حين جئتُ مساعداً له، لولا أمرُ "ملك الشياطين" لي بمساعدتِه وتفجيرِ طاقاتِه، لربما فكرتُ في الغدرِ به أيضاً.
لكني، وبغض النظر عن البدايات، قد روّضتُه وصنعتُ منه قائداً حقيقياً باستغلالِ طيبتِه.
... إنه قائدُ فيلقي الذي صنعتُه بيدي.
"لِمَ عُدتَ؟ لو هربتَ لتركْتُ سبيلَك."
"... ارفع قَدَمَكَ عن جُثتِه أولاً."
"يا لك من صفيق."
{م.م: صفيق: متجرئ وقح.}
تراجع (البطل) خطوةً للخلف.
ارتجفت عينا "ناين" حين بدت جثةُ "هيل" كاملةً. ورغم أنه رآه يموتُ من بعيد، إلا أن مشهدَ الموتِ عن قُربٍ كان أشدَّ وقعاً. جثمَ الندمُ على صدرِه.
"كان عليَّ البقاءُ، ولو قسراً."
كان الخصمُ مَسخاً كاسراً.
حتى مع كبتِ "السحر" لقربِنا من القلعة، كان خصماً جباراً. يقتفي أثرَ "هيل" في الظلالِ بمهارةٍ فذة، ويغمدُ سيفَه في الأرضِ ليصيبَه. حواسُّه كحواسِ الضاري، شُحِذت للقتالِ فحسب.
إنها معركةٌ خاسرةٌ لا محالة.
كان الصوابُ تجنبُها. و"هيل" كان أعلمَ بذلك مني. ولكن.. لِماذا؟
[... آه.]
انقطع نَفَسُ "ناين" حين لاحت له الحقيقة.
نحنُ العلة.
نحنُ السببُ الذي جعل "هيل" – الذي كان يسعهُ الانسحابُ لو كان وحيداً – يصرُّ على البقاءِ ومجالدةِ ذلك البطل. صرخ "ناين" بجندِه فور إدراكِه:
[تراجعوا جميعاً! تفرقوا في الأرض! الملتقى في الحصنِ الغابر...]
[نسيتُ أن أقولَ هذا.]
قاطعَه صوتٌ هادئٌ وبارد. كان "البطل" الذي غرس سيفه في الظلِّ حيث يختبئ "هيل" يبتسمُ ببرود. استلَّ سيفَه الملطخَ بالدماء وقال:
[لا مفرَّ لكم.]
[... أيُّ ترهاتٍ هذه...]
[لقد استأجرتُ نِقابةً من المرتزقة، وحاصروا الأرجاء. إنهم صفوةُ القوم، وبإمكانِهم الفتكُ بأيِّ جنديٍّ شيطانيّ لا يحسنُ استخدامَ السحر.]
[....]
[وعلى كل حال، لو متُّ أنا، سيرحلون إذ لن يجدوا من يدفعُ أجرَهم.]
قائدي تأهب، وأشعرُ بقوتهِ تتصاعد. إنه موقفٌ عصيبٌ قد يُفضي بنا جميعاً إلى الهلاك. شدَّ "ناين" على قبضتِه. ما هي أفضلُ نتيجةٍ نرجوها؟ أيُّ حيلةٍ أستخدمُ؟
دارت رحى عقلي بسرعة، فأدركتُ أننا لن ننقذَ الجميع، فقررتُ التضحيةَ بالأقلِّ شأناً لحمايةِ الأهم.
[يا "هيل"، سأبقى أنا.]
سأضحي بالجنودِ وبنفسي لإنقاذِ قائدِ الفيلق. أخبرتُه أن يفرَّ وسأنازلُ أنا الخصم. كان قراراً منطقياً، فالقائدُ أثمنُ من المساعد.
[لا أرتضي هذا.]
لكن خطتي فشلت لأن سيدي كان عنيداً بشكلٍ غيرِ معهود.
[قال "ديون" إنه يؤمنُ بنا.]
[....]
[على الأقل، يجبُ أن ينجو المرؤوسون.]
