يُقالُ إنَّ جحافلَ الإمبراطوريةِ انقضَّتْ على مجمعِ طائفة ديمون فأبادتْ خُضراءَهم. هل قُلتَ إنَّ ذلكَ المُعتقَدَ المسمَّى بـ "الديمونية" شارفَ على الاضمحلالِ لأنَّهم أزهقوا أرواحَ كلِّ مَن حامتْ حولَهُ شبهةُ صلةٍ به؟
{م.م: أبادتْ خُضراءَهم: استأصلتهم تماماً، وخُضراءهم بمعنى عامة الناس منهم. الاضمحلال: الزوال والتلاشي.}
إنَّ عددَ الناجينَ نزرٌ يسير. وبالنسبةِ لـ "بول"، الذي كان يستميتُ لإخراجِ "شيا"، كانت الأنباءُ كوقعِ الصاعقة.
بـانـغ!
لم يكنْ الأمرُ كذلك على الأرجحِ، بيدَ أنَّ "إيرام"، التي كانت ترقبُ "بول" بأعينٍ مِلؤُها الوجلُ، تخشى أن يستشيطَ غضباً فيمزقَ الوثائقَ، سحبتِ الأوراقَ من فوقِ المكتبِ في صمتٍ.
"الآن، هبْ نفسَكَ السكينةَ أولاً..."
"السكينة؟ أيُّ سكينة؟"
ومض شررٌ في عينيّ "بول".
{م.م: نزرٌ يسير: قليل جداً.}
بشكلٍ ما، يمكنُ القولُ إنها انتهتْ إلى هذا المآلِ لأنها وارَتْ مكانَ "شيا"، فكيفَ تجرؤُ على النطقِ بحضرتي؟
تأججَ الغيظُ في صدرِه.
"قد يجهلُ الآخرونَ، ولكنْ أنتِ.. لا ينبغي لكِ قولُ مثلِ هذا."
"...."
"مَن تسببَ فيما آلتْ إليه الأمورُ الآن! كيفَ تجرؤينَ على التفوهِ بذاك؟!"
لا سبيلَ حتى للاستيثاقِ إن كانت "شيا" حيةً أم رفاتاً، ناهيكَ عن موضعِ استقرارِها.
{م.م: الاستيثاق: التأكد والتحقق.}
ذلكَ الغضبُ الذي انفجرَ بغتةً وظلَّ هائماً لبرهةٍ، وجدَ أخيراً رميَّتَهُ وسدَّدَ نصلَهُ نحوَها. كان من الطبيعيِّ أن تكونَ "إيرام" هي الهدف. لم يكنْ ثمةَ ما يُقالُ بشأنِ ردِّ فعلِ الإمبراطورِ الحاليِّ "إلبيديوس".
في حالِ حربٍ مع الإمبراطورِ، لا يمكنكَ تركُ عصبةٍ حاولتِ استحضارَ الشياطينِ -ونجحتْ في ذلك- وشأنَها، أو الردُّ عليها بمهادنةٍ. كان لزاماً عليَّ أن أجعلَ منهم عبرةً لمن اعتبرَ لئلا يتكررَ الصنيعُ. ولتحقيقِ ذلك، لم يكنْ أمامنا بدٌّ من اتخاذِ تدابيرَ قصوى.
لذا، ومن منظورِ قائدٍ مثله، لم يكنْ بوسعِ المرءِ إلا تفهُّمُ أفعالِ "إلبيديوس"، وإن كانتْ بالغةَ القسوة.
{م.م: رميَّتَهُ: الصيد الذي يُرمى. مهادنة: لين وسكون.}
إذن، مَن عساهُ يكونُ الهدفَ المتبقي؟ "سيدتي إيرام..."
إنَّ خفايا "الديمونية" لم تُكشفْ بعد.
