ذات يوم، جالَ الخاطرُ بـ "بول" متسائلاً:

«أحقاً يَحلُّ السلمُ إذا ما وضعت الحربُ أوزارها؟»

هيهات، إنه سؤالٌ لا يحتاجُ لكبير عناءٍ لإدراكه.

لقد تداعت أممٌ شتى إثرَ حروبِ الإمبراطوريةِ الغاشمة، وما تلاها من صراعٍ مع عالمِ الشياطين. حتى وإن انتهى النزالُ بنصرِ بني البشر، فإنَّ السكينةَ لن تعودَ ركابها سريعاً.

{م.م: وضعت الحرب أوزارها: توقفت وانتهت. تداعت: انهارت وسقطت. ركابها: الجماعة من الإبل وقصد بها هنا عودة الاستقرار.}

سيبتهجُ القومُ برهةً، ثم لا يلبثون أن يشحذوا النصالَ مجدداً في خضم الهرجِ والمرج.

«سنُوقدُ نارَ الحربِ ثانيةً لنحوزَ الفيافيَ المقفرة، ونملأَ الفراغَ الذي خلّفتهُ الممالكُ البائدة».

{م.م: يشحذوا النصال: يسنوا السيوف والسكاكين. الهرج والمرج: الفتنة واختلاط الأمور. الفيافي المقفرة: الصحاري الخالية. البائدة: المنتهية والهالكة.}

كيف يُمكن الاستهانةُ بظلمةِ النفسِ البشريةِ وشرهِها؟

سواءٌ داس جيشُ ملكِ الشياطينِ ديارَ الإنس، أو دحرَ البشرُ الشياطين؛ فإنه وإن خمدت الحربُ الظاهرة، ستندلعُ أخرى لا محالة.

لذا، عاودتُ سؤالَ نفسي:

«في مِثل هذا الأتون، أيُمكن لنهجِ "دانيال" أن يبسطَ جناحيهِ حقاً؟»

... مُحالٌ قطعاً.

فقبل أن يفردَ جناحيه، ستذروه رياحُ الملحمةِ وتُحيله هباءً منثوراً. لم يرضَ "بول" لذاك الفكرِ الذي هو عصبُ حياةِ "دانيال" أن يضمحلَّ ويتلاشى.

جلستُ قُبالةَ طاولتي، أديرُ القلمَ بين أناملي وأحدقُ في القرطاسِ الأبيضِ بحدة.

«إنَّ السبيلَ الذي اهتدى إليه "دانيال" هو نهجٌ يمنعُ استئثارَ امرئٍ واحدٍ بالسطوة. نهجٌ رزينٌ وئيد، يستلزمُ التمحيصَ والمشورةَ عبر مسالك شتى قبل قطعِ الأمرِ وإنفاذه».

{م.م: الأتون: الموقد الشديد الحرارة وقصد به الحرب. ستذروه: ستطيره وتفرقه. السطوة: القوة والسيطرة. وئيد: بطيء ورزين.}

قد يعصمكَ ذلك من التردي في مهاوي الردى، لكنَّه عسيرُ المنالِ وقتَ النزال. كم من الوقتِ سنقضيهِ في "الشورى" والعدوُّ يطرقُ الأبوابَ الآن؟

«وفوق هذا وذاك...»

ثلاثُ مؤسساتٍ يتراقبنَ بصرامة، ورأسُ الهرمِ ينتخبهُ القومُ مباشرةً. وبما أنني أنا من رفعتُ شأنه وأجلستُه، فلن يُعجزني أن أحطَّ من قدره ثانيةً. ستكونُ أعينُ الرعيةِ شاخصةً نحوه، يترقبونَ زلتهُ ليعزلوه في أيِّ حين.

إنَّ "الحطَّ" من المنصبِ الرفيعِ يعني هلاكَ كل ما بناه المرءُ كإنسان. فوجهكَ صار معلوماً، وسطوتك قد ذوت. حتى لو ركنتَ إلى مالكَ الذي كسبته، أسيقفُ الناسُ صامتين؟ ليس المالُ هو الشأن، بل الوجلُ على الرمقِ الباقي من حياتك.