آه. في تلك اللحظةِ أدركتُ كل شيء. شعرتُ بضعفٍ شديد.
إنَّ ثناءَ شخصٍ مقتدرٍ ومحترمٍ على مرؤوسِه له أثرٌ يفوقُ كلَّ وصف، ولكن... "السيد ديون..."
كتمتُ عبرةً كانت ستنفجر، وعدتُ للواقعِ لأجدَ "البطل" أمامي بشعرهِ الأخضر المسترسلِ وهو يميلُ برأسهِ كأنه لا يفهمُ ما يجري.
"يبدو أن قائدَك أراد نجاةَ واحدٍ منكم على الأقل..."
"..."
"أفتنوي أن تجعلَ موتَه هباءً؟"
"اخرس."
ماتَ الجنودُ العاديون جميعاً.
لم تُجْدِ أوامرُ التجمعِ نفعاً، فالمرتزقةُ كانوا أسرعَ من فكِّ الحصار، وكانوا يحملون مشاعلَ الإشارة.
"ليس لك حقُّ الحديثِ عن ذلك."
"... يا لوفائِك العظيم."
تمتم البطل "ستيغما" بصوتٍ خفيض: "أشعرُ وكأنني أنا الشرير، مع أنكم أنتم الغزاة. حسناً، لا حيلةَ لي إن كنتَ تشتهي الموت."
"لا أشتهي الموت."
"ردٌّ جازم. ولكن ما تسمي قتالَك وحيداً ضدَّ خصمٍ لا قِبلَ لك به؟"
"... أنا فقط..."
تردد "ناين"، وخانته الكلماتُ لحظةً، فلم يجد ما يصفُ به مشاعره الرعناء. بحثَ في أعرافِ الشياطينِ والبشر، حتى وجدَ تشبيهاً يليق:
"... أيُّ والدٍ يرحلُ بسلامٍ حين يواجهُ قاتلَ طفلِه؟"
"... فَهِمْتُك."
زفر "ستيغما" الصعداء. لقد تحقق الهدفُ بقتلِ قائدِ الفيلقِ الثامن، ولا داعي لمزيدٍ من الدماء، لكنَّ هذا التصادمَ لا مفرَّ منه.
"في هذه الحالة، عليَّ أن أنازلَك."
أطلق المرتزقةُ مشاعلَ الإشارة، فلا بدَّ من إنهاءِ الأمرِ سرياً. قد يهرعُ من رأى الإشارةَ للمكان، كالثوارِ أو جيوشِ الجبال. لن ينتظرَ أكثر كي لا يتورطَ مع قوىً مزعجة. لوّح بسيفِه برشاقةٍ ماسحاً الدماء، ثم وجهه نحوي بدقةٍ وأناقة.
ـــــــ
انهار جسدي. غامت الرؤيةُ وانحبست الأنفاس. كانت الهزيمةُ قدراً محتوماً منذ البداية.
"سأموتُ قريباً." ابتسم "ناين" بوهن.
لا بأس، فالألمُ محتمل. لقد وطّنتُ نفسي على الموت. ولكن...
تطلع إلى جثةِ "هيل" القابعةِ جوارَه، وقال: "أتدرى ما هو أقوى سحرٍ عند الشياطين؟"
"... هممم؟"
"إنه السحرُ الذي يستنزفُ القوةَ التي تُشكلُ الجسد."
أجسادُنا مصنوعةٌ من سحرِ ملكِ الشياطين، وهذا أقوى سحرٍ يمكنُ أن يستخدمَه شيطانٌ استنفدَ كلَّ قواه.
لم أرغب في إضاعةِ هذه الفرصة، فتابعتُ قبل أن يدركني الموت: "إنه سحرٌ يتصلُ بالروحِ مباشرةً... وإن كان نادراً."
انقطعت كلماتي لضيقِ النَفَس. هل هو كِبْرُ الأقوياء أم هي رحمةُ المودعِ التي جعلتهُ ينصتُ لي دون أن يجتزَّ عنقي؟
ابتسمتُ له وهو يسمعُ صوتي يعلو:
"[كي تنالَ ما تصبو إليه حقاً...]"