ليس الأمرُ أنَّ الظنونَ منعدمةٌ تماماً، لكنَّ الغضبَ سينصبُّ حتماً على هدفٍ جليٍّ ماثلٍ أمامَ العينِ، أكثرَ منه على شخصٍ قصيٍّ لا يُدركُ إلا بالتخمين.
سقطَ صوتٌ باردٌ كالصقيعِ نحوَ "إيرام": "... ابحثي عنه."
"...."
"ابحثي عنها مهما كلفَ الأمر. جديـها وأعيديها سالماً. وإن كانت قد قضت نحبَها، فآتي بجثمانِها لمراسمِ الدفن."
نحِّ كلَّ شيءٍ جانباً واجعلي الأولويةَ للعثورِ على أختي. أومأتْ "إيرام"، التي لزمتِ الصمتَ، برأسِها ببطء.
"... حسناً."
{م.م: جليٍّ: واضح. قصيٍّ: بعيد. قضت نحبَها: ماتت.}
فركَ "بول" وجهَهُ وتنفَّسَ الصُّعداء. وجهُ الصغيرة، الذي غبَّشَهُ طولُ الفراقِ، يتراءى له خلفَ أجفانِهِ المطبقة.
خرجتْ منه أنّةٌ كأنها الألمُ: "هـاهـا..."
ثمةَ درجاتٌ للافتتانِ بالدياناتِ الزائفةِ، ولكنْ ما الذي سيدفعُ بها إلى أتونِ "الديمونية"؟ لا أدري ما خطبُ هذه الفتاة حقاً. أظنني تجاوزتُ العمرَ الذي يسمحُ لي باعتبارِها مجردَ طفلة.
{م.م:أتون: الموقد العظيم (كناية عن شدة الشيء).}
لا يهمُّ أنها لم تنضمَّ لجيشِ الثوارِ، فهذه حريتُها. أن تعيشَ يومَها في ذهولٍ.. نعم، كان ذلك مقبولاً. ولكنْ أليسَ هذا هو الحالُ على أيِّ حال؟
"حينَ أعودُ، سيتعينُ عليَّ حتماً ضمها إلى جيشِ الثوار..."
يساورني القلقُ لدرجةٍ تمنعني من تركها هناك.
أهذا هو شعورُ الآباءِ حين يطلقونَ أطفالَهم في غمارِ المياه؟
ولما كانتِ العصورُ الحاليةُ تضربُ بجرانِها على خلفيةِ الحربِ، فمن الأفضلِ إبقاؤها داخلَ السياجِ، وكان يعاهدُ نفسَهُ على إبقائِها محتجزة، لا سجينة. "بول"، الذي لاحظَ أنَّ "إيرام" -التي كان يُفترضُ بها المضيُّ فوراً لإيصالِ أمرِ البحثِ عن الصبي- لا تزالُ مكانَها، رفعَ رأسَهُ.
{م.م: يساورني: يخالطني ويلازمني. تضربُ بجرانِها: استقرت وتمكنت. ++ طول الوقت والترجمة الإنجليزية تحكي عن شيا كأنها مذكر فغيرتها للمؤنث.}
كانت ثمةَ امرأةٌ مترددةٌ في عينيهِ المليئتينِ بالمشاعرِ الحادة.
"ماذا تفعلينَ إن لم تكوني راحلة؟"
"... بقيَ لديَّ ما أبلغُ عنهُ."
"هـاه... قولي سريعاً ثم انصرفي."
لا رغبةَ لي في العملِ أكثرَ اليوم... ولكنْ أيُّ وقتٍ يملكهُ قائدُ جيشٍ ثوريٍّ للراحة؟ إنَّ وقتَ العملِ هو حينَ تتواردُ المعلوماتُ الجديدة.
للمعلوماتِ تاريخُ صلاحية. ولعلمِهِ التامِ بتلك الحقيقة، أرخى فكَّهُ المشدودَ كأنما كان على وشكِ الصراخِ وتنهدَ ثانيةً. بدتْ عليه معالمُ الإعياءِ جليّةً في حركاتِ يديهِ الخشنة.