{م.م: مهاوي الردى: طرق الهلاك. شاخصة: ناظرة بتركيز. ذوت: ذبلت وضعفت. الوجل: الخوف. الرمق: ما تبقى من الروح والحياة.}

كي تنجو، عليكَ بسلوكِ دربٍ آمنٍ لا تشوبه شائبة. فالحربُ تقتضي حزماً وبأساً، لكنَّ عمارها ينهارُ إن أصابها خللٌ بسيط. لم تكن طرائقُ الأخ "دانيال" لتلائمَ طبولَ الحرب.

«يا للسخرية... إنَّ قوامَ الحربِ هو الطاعةُ بين الرأسِ والذيل».

كي يظلَّ جيشُ الثوارِ حياً في سوحِ الوغى ويُبقي على إرثه، فلا بدَّ له من قائدٍ بيدهِ "مقاليدُ القوة". قائدٌ واحدٌ يملكُ فصلَ الخطابِ وتدبيرَ الأمور.

يقيناً، قد يثورُ القومُ إن جارت قراراته، لكنَّ هذا لا ينبغي أن يحكمَ القراراتِ المقبلة.

«إن كنتَ ستمضي قُدُماً رغماً عن المعارضة، فأنتَ أحوجُ ما تكونُ لمنعةٍ وسلطان، فلا ينبغي تشتيتُ القوةِ الآن».

عليهِ، وجبَ إرجاءُ نهجِ الأخ "دانيال" لزمنٍ قاصٍ، حين تضعُ الفتنةُ أوزارها ويحلُّ الاستقرار، وابتكارُ نهجٍ جديدٍ يكونُ قنطرةً لعبورِ حقبةِ الحرب. هزَّ "بول" رأسهُ نفياً.

{م.م: سوح الوغى: ساحات الحرب. مقاليد القوة: مفاتيح السيطرة. جارت: ظلمت. قنطرة: جسر.}

وهنا استذكرَ الثائرُ الشابُّ ملاحاةً لفظيةً دارت بينه وبين رجلٍ منذ أمدٍ قريب.

وبالدقة، تذكرَ ما قيلَ في تلك الملاحاة:

[نحنُ نتمايزُ فيما بيننا بناءً على الرفعةِ والوضاعة، وبناءً على ما نملكُ من عَرَضِ الدنيا، وبناءً على السِيماء، ولونِ البشرة، وسائرِ الأهواء!]

تمايزٌ بناءً على المال.

راودني هذا الخاطرُ منذ زمن. يتملكني الريبُ فيما إذا كان الظلمُ والتمايزُ في هذا العالمِ سيضمحلُّ حقاً بزوالِ نظامِ الطبقات.

وكان الجوابُ: "كلا".

لقد أبصرَ بعينيهِ كيف يقهرُ المالُ ذوي السلطان. رأيتُ شريفاً فقيراً يتذللُ لسؤالِ المالِ من عاميٍّ ثري، ورأيتُ شيخاً وقوراً يُهينه شابٌّ لفقره.

حتى لو زال نظامُ الطبقات، سيبقى التمايزُ قائماً. ومن بين معاييرِ التفرقةِ الكثيرة، يظلُّ "المال" هو القطبُ الأعظم.

«لأننا نحتاجُ لسببٍ نُقنعُ به الكافةَ لماذا يحتاجُ جيشُ ثوارٍ ينادي بـ "المساواة" إلى "قائدٍ مطلقِ اليد"».

ما من شيءٍ إلا ويُمكن استغلاله لإشعارِ الناسِ بضرورةِ القائد. افترَّ ثغرُ "بول" عن ابتسامةٍ حين بدأ الجوابُ يتجلى له.

«علاوةً على "الطبقية"، يُمكن جعلُ "الملكيةِ الفردية" حاجزاً ظاهراً يُذكي نارَ التفرقة».

{م.م: ملاحاة: مجادلة ومشادة كلامية. عَرَض الدنيا: متاعها ومالها. السِيماء: الملامح والوجه. افتر ثغر: ابتسم حتى ظهرت أسنانه.}

لذا، سيقولون إنهم سيبطلون الملكيةَ الخاصةَ ويجمعونَ كلَّ شيءٍ تحت يد "الدولة" لتوزيعهِ بالقسطِ بين الجميع. صقلوها وسموها "دولة"، لكنَّ ذاك الدورَ في الحقيقةِ سيؤديه "القائد" الواحد!