"... ماذا؟"
"[سيتعينُ عليكَ بذلُ حياتِك.]"
قال قائدُ الفيلقِ الخامسِ يوماً إن البشرَ يبجلون الأمل والحياة، وأن الأمانيَ هي مَنارُ عيشِهم، وبدونها يلقون بأنفسِهم في المهالك.
لن أرحلَ دون ثأرٍ لـ "هيل". لقد وسمتُكَ: "إما أن تتخلى عن أملك أو عن حياتِك، فأيهما ستختار؟"
بدأ جسدي يتلاشى. أغمضتُ عينيَّ والدوارُ يفتكُ بي، وسمعتُ صوتَه لآخر مرة:
"... لقد منحتني خياراً لا يحتاجُ لتفكير."
يا لَنقائِه.
ـــــــــــــــــــــــــ
انتهى الاتصال.
نظر "ديون" إلى الدماءِ ثم رفع رأسَه ليلتقي ببصرِ "ملك الشياطين". تظاهرَ باللامبالاةِ وهو يخرجُ لُفافةَ تبغٍ جديدة.
"عذراً."
"... ماذا؟"
هزَّ ملكُ الشياطينِ كتفيه ببرود: "ليس ذنبَك. مَن كان يظنُّ أن بطلَ الإمبراطوريةِ الثاني سيظهرُ فجأة؟"
"..."
"بل... تلك اللُّفافة."
أليست مخدراً؟ لقد صادرتُها منك كي تكفَّ عنها، وها أنتَ تخرجُها بصلفٍ أمام عيني..
{م.م: صلف: تعالٍ، أو غرور.}
"يبدو أن إدمانَك يزداد..."
"... الأبطالُ لا يدمنون المخدر."
"الجسدُ قد يصمد، لكنَّ العقلَ يَهوي. ماذا أفعلُ بك؟"
بزفرةِ أسىً، انتزعَ اللُّفافةَ من يدِ "ديون"، بل وفتش جيوبَه وصادرَ كلَّ ما وجدَه وهو يبتسم: "كلُّ هذا وتزعمُ أنك لستَ مدمناً؟"
"..."
"لقد حذرتُك مراراً وتجاوزتُ عنك لغموضِ حدِّ ضبط النفس، أما الآن فلا."
"سحقاً."
"من الآن، أمنعُك من التدخينِ ومن كافةِ المخدرات، فلا تتحايل بالأعذار."
"لكن...!"
"ديون،" قاطعَه صوتٌ ناعم. "كم مرَّ منذ أن أشرتُ إليك بالكفِّ عن هذا؟ لم تمرَّ ساعةٌ ولا حتى نصفُها، وها أنتَ تعودُ لفعلك وأنا واقفٌ هنا."
ابتسم ملكُ الشياطينِ ببرودٍ تجمدت له الدماء: "بما أنك تجاهلتَ رغبتي تماماً، ألا يستحقُّ الأمرُ عقاباً؟ ليس لك ما تقول."
"... ولكن."
"قائد الفيلق الصفريّ." اختفت الابتسامةُ من عيني الملك. "ألا يجدرُ بك طاعةُ ملكِ الشياطين؟"
"..."
لم يقل "ديون" أو "البطل"، بل قال "قائد الفيلق الصفريّ". أدرك "ديون" الوعيدَ فتمتم: "تبّاً... فُهمتُك."
"حسناً."
عادت الابتسامةُ لوجهِ الملكِ كأن شيئاً لم يكن. كان المنظرُ يثيرُ الغثيان. شتم "ديون" حظَّه العاثر.
"سأعودُ لغرفتي لمراجعةِ الخطط."
"أقلتَ: تبّاً؟"
"لا... أفعلتُ؟"
"...."
حسناً.. يبدو أن أعصابَه قد توترت بعد سحبِ المخدرات منه. ابتسم الملكُ ولوّح بيدِه آمراً إياه بالانصراف.