"قواتُ دعمِ 'عالم الشياطين' قد أُبيدتْ أثناءَ تحركِها."
"... معذرةً؟"
حتى وإن كان عليَّ الوثوبُ للحظة.
"سمعتُ أنَّ إحدى قواهم كانت بالغةَ المهارةِ، فكيفَ أُبيدوا بغتةً هكذا؟ سمعتُ أنهم اجتازوا أحدَ أسوارِ 'مملكة الجبل' منذ أمدٍ قريب؟ لذا توقعتُ أن يكونَ ذلك الرجلُ 'شيطاناً متعاقداً'؟ فهل ذهبوا سُدىً هكذا؟"
كان هذا أقربَ إلى الجدالِ منه إلى السؤال.
{م.م: الوثوب: القفز. سُدًى: بلا فائدة أو هباءً، أصل سُدًى هو الإبل الهائمة في الصحراء التي لا فائدة منها.}
"إيرام"، التي لم تجدْ رداً ملائماً، ارتسمتْ على وجهِها تعابيرُ خرقاء. عندها فقط أدركَ "بول" مدى اضطرابِهِ واستكانَ.
من المفهومِ أن يضطربَ المرءُ لسماعِ أنباءٍ مذهلةٍ في وضعٍ تأججتْ فيه العواطفُ أصلاً بسببِ أخبارِ "شيا"، لكنَّ هذا ليس عذراً. ذكرتُ نفسي من أيِّ مقامٍ أصغي لهذه الكلماتِ، واستجمعُتُ شتاتَ نفسي، ثم نطقتُ بهدوء:
"أيُّ شهود؟ هل يمكنكِ تبيُّنُ ما حدث؟"
"لقد أُبيدوا أثناءَ الانتقالِ إلى القلعةِ التاليةِ، لذا وللأسفِ لا يوجدُ شهود."
"يا للهول..."
وضعَ "بول" يدَهُ على جبهتِهِ.
أطبقتْ "إيرام" فاها، كأنها تمنحهُ وقتاً لِيملكُ زمامَ مشاعرِهِ ثانيةً. خيّمَ صمتٌ ثقيل.
أنباءُ إبادةِ تعزيزاتِ جانبِ الشياطين. هذا أمرٌ محمودٌ من منظورٍ بشريٍّ، لكنْ قد يتساءلُ البعضُ لِمَ الردُّ بهذا التحسس.
"... نعم، إنها بشرى فقط من منظور 'البشر'."
{م.م: استكانَ: خضع وهدأ. استجمعتُ شتاتَ نفسي: استرددتُ قوتي وهدوئي.}
بيدَ أنَّ البشرَ، خلافاً للشياطين، لديهم قوىً عديدةٌ في دواخلِهم.
و"بول" نفسُهُ هو زعيمُ فصيلٍ يُدعى "جيش الثوار". وبوصفِهِ "بشرياً"، فهو يقاتلُ بطبيعةِ الحالِ ضدَّ عالمِ الشياطينِ، لكنه في الوقتِ ذاتِهِ زعيمُ جيشٍ ثوريٍّ يصارعُ أيضاً على السلطةِ مع رفاقِهِ من البشر. وعلى وجهِ الخصوصِ، كان الجيشُ الثوريُّ في وضعٍ يحتمُ عليهِ الحذر من ملوكِ كلِّ دولةٍ، لذا وبصفتِهِ قائداً لمثلِ هذه القوةِ، كان من المستحيلِ مجردُ الضحكِ على هذا كخبرٍ سار.
فركتُ جبهتي واستغرقتُ في التفكير.
'غيابُ الشهودِ يعني أنَّ الأمرَ سُوِّيَ في خفاء.'
يُقالُ إنهم أُبيدوا أثناءَ التحركِ للقلعةِ التاليةِ، لذا يُتوقعُ قلةُ الشهودِ لطبيعةِ المناوشةِ، ولكن...
حين تفكرُ في الأمرِ، فذلك يعني إما أنَّ عدداً غفيراً من الناسِ تحركوا وأُبيدوا في لمحةِ بصرٍ دون تركِ شاهدٍ، أو أنَّ عدداً نزيراً تحركَ سراً. هذا منطقيٌّ.
'لو كُسِروا بجمعٍ غفيرٍ وأُبيدوا، لَعنى ذلك أنهم لم يكونوا من قوى أيٍّ من الجانبين. أظنها ستكونُ أشبهَ بقوةٍ ثالثة.'
{م.م: نزيراً: قليلاً. غفيراً: كثيراً واسعاً.}
في وضعٍ يراقبُ فيه كلُّ فصيلٍ الآخرَ عن كثبٍ، لم يكنْ للأنباءِ ألا تصلَ عند تحركِ ذاك العددِ من القوات.
الحالةُ الوحيدةُ التي يمكنُ فيها للأغلبيةِ التحركُ دونَ ضبطِهم من هذا الجانبِ هي قوةٌ ثالثةٌ لم تكنْ في حيزِ الرؤيةِ أصلاً.
'وإلا، فهو فعلُ أفرادٍ قلائل.'
ربما كان عملاً فردياً.
لأكونَ صادقاً، أظنني شططتُ بعيداً بموضوعِ القوةِ الثالثةِ... تمتمتُ ببطء:
"... وحدةُ نخبةٍ صغيرة؟ أو ربما 'بطل'؟"
قد يكونُ من المدهشِ حقاً وجودُ 'أبطالٍ' يمكنُ الاستفادةُ منهم في هذا العصر.
إن كان قد أُرسلَ من قوةٍ أخرى، فذلك يعني أنهم كانوا يكنُّونَ الكثيرَ من البأسِ العسكريِّ، لذا يجبُ أن نكونَ على حذرٍ، وإلا، فيجبُ أولاً استقطابُ المواهبِ الجديدةِ لهذا الجانبِ قبلَ أن تسلبَ القوى الأخرى المواهبَ التي تظهرُ في الوقتِ المناسبِ في الوضعِ الراهنِ حيث يموتُ الموهوبونَ كلَّ يوم.
{م.م: شططتُ: تجاوزتُ الحدَّ أو أبعدتُ في القول. يكنُّونَ: يضمرون ويخفون.}
وهكذا، وبينما كنتُ غارقاً في أفكاري، فتحتْ "إيرام" فاها، وهي التي كانت تراقبُ حالةَ "بول" العاطفيةَ في صمت.
"على الأرجحِ هو 'بطل'."
"... أذكرُ أنكِ قلتِ إنه لم يكنْ ثمةَ شهودٌ البتة."
"لم يكنْ هناك شهودٌ، ولكنْ كان هناك من بدا ضالعاً في الأمر. كانت ثمةَ شائعات."
"...؟"
بعيداً عن الشائعاتِ، كان ضالعاً، لكنه لم يكنْ شاهدَ عيانٍ.
ما معنى هذا؟
ربما قرأتِ الشكَّ على وجهِ "بول"... فاستطردتْ:
"شائعاتٌ حول 'بطل حقيقيٍّ' يجوبُ القارةَ ويُشرعُ سيفَهُ لأجلِ القرى التي لم تُنَلْ الرعايةُ منها بعد. مؤخراً، كان المرتزقةُ يتحدثونَ عن هذا. تلقينا طلباً من شخصٍ يُفترضُ أنه البطلُ لمحاصرةِ جنودِ الشياطينِ والتعاملِ معهم. قالَ إنه استلمَهُ ونفذَهُ."
"...."
"لقد حاصروا العميلَ من مسافةٍ بعيدةٍ لدرجةِ أنهم لم يُروا، لذا لم يعلموا حتى ما حدثَ واكتفوا بقتالِ الشياطينِ الذين حاولوا كسرَ الحصارِ. ولم يتضحْ إلا بعدَ فواتِ الأوانِ وانتشارِ الشائعةِ أنَّ العميلَ الذي اؤتمنوا عليهِ كان..."
'كنتُ أعلمُ أنَّ للأمرِ علاقةً بالعمل.'
كُن دقيقاً أيضاً.
على أيةِ حالٍ، سمعتُ عن الأبطالِ الجوالينَ. أخبرتُكِ أن تجمعي المعلوماتِ نصفَ حبٍ في الاستطلاعِ ونصفَ نيةٍ في استمالتِهِ لاحقاً. بدمجِ المعلوماتِ التي استلمتُها، استنتجتُ هويتَهُ، والشخصُ المتوقعُ الذي ظهرَ حينها كان على الأرجح... "ستيغما بريميرو..."
{م.م: البتة: قطعاً وإطلاقاً. ضالعاً: مشتركاً ومتورطاً. استطردتْ: أكملت حديثها.}
"له شعرٌ أخضرُ وسمتٌ أرستقراطيٌّ. يقولُ المرتزقةُ إنه يملكُ مالاً وفيراً وكانت أجورُ العمولاتِ مرتفعةً، لذا فمن المرجحِ أنَّ هذا حق."
"... مزيجٌ من بطلِ الإمبراطوريةِ الثاني ومرتزقٍ ظهرَ فجأةً... الأمرُ هزليٌّ بعضَ الشيءِ، لكنَّ هذا يجعلُ شيئاً واحداً جلياً."
"...؟"
افترَّ ثغرُ "بول" عن ابتسامةٍ وفرقعَ أصابعَهُ بعبثٍ. لقد تحسنَ مزاجي المنخفضُ بشكلٍ ملحوظ.
"ستيغما بريميرو لم يعدْ بطلاً للإمبراطورية."
علاوةً على استخدامِ المرتزقةِ بدلاً من قواتِ الإمبراطوريةِ أو فرسانِها، لم يكنْ للإمبراطوريةِ سبيلٌ لإرسالِ قواها البشريةِ الثمينةِ لمكانٍ كهذا لولا ذلك.
شخصٌ موهوبٌ أثبتتْ مهاراتُهُ قد صار حراً. وبالنظرِ لما يفعلهُ الآن، فكأنما تخلى عن لقبِ النبالةِ من تلقاءِ نفسِهِ. وبعبارةٍ أخرى، فهذا يعني أنه شخصٌ يستحقُّ أن يُفرشَ له السجادُ في جيشِ الثوار.
{م.م: افترَّ ثغرُهُ: ضحك حتى بدت أسنانه.}
"حاولي الاتصالَ به."
"إيرام"، التي أدركتْ ما يرمي إليه "بول"، توقفتْ لتهزَّ رأسَها ثم فتحتْ فاها بتردد.
"ولكنْ إن قررَ تجنبَ الأمر..."
"حينها سيكونُ من سوءِ الطالعِ، لكنْ لا حيلةَ في الأمر."
"...؟"
"كيفَ تمسكينَ ببطـلٍ عازمٍ على تجنبكِ؟ عليكِ أن تكوني مثابرةً، فتنصبينَ فخاً بلا داعٍ، ثم تنسحبينَ حين يشعرُ بالإهانة. فقط حاولي الحديثَ باعتدالٍ وأدبٍ، وإن لم يجدِ الأمرُ نفعاً، فاستسلمي."
"حسناً."
أومأتْ "إيرام" وأدارتْ ظهرَها كأنها ستغادرُ، لكنها توقفتْ لبرهةٍ حين لمحتْ وثيقةً بطرفِ عينِها.
"...."
"ماذا تفعلينَ إن لم تكوني خارجةً؟"
"ذاك..."
الوثيقةُ التي ألقاها "بول" على الأرضِ قبلَ لحظاتٍ، كأنه سيمزقُها مع اشتدادِ عواطفِهِ.
حين رأتْ ذلك، طرأَ ببالِها شيءٌ وترددتْ، غيرَ قادرةٍ على الرحيل. أخذتْ وقتَها في التفكيرِ وهي تعيدُ الأوراقَ إلى المكتب.
"... هل لي أن أسألَ عن شيء؟"
في الحقيقةِ، حاولتُ السؤالَ مراراً. لكني لا أدري إن كان السؤالُ لائقاً.
وبينما كانت تجيلُ بصرَها، حثثتُها على فعلِ ذلك سريعاً إن كان لديها ما تقولُ، فتظاهرتْ بأنها لا تقوى على المغالبةِ ونطقتْ بالسؤالِ الذي كان يختلجُ في صدرِها.
"... الوثيقةُ التي مزقتُها آنذاك."
"... آه؟"
الوثيقةُ التي مزقَها "بول" كتحذيرٍ حين ضُبطتْ وهي تخفي مكانَ "شيا".
"الاسترداد... هل فعلتَهُ؟"
... حسناً، كنتُ أتساءلُ لِمَ لم تسألي.
"بول"، مدركاً ما تقولُ، أطلقَ ضحكةً.
من الطبيعيِّ أن تكونَ قضيةُ الثورةِ أهمَّ عند السيدِ "إيرام" من مجردِ فتاةٍ تُدعى "شيا". لقد مضى وقتٌ طويلٌ منذ ذلك الحين، لذا فمن الجديرِ السؤالُ عن الأمرِ الآن.
لقد توقعتُ ذلكَ وفهمتُهُ في عقلي... ولكنْ لِمَ أشعرُ بالخيبة ثانيةً؟
'... على أيةِ حالٍ، بما أني سمعتُ السؤالَ، فعليَّ الإجابةُ.' لا يمكننا الضغطُ عليكِ لتأنيبِ ضميركِ للأبد.
كانت تهكماً ممزوجاً بالمرارة: "لقد صغتُها وكتبتُها بنفسي."
"هذا يعني..."
"من الطبيعيِّ أن أتذكرَها."
هذا يعني أنه إذا عقدتَ العزمَ، يمكنكَ استعادتُها بالوثائق.
تهللَ وجهُ "إيرام": "هل لي أن أسألَ عن فحواها؟"
"... إنها ذاتُها التي شرحتُها المرةَ الماضية. سياسةُ 'دانيال' يصعبُ تنفيذُها في التوِّ، لذا فهي سياسةٌ يمكنُ تطبيقُها في المرحلةِ الانتقالية. بالإضافةِ إلى ذلك، قد تكونُ هي الغايةَ المثلى والهدفَ الأسمى، لكنها غايةٌ لا يمكنُ إدراكُها أبداً ما دام البشرُ 'بشراً'، لذا فهي سياسةٌ يجبُ أن تقتصرَ على عمليةٍ وسيطة."
{م.م: فحواها: مضمونها ومعناها. التوِّ: الحال واللحظة.}
امتلأَ وجهُ "إيرام" بالريبِ والإحباط.
ما هو محتوى تلك السياسة؟ ربما يريدُ الاستماعَ إليها بشكلٍ جليٍّ. لكنْ بالنظرِ إلى تلك التعبيراتِ، فإنَّ فكرةَ إخبارِهِ بها تتلاشى بسهولةٍ أكبر. ضحكَ "بول" وقالَ هامساً ببعضِ التذمر: "إن كان ما ابتكرهُ 'دانيال' يُسمى 'الديمقراطية'، فقد ابتكـرتُ أنا... شيئاً مثل 'الاشتراكية'."
وبالطبعِ، هو مجردُ اسمٍ، وليست 'اشتراكيةً' كاملةً إذ إنها مجردُ حجرِ عثرةٍ وعمليةٍ وسيطةٍ للديمقراطية.