"لَقَدْ أًزِفَ المَوْعِدُ بِأَسْرَعَ مِمَّا قَدَّرْتُ. لَكَأَنَّمَا ضَرَبْنَا مِيعَادَيْنِ تَلَاحَقَا حَتَّى تَزَاحَمَا."
بِنَبْرَةٍ فِيهَا وَقَارٌ، دَاخَلَهَا شَيْءٌ مِنَ الدُّعَابَةِ كَأَنَّمَا يَحْكِي شَكْوًى.
تَبَسَّمَ شَيْخٌ وَقُورٌ ذُو سِيمَاءَ طَيِّبَةٍ.
"كُلَّمَا أَمْعَنَ بِيَ الكِبَرُ، جَافَى الكَرَى مَضْجَعِي. حَتَّى لَوْ تَزَاحَمَتِ المَوَاعِيدُ، لَكُنْتُ لَكَ مِنَ المُنْتَظِرِينَ. لَعَلِّي أَنَا مَنْ جِئْتُ قَبْلَ أَوَانِي بِمَحْضِ إِرَادَتِي. وَلَكِنْ، دَعْنَا مِنْ هَذَا..."
لَمَعَتْ عَيْنَاهُ الزَّرْقَاوَانِ كَلَمْعِ النَّصْلِ.
{م.م: الكَرَى: النوم. سِيمَاءَ: علامة أو مظهر. أَزِفَ: اقترب.}
"مَا بَالُ هَذَا الشَّيْخِ، الَّذِي طَبَقَتْ شُهْرَتُهُ الآفَاقَ هَذِهِ الأَيَّامَ، فِيمَا يَرُومُ؟"
"هِيَ قَالَةٌ تَسْرِي... لَنْ أُنْكِرَهَا، لَكِنِّي لَا أَرَى مَقَامَكَ يَحْسُنُ بِهِ تَرْدِيدُهَا."
لَمْ يكُنْ 'سِتِيجْمَا بْرِيمِيرُو' الوَحِيدَ المَقْرُون بِـ'الرَّجُلِ الضَّارِبِ فِي فَيَافِي القَارَّةِ'. رَفَعَ 'سِتِيغْمَا' طَرَفَ شَفَتِهِ كَأَنَّمَا يَسْتَعْلِي، بِيَدَ أَنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَكُنْ فِيهِمَا بَسْمَةٌ.
{م.م: قَالَةٌ: إشاعة أو كلام يتردد. يَرُومُ: يطلب أو يقصد. فَيَافِي: الصحاري والقفار.}
ثَمَّةَ أُحْدُوثَةٌ أُخْرَى لَمْ تَشِعْ بَعْدُ، إِذْ وَارَتْهَا أَخْبَارُ 'البَطَلِ'، لَكِنَّهَا بَاتَتْ تَنْسَلُّ رُوَيْداً تَحْتَ السَّطْحِ. هَلْ كَانَتْ نَبَأَ شَيْخٍ يَصْرَعُ الضَّوَارِيَ؟ إِنَّهَا أُحْدُوثَةٌ أَشَدُّ نُكْراً مِنْ خَبَرِ 'البَطَلِ'، لَا تَبُثُّ رَجَاءً وَلَا أَمَلاً، لِذَا تَنْدَفِنُ فِي صَمْتٍ، رَغْمَ أَنَّهَا الحَقُّ الصُّرَاحُ.
إِنَّ الشَّيْخَ المَاثِلَ أَمَامِي، 'رِمَمْبَر'، كَانَ يَجُوبُ الأَرْضَ لِأَمْرٍ مَا.
"إِنْ كُنْتَ تَنْشُدُنِي لِخَبَرٍ بَلَغَكَ عَنْ سَمْسَرَةِ الأُجَرَاءِ، فَقَدْ فَاتَكَ الرَّكْبُ. هَذَا الشَّيْخُ قَدْ أَلْقَى عَصَا التَّرْحَالِ وَاعْتَزَلَ، وَمَا عَادَ لَهُ فِيهِمْ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ."