نهجٌ يتساوى فيه الجميعُ... إلا القائد.

هذا صنعَ مذهباً يصمدُ في عصرِ الحربِ دون المساسِ بجوهرِ فكرِ الثوار.

«المعضلةُ تكمنُ في وجوبِ تحويلِ هذا لنهجِ "دانيال" في الحينِ المناسب، ولكن إن لم نتوخَّ الحذر، فقد يؤولُ الأمرُ لشرِّ منقلب...»

فأربابُ السلطةِ تميلُ نفوسُهم لهواها. سيقولون إنه سيتنحى حين يحينُ الوقت، لكنَّ الغالبَ أنه لن يزهدَ في حلاوةِ السلطان. وحينها، سيفشو الفسادُ لا محالة.

سيحينُ وقتُ الانتقالِ لنهجِ "دانيال" في غابرِ الأزمان، ولن أكونَ حياً حينها لأبصرَ ذلك بعينيَّ.

«... لا بدَّ من تعليمٍ صارمٍ لمن يخلفني».

رغم وجوبِ الحذرِ من شرهِ البشرِ وعدمِ الركونِ إليهم، فهذا قصارى ما يمكننا فعلهُ حالياً. قد يبتكرُ غيري سبيلاً أمثل، لكنَّ هذا ما جادَ به قريحي.

عدتُ إلى الواقعِ لأبصرَ "إيرام" يميلُ برأسه عجباً.

"الديمقراطية...؟ الاشتراكية...؟"

"نعم".

"؟"

ابتسمَ "بول" ابتسامةً باهتة.

... "إيرام" عضو مخضرم في جيشِ الثوار، حركته عقيدةُ "المساواة" المحضة. ومن حسنِ الطالعِ أنه رجل نبيل لا يستهويه المطامعُ الشخصية كـ "السلطة".

{م.م: الفصل السابق كانت إيرام أنثى بالترجمة الإنجليزية والحين ذكر. يخي ما أتذكر بنت لو ولد إيرام الحين؟؟ فترجمه من الحين فصاعداً كرجل. ++ غابر الأزمان: الأوقات البعيدة في المستقبل. قريحي: عقلي وتفكيري.}

أخذتُ القلمَ وخططتُ على الورق. لم يكن المحتوى طويلاً.

[ديمقراطية / اشتراكية]

"لن أشرحها لك الساعة، فهي بمثابةِ اختبارٍ لك".

"اختبار...؟"

"أجل. أتراها؟"

وضعتُ أناملي على الورقةِ ودُفعتها نحوه.

"تفرَّس في معاني هاتين الكلمتين. لقد استخدمتُ رموزاً جنوبية، فإذا ما أوَّلْتَها، ستدركُ كنهها. لن يكونَ الأمرُ عسيراً".

"... هذا يعني...!"

رفعَ "إيرام"، الذي كان يحدقُ في الورقة، رأسهُ مبهوتاً.

اضطربت عيناهُ الواسعتانِ وكأنهُ استشعرَ المقصدَ من وراءِ فعله. وفي الوقتِ نفسه، خرج صوتهُ متهدجاً يملؤهُ التردد.

"... أتحسبني حقاً خليفتكَ من بعدك؟"

"كلا".

"إذن لِـمَ..."

{م.م: تفرّس: أمعن النظر بذكاء. أوَّلتَها: فسرتها. كنهها: حقيقتها وجوهرها. متهدجاً: متقطعاً من الأثر أو البكاء.}

"لأننا في زمنٍ لا يُستنكرُ فيه موتُ أحدٍ في أيِّ حين، صغيراً كان أم كبيراً".

بل إنَّ الحالَ جعلت الصبيانَ يهلكونَ قبل المشيب.

رفعَ "بول" وثيقةً كانت بجانبهِ دون التفاتٍ لـ "إيرام". وتحدثَ بهدوءٍ وهو يقرأ، وكأنهُ يستأنفُ عملاً قد انقطع.

"أنا نفسي لا أدري متى يأتيني اليقين. ولم أجد حتى اللحظةِ من يستحقُّ الخلافة".

أعماني البصرُ أم أنَّ العقمَ أصابَ المواهب؟ لا يوجدُ شخصٌ مفعمٌ بالروحِ المطلوبة.

«لم أطلب الكثير».

شابٌ مرنُ العقل، لا يتسمُ فكرهُ بالجمودِ ويقبلُ التغييرَ بالوعظ. ذكيٌّ ألمعيٌّ يتشربُ تعاليمَ القائدِ الأولِ وزياداتِ القائدِ الثاني وينقلها للأجيال. امرؤٌ نزيهٌ لا ينقادُ لشهواته بل يعملُ للمصلحةِ العامة.

هذه ثلاثٌ خصالٍ فحسب.

{م.م: فحسب تقول ها.. لو كنت بزمننا فكيف.}

وفي الخصلةِ الثانيةِ تحديداً، كان المسعى أولاً إيجادَ نابغةٍ لا يتشربُ الدروسَ فحسب، بل يطورها دون تحريفٍ وينقلها، لكني تنازلتُ خطوةً للوراء.

بدأ "بول"، الذي كان يتذمرُ في سرّهِ من ندرةِ الكفاءات (ولعلَّ الحربَ هي من أفسدت الطباع)، يُحركُ ريشتهُ بنشاط. تحدثَ بلهجةٍ عاديةٍ كأنَّ الأمرَ يسير.

{م.م: يأتيني اليقين: يأتيني الموت. ألمعي: ذكي جداً وصادق الظن. خصال: صفات.}

"لذا، إذا متُّ دون تركِ خليفة، أو متُّ قبل إتمامِ تعليمِ من يخلفني، أو متُّ في أيِّ حالٍ قبل استكمالِ الوراثة، أو حتى لو هلكَ من خلفتهُ في حادثةٍ بغيضة..."

"...."

"يا سيد "إيرام"، كن أنتَ الجسرَ المعدَّ لتلك اللحظة".

لقد لازمَ "إيرام" قائدَ الثوارِ منذ النشأة. وبما أنه عاصرَ الجيلين الأول والثاني، فقد أعانَ في أمورٍ شتى ورأى وسمعَ الكثير، فلا بدَّ أن لديهِ أساساً متيناً. والآن، ستكونُ أقدرَ من غيركَ على تشربِ العلمِ سريعاً.

يمضي الوقتُ وقائدُ الثوارِ، الذي يحيطُ به الخصوم، يعيشُ كدراً من العيش. إنه وضعٌ مزلزلٌ لا تدري أتموتُ اليومَ أم غداً، فإن قضيتُ نحبي، سيتداعى جيشُ الثوارِ الذي يفتقرُ للخليفةِ الكفء، أو يضلُّ السبيلَ في طرفةِ عين.

"أنتَ بمثابةِ درعٍ مؤقتٍ يُبقي الروحَ في جسدِ الجيشِ حين يشرفُ على الانهيار".

حالياً، نحتاجُ لمن يكونُ قنطرةً تسدُّ الفجوةَ لحينِ إيجادِ الخليفةِ وتدريبه، وكخيارٍ ثانٍ في حالِ الخطوبِ المدلهمة.

{م.م: كدراً من العيش: ضيقاً وتعباً. قضيتُ نحبي: متُّ. الخطوب المدلهمة: المصائب الشديدة والمظلمة.}

بمعنى آخر، نحتاجُ لقومٍ يتشربون التعاليمَ بأسرعِ ما يمكنُ ويكونون في طليعةِ الصفوفِ في أي وقت. رفعَ "بول" رأسهُ ورمقَ "إيرام" بنظرة.

"قلتَ إنكَ فضوليٌّ بشأنِ السياسةِ المرحليةِ التي رسمتها، أليس كذلك؟ هذه فكرةٌ وسبيلٌ، تركُها أولى من استخدامها بنصفِ عقل. وهذا ينطبقُ أيضاً حين لا نجدُ الخليفةَ الحق. لذا، أنجز اختبارك".

حينها، سأطلعك على المقصدِ الجليِّ من ورائها وكيفيةِ إعمالها.

"آملُ أن تصبحَ يا سيد "إيرام" 'خليفةً حقاً' وشخصاً يربي خليفةً آخر".

"إيرام" هو عونُ القائد.

لا يبرزُ في القتالِ أبداً، وحتى لو استهدفهُ الأعداء، فهو بعيدٌ عن حياضِ الموتِ لأنَّ السهامَ تُوجهُ للرأسِ لا للكرسيِّ فحسب.

"بول"، الذي كان يراقبُ خصمهُ ذا الشروطِ الحسنةِ من وجوهٍ شتى، سرعانَ ما غمرَ رأسهُ في الوثائقِ مجدداً وأشارَ بيده.

"اذهب الآن. ولا تقع في حماقةِ الانشغالِ بالخواتيمِ ونسيانِ ما ذكرتهُ لك آنفاً".

ابحث عن "شيا"، وحاول الاتصال بـ "ستيغما بريميرو"، وأنهِ اختبارك.

"إيرام"، الذي رتَّب القائمةَ في ذهنه، طوى الورقةَ ودسَّها في صدره، وأومأ برأسه.

"حسناً".

{م.م: حياض الموت: ساحاته. آنفاً: قبل قليل.}

ـــــــــــــــــــــ

"أشكركَ على قبولكَ اللقاء، رغم ما قد يبدو في طلبي من غلظة".

"لا عليك. لقد سئمتُ نظراتِ الارتيابِ التي تلاحقك، وبما أنكَ من القومِ الذين يلزمون حدودهم، فليس من السيءِ تقليلُ تلك النظراتِ الآن. فما حاجتك؟ ... لا، قبل ذلك".

وضعَ "ستيغما" يدهُ تحت ذقنهِ مفكراً. ضاقت عيناهُ وانبعث صوتٌ رزينٌ يخرقُ الهواء.

"إلى من تنتمي؟ بلاد الجبال؟ الإمبراطورية؟ أم... جيش الثوار؟"

"... جيش الثوار".

أحسبُ أنني عرفتُ لِـمَ طلب لقائي دون حاجةٍ للسؤال... لكن لا ضيرَ في إبداءِ الكرمِ بمنحهِ من وقتي. فقضاءُ بعضِ الحاجاتِ لا يعني ضياعَ اليومِ كله. أومأتُ برأسي في تؤدة.

{م.م: غلظة: جفاء وعدم أدب. تؤدة: تمهل ورزانة.}

"أجل، أرى ذلك. فما حاجتك؟"

"انضم لجيش الثوار..."

"أرفض". كنتُ أعلم.

إنه لمن المضحكِ أن يُعرضَ الانضمامُ لـ "ستيغما بريميرو" دون غيره.

أهذا عرضٌ ممن زهدَ في رتبةِ النبلاء؟ إن كان الأمرُ كذلك، فأودُّ إخبارك بأنكَ واهمٌ تماماً. لقد فعلتُ ذلك لغايةٍ أسمى، وليس لأنَّ نظامَ الطبقاتِ كان جائراً في نظري.

بل إنَّ "ستيغما" كان يطمحُ لمكانةٍ أرفعَ يثبتُ فيها ذاته.

بمعنى آخر، بما أنَّ نظامَ الطبقاتِ كان مسرحاً عظيماً قد يُستخدمُ ثانيةً يوماً ما، لم يشعر بضرورةِ محوه، لذا قال "لا" دون تردد.

ما كان مدهشاً هو ردُّ فعلِ الآخرِ بعد سماعِ الجواب.

"حسناً".

إيماءةٌ جليةٌ دون زيادةِ حرف. "... لقد استسلمتَ أسرع مما ظننت".

"أن تترك بطلاً وشأنه خيرٌ من أن تجعله عدواً".

"حكيم. فكرةُ من كانت هذه؟ القائد؟"

"...."

"أنت القائد. شعرتُ بذلك منذ رأيتكَ على الشاشة، فعلى خلافِ مظهرك، يبدو أنكَ ناضجُ العقلِ تماماً".

غادرَ الآخرُ الغرفةَ سريعاً وكأنه لا يرغبُ في الاستطراد.

"ستيغما"، الذي ضحك من المحاولةِ اللطيفةِ لتقليلِ تسريبِ المعلومات، التفتَ دون تردد. التقت العيونُ الفضيةُ الزرقاءُ بنظراتنا.

"... إذن، أآنَ الأوانُ للمضيِّ في اللقاءِ الذي أعددناهُ سلفاً؟"

ريممبر.

2026/05/03 · 1 مشاهدة · 1750 كلمة
نادي الروايات - 2026