{م.م: أُحْدُوثَةٌ: حكاية. الضَّوَارِيَ: الوحوش الكاسرة. سمرة الأجراء: عملية "إدارة وتوريد المرتزقة" للحروب والنزاعات مقابل عمولة أو أجر معلوم. نُكْراً: أمراً غريباً أو مستبعداً. أَلْقَى عَصَا التَّرْحَالِ: استقر واعتزل.}
"هَذَا أَمْرٌ يُسْتَشَفُّ مِنْ رُؤْيَةِ السِّمْسَارِ يَتَنَقَّلُ بَدَلَ الِاسْتِقْرَارِ. لَيْسَ هَذَا مَأْرَبِي."
...إِذَنْ، فِيمَ جِئْتَ تَبْتَغِينِي؟
بَعْدَ أَنْ دُفِعَتِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةُ، الَّتِي انْتَفَعَتْ مِنْ فَرْضِ جُنْدِ المُرْتَزِقَةِ، إِلَى شَفَا الهَلَاكِ، تَرَكَ 'رِممْبَر' مَنْصِبَهُ وَاعْتَزَلَ لِقَاءَ عَدَمِ تَعْرِيضِ 'إِسْبِيرَانِيس' لِلْخَطَرِ.
يَقُولُونَ إِنِّي أَجُوبُ القَارَّةَ لِأُدَوِّنَ سِفْراً فِي التَّارِيخِ، مُرْجِئاً عَوْدَتِي لِلْمَمْلَكَةِ لِمَكَانَتِي وَصِلَاتِي، لَكِنْ لَمْ يَعُدْ لِي سُلْطَانٌ.
رَسَمَ الشَّيْخُ، الَّذِي لَا يَعْرِفُ إِلَّا بَعْضَ النِّزَالِ، عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ عَلَى مُحَيَّاهُ. نَطَقَ 'سِتِيغْمَا' كَأَنَّمَا يُلْقِي بِالجَوَابِ.
"بَلَغَنِي أَنَّكَ تَرُومُ خَطَّ سِفْرٍ فِي التَّارِيخِ."
{م.م: سِفْراً: كتاباً عظيماً. مُحَيَّاهُ: وجهه.}
"لَمْ أَكُنْ أَحْتَجِبُ بِذَلِكَ، فَحَرِيٌّ أَنْ يُسْمَعَ. وَلَكِنْ، مَا شَأْنُ ذَلِكَ..."
"أَعْرِضُ عَلَيْكَ أَنْ أَكُونَ رَفِيقَ دَرْبِكَ."
"...نَعَم؟"
الشَّيْخُ، الَّذِي مَا عَرَفَ الحَيْرَةَ يَوْماً، ارْتَدَّتْ أَجْفَانُهُ دَهْشَةً.
رَفَعَ الرَّجُلُ النَّبِيلُ طَرَفَ شَفَتِهِ بِرِفْقٍ. مَدَّ يَدَهُ بِإِيمَاءَةٍ تَقْطُرُ أَنَاقَةً.
"أَنَا ضَارِبٌ فِي الأَرْضِ وَأَنْتَ كَذَلِكَ، فَلَا ضَيْرَ فِي التَّرَافُقِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟"
ثَمَّةَ ضَوَارٍ سَيَعْجِزُ عَنْهَا مَنْ وَهَنَ عَظْمُهُ. لِنَمْضِ سَوِيًّا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فِي الحَقِيقَةِ، هَذَا صِدْقٌ."
"؟"
بَيْنَمَا كَانَ 'دَان' يَسْتَكِينُ لِلصَّمْتِ فِي مَكَانٍ غَرِقَ فِيهِ، رَفَعَ رَأْسَهُ فَجْأَةً عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتٍ.
سَوَاءٌ وَقَعَ نَظَرُهُ عَلَيَّ أَمْ لَا، كَانَ 'دِيُون' يَعْبَثُ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى المَائِدَةِ دُونَ الْتِفَاتٍ لِـ 'دَان'. وَاصَلَ تَمْتَمَةً كَانَتْ أَقْرَبَ لِمُنَاجَاةِ النَّفْسِ.
"كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ عِبْئاً."
"...."
{م.م: يَسْتَكِينُ: يهدأ ويخضع. الكَرَى: النوم.}
أَدْرَكَ 'دَان' مَا قِيلَ، فَآثَرَ الصَّمْتَ عَلَى جَوَابٍ مُتَعَجِّلٍ. فَاهُ الَّذِي كَانَ يَتَهَيَّأُ لِلنُّطْقِ انْطَبَقَ زَمَناً طَوِيلاً.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْتَظِرُ رَدّاً، اسْتَرْسَلَ 'دِيُون' فِي حَدِيثِهِ غَيْرَ آبِهٍ بِهَذَا الصَّمْتِ.
"رَغْمَ عِلْمِي بِأَنَّهُ سَيَكُونُ كَلًّا، فَقَدْ فَعَلْتُهُ عَمْداً..."
رَغْمَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ سَيَثْقُلُ كَاهِلَهُ، أَرْسَلَ جُنْداً نِظَامِيِّينَ إِلَى قَائِدِ الفَيْلَقِ الثَّامِنِ. رَغْمَ يَقِينِهِ أَنَّ إِرْسَالَهُ مُنْفَرِداً أَنْجَح، فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُبَّ جِمَاحَهُ.
"وَكَذَلِكَ الأَمْرُ مَعَ الإِيمَان به."
مَعَ ذَلِكَ، عَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَبْذُلُ مَهْجَتَهُ لِيَكُونَ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ.
{م.م: كَلًّا: عبئاً ثقيلاً. يَكُبَّ جِمَاحَهُ: يسيطر عليه ويمنعه. يبذل مهجته: يضحي بروحه، أو يبذل أكبر ما لديه من جهد.}
سُدَّ طَرِيقُ التَّرَاجُعِ كَيْلَا يَنْكِصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ بِسُهُولَةٍ. وَلِيَمْنَعَ التَّفْرِيطَ فِي الجُنْدِ كَمَتَاعٍ مَنْبُوذٍ، وُضِعَتِ الأَغْلَالُ سَلَفاً.
تَنَاثَرَتِ الدِّمَاءُ الَّتِي تَجَمَّعَتْ عَلَى الأَرْضِ. 'دِيُون'، الَّذِي تَعَوَّدَ أَنْ يَتَحَسَّسَ صَدْرَهُ لِصُدَاعٍ دَاهمه مِنْ رِيحِ الدَّمِ، أَدْرَكَ خُلُوَّ يَدِهِ مِنَ المُخَدِّر فَأَسْقَطَهَا صِفْراً. تَسَرَّبَ صَوْتُ حَنَقٍ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ.
"...تَبّاً."
"تسـ.. سكْ."
غُصْنٌ أَخْضَرُ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ يَدِهِ. تَوَقَّفَ 'دِيُون' وَنَظَرَ لِأَسْفَلَ.
{م.م: يَنْكِصُوا: يتراجعوا. أَسْقَطَهَا صِفْراً: أي خالية. ثَنَايَاهُ: أسنانه الأمامية.}
"...تَمَهَّلْ؟"
"سَكْ!"
"هَه..."
...عِشْتُ حَتَّى نِلْتُ الرَّبْتَ مِنَ النَّبَاتِ.
أَطْلَقَ ضِحْكَةً خَجْلَى، كَأَنَّمَا انْقَشَعَ حَنَقُهُ.
كَأَنَّ الضِّيقَ لَمْ يَكُنْ، طَابَتْ نَفْسُهُ وَتَقَبَّلَ الرَّبْتَ فِي سَكِينَةٍ، ثُمَّ قَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى الغُصْنِ الطَّوِيلِ.
"يَـ.. يَاكْ؟!"
"مِمَّا ذُعْرُكَ؟"
"و.. و.. و!"
"...؟"
النَّبَاتُ الَّذِي كَانَ يَنْكُزُ 'دِيُون' بِغُصْنٍ آخَرَ كَأَنَّمَا يَحْذَرُ، تَوَقَّفَ بَغْتَةً حِينَ رَأَى وَجْهاً مُلِئَ بِالِارْتِيَابِ. وَمَا إِنْ أَمَالَ 'دِيُون' رَأْسَهُ، حَتَّى جَمَدَ النَّبَاتُ كَأَنَّمَا صَارَ صَخْراً، وَخَبَتْ قُوَّةُ غُصْنِهِ النَّضِيرِ.
"سُـ.. سِوِيت..."
"مَا بَالُ جَسَدِكَ يَلْتَوِي ثَانِيَةً... أَبِكَ وَصَبٌ؟"
"لَيْسَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّهُ دَائِمُ المُزَاحِ، ظَنَّ أَنَّهَا دُعَابَةٌ أُخْرَى فَاحْتَرَزَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ فَاسْتَبْشَرَ. يَبْدُو لِي كَأَنَّهُ يَتَلَعَّبُ إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً."
{م.م: وَصَبٌ: مرض أو وجع. يَنْكُزُ: يطعن خفيفاً.}
"...؟"
حِينَئِذٍ، اسْتَقَرَّ نَظَرُ 'دِيُون' عَلَى 'دَان'.
كَانَ وَجْهاً وَسِيماً، لَكِنَّهُ سَمِعَ شَيْئاً هُجْراً. "إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً... أَهَذِهِ أُنْثَى؟"
"بِالنَّظَرِ إِلَى شَمَائِلِهِ، يَبْدُو ذَكَراً..."
"إِذَنْ... أَهِيَ خُنْثَى؟ لَا، هَذَا نَبَاتٌ أَصْلاً. وَالنَّبَاتُ فِيهِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى... لَكِنْ..."
أَجَلْ، ثَمَّةَ... رُوحٌ. بَعْدَ تَمْتَمَةٍ، شَرَعَ 'دِيُون' يُحَادِثُ الأَصِيصَ. كَانَ المَشْهَدُ غَرِيباً.
أَأَنْتِ أُنْثَى؟ (رَشْحُ سَائِلٍ).
أَذَكَرٌ أَنْتَ؟ (رَشْحُ سَائِلٍ).
أَخُنْثَى أَنْتَ؟ (رَشْحُ سَائِلٍ).
مَاذَا تَفْعَلُ؟ (رَشْحُ سَائِلٍ).
سُحْقاً.
وَجْهُ 'دَان' المُرَاقِبِ عَلَتْهُ الحَيْرَةُ. "...مَاذَا تَصْنَعُ؟"
"أَوَ لَيْسَ هَذَا مُهِمّاَ؟ أَسْأَلُكَ ثَانِيَةً."
أَتُحِبُّنِي؟
"سَكْ!"
{م.م: هُجْراً: كلاماً غير منطقي أو قبيحاً. شَمَائِلِهِ: طباعه وصفاته.}
سُحْقاً.
"يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَ مَا يُقَالُ..."
"مَنْ يَفْهَمُ هَذَا فَهُوَ المَأْفُونُ."
"حَسَناً... هَذَا صِدْقٌ، وَلَكِنْ..."
{م.م: مأفون: ناقص عقل.}
الآنَ وَقَدْ رَاقَ مِزَاجِي، لِنَعُدْ لِمَقْصِدِنَا. انْتَهَى هَذَا التَّوَدُّدُ العَبَثِيُّ.
نَكَزَ 'دِيُون' وَسَطَ كِمِّ الزَّهْرَةِ، الَّذِي بَدَا كَأَنَّهُ مِخْطَمٌ أَوْ عَيْنٌ، آمِراً إِيَّاهُ بِاللَّعِبِ مَعَ نَفْسِهِ. نَحَّى هَذَا المَسْخَ الوَهَّاجَ جَانِباً وَعَادَ لِلْمَائِدَةِ. انْسَلَّ غُصْنٌ نَحْوَهُ، لَكِنَّهُ ذَادَهُ بِيَدِهِ كَأَنَّمَا يَذُودُ ذُبَاباً، وَعَبِثَ بِاللَّوْحِ بِاليَدِ الأُخْرَى.
بَدَا عَلَى 'دَان' الإِعْيَاءُ مِنْ هَذَا المَشْهَدِ النَّكِرِ.
'...وَمَعَ ذَلِكَ، لَعَلِّي أَقُولُ الحَمْدُ لِلَّهِ أَنَّ الأَجْوَاءَ صَارَتْ أَخَفَّ وَطْأَةً.'
قَبْلَ هُنَيْهَةٍ، كُنْتُ أَشْعُرُ بِالغُمَّةِ مِنْ ثِقْلِ المَقَامِ.
بِفَضْلِ ذَلِكَ النَّبَاتِ الَّذِي يَتَدَخَّلُ كُلَّمَا جَدَّ الجِدُّ، صِرْتُ أَشْعُرُ بِمُتَّسَعٍ لِلتَّنَفُّسِ.
'دِيُون هَارْت' يَبْدُو أَلْيَنَ عَرِيكَةً عِنْدَ مُعَامَلَةِ النَّبَاتِ. أَعَلَيَّ أَنْ أَقُولَ إِنَّهُ صَارَ أَكْثَرَ آدَمِيَّةً؟
'لَا أَدْرِي أَهَذَا خَيْرٌ أَمْ شَرٌّ.'
فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، لَا مُبَالَغَةَ إِنْ قُلْنَا إِنَّ النَّبَاتَ تَقَمَّصَ دَوْرَ 'الفُرْسَانِ السَّامِينَ' الثَّانِي... أَوْه، أَهَذَا ازْدِرَاءٌ لِلنَّبَاتِ؟
{م.م: ذَادَهُ: طرده ودَفَعَه. أَلْيَنَ عَرِيكَةً: سلس الجانب.}
عَلَى أَيِّ حَالٍ، بَيْنَمَا كُنْتُ أَرْمُقُ النَّبَاتَ بِمَنْظُورٍ جَدِيدَةٍ، رَفَعَ 'دِيُون' رَأْسَهُ بَعْدَ أَنْ كَبَتَ الغُصْنَ المُتَلَاعِبَ عَلَى المَائِدَةِ.
"دَان. أَتَرُومُ النِّزَالَ فِي لُعْبَةٍ؟"
"أَتَقْصِدُ مَا عَلَى المَائِدَةِ؟ يَبْدُو أَنَّهُ 'الشِّطْرَنْجُ' الَّذِي صَنَعْتَهُ... لَكِنَّهُ بَائِنُ الِاخْتِلَافِ."
"إِنَّمَا غَيَّرْتُ هَيْئَةَ اللَّوْحِ لِيَكُونَ أُحْجِيَّةً مُنْزَلِقَةً، لَكِنَّ الأُصُولَ بَاقِيَةٌ."
نَظَرَ 'دَان' لِلْمَسْخِ الَّذِي هَدَأَ نَصَباً، وَدَنَا مِنَ المَائِدَةِ.
كَمَا سَلَفَ، تَقُومُ عَلَى رُقْعَةِ شِطْرَنْجٍ كَثِيرَةِ المُرَبَّعَاتِ، وَبِهَا تَضارِيسٌ مِنَ الجِبَالِ وَالأَنْهَارِ وَالقِفَارِ، لَكِنَّ أَجْزَاءً مِنَ اللَّوْحِ فُقِدَتْ مِنْ مَوَاقِعِ الطَّرَفَيْنِ. أَدْرَكْتُ ذَلِكَ فَوْرَ رُؤْيَتِي.
"أَنْتَ مَنْ يُقَرِّرُ التَّضَارِيسَ قَبْلَ النِّزَالِ."
"أَصَبْتَ. تُغَيِّرُ الأَرْضَ بِدَفْعِ قِطَعِ اللَّوْحِ تِبَاعاً. وَلَا يُمْكِنُكَ رَدُّ مَا دَفَعَهُ خَصْمُكَ لِمَوْقِعِهِ فَوْراً. وَعَدَدُ الدَّفَعَاتِ... يُحَدِّدُهُ زَوْجٌ مِنَ النّرد ذَاتِ العِشْرِينَ وَجْهاً."
"الأَرَاضِي المِعْطَاءَةُ تُدْنَى مِنْ مَعَسْكَرِكَ، وَالقَاحِلَةُ الوَعِرَةُ تُسَاقُ لِلْمَوَاقِعِ الَّتِي يَسْهُلُ الذَّوْدُ عَنْهَا."
"هَذَا هُوَ. مَجْرَى اللَّعِبِ لَا يَخْتَلِفُ عَمَّا سَبَقَ، فَهَلْ نَتَجَاوَزُ الشَّرْحَ لِنُقِرَّ التَّضَارِيسَ؟"
{م.م: نَصَباً: تعباً.}
"...."
بَدَلَ الجَوَابِ، رَمَقَ 'دَان' 'دِيُون'. 'مَا بَالُهُ يُطِيلُ المَقَالَ فِيمَا لَا طَائِلَ مِنْهُ...'
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ المُرَادَ. يَبْدُو كَأَنَّهُ مَلَأَ فَاهُ بِكَلَامٍ يَرُومُ نُطْقَهُ ثُمَّ يَبْتَلِعُهُ، فَعَرَضَ اللَّعِبَ لِيَكْسِبَ زَمَناً.
'لَا أَظُنُّ مَنْ كَشَفُوا عَنْ دَنَاءَةِ سِيمَائِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي النُّطْقِ وَخْزاً لِلضَّمِيرِ أَوْ تَرَفُّعاً عَنْ قُبْحِ النَّفْسِ...' كَأَنَّمَا اسْتَنْكَرَ غِيَابَ الرَّدِّ، فالتفتت عَيْنَاهُ الحَمْرَاوَانِ نَحْوِي. تَلَاقَتْ أَعْيُنُنَا.
حَتَّى لَوْ اسْتَحْثَثْتُهُ، فَلَنْ يَزِيدَهُ ذَلِكَ إِلَّا عِنَاداً، وَلَنْ أَجْنِيَ شَيْئاً. أَوْمَأَ 'دَان' طَائِعاً وَجَلَسَ قُبَالَةَ المَائِدَةِ.
"سَمْعاً وَطَاعَةً."
ـــــــــــــــــــــــــ
انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُ 'دِيُون' بِأَسْرَعَ مِمَّا ظَنَنْتُ.
ظَلَّ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ وَيَفْتَحُهُمَا طَوَالَ النِّزَالِ، لَكِنْ عِنْدَ مَنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، حَاوَلَ نَيْلَ مَأْرَبِهِ بِدَفْعِ قِطَعِ اللَّوْحِ لِيُغَيِّرَ مَوْقِعَ تَضارِيسَ أَرَادَهَا 'دَان'.
صَوْتٌ فِيهِ تَرَدُّدٌ جَلِيٌّ مَلَأَ المَكَانَ رُوَيْداً.
{م.م: انْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهُ: أي ابتسم -الأرجح-، أو بدأ بالتحدث، أو ظهر عليه الارتياح.}
"آنَذَاكَ... تِلْكَ المَقَالَةُ الَّتِي قُلْتَهَا أَمَامَ الشّاشة."
"نَعَمْ."
"...أَكُنْتَ جَادّاً؟"
"إِنْ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ قَوْلَةٍ أَوْ قَوْلَتَيْنِ، كَيْفَ لِي أَنْ أُفْهَمَ؟"
"لَا أَدْرِي مَاذَا تَعْنِي." دَفَعَ 'دَان' اللَّوْحَ لِيَنْقُلَ الدَّوْرَ، ثُمَّ رَمَقَ 'دِيُون' فِي صَمْتٍ. 'دِيُون'، الَّذِي أَدْرَكَ خَطَأَهُ مُتَأَخِّراً، أَضَافَ:
"قُلْتَ لِي لِمَاذَا أَرْسَلَنِي 'كْرُول' إِلَى عَالَمِ الشَّيَاطِينِ."
"آه."
عَرَفْتُ مَا هُوَ.
"أَكُنْتَ تَعْنِي ذَلِكَ حَقّاً؟"
أَهَلْ كَانَ حَقّاً يُفَكِّرُ فِيَّ بِهَذَا العُمْقِ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِأَجْلِي؟
أَعْلَمُ يَقِيناً أَنِّي لَا أَمْلِكُ مَلَكَةَ قِرَاءَةِ السَّرَائِرِ، لَكِنِّي لَا أَدْرِي لِمَ أَسْمَعُ الكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَعَهَا قَبْلَ الجَهْرِ بِهَا. تَنَهَّدَ 'دَان'.
"أَتَعْتَزِمُ المَسِيرَ إِلَى عَالَمِ البَشَرِ؟"
"...."
"تَبْدُو كَأَنَّكَ تَسْأَلُ كَيْفَ عَلِمْتُ، لَكِنْ لَا سَبِيلَ آخَرَ لِلتَّفْكِيرِ هَكَذَا ثَانِيَةً. يَبْدُو أَنَّكَ كُنْتَ تَنْظُرُ فِي أَمْرِ خَوْضِ الوَغَى بِنَفْسِكَ..." رَفَعَ يَدَهُ وَمَسَحَ ذَقَنَهُ.
{م.م: السَّرَائِرِ: ما في القلوب. الوَغَى: الحرب.}
قَبَضَ كَفَّهُ لِحِينٍ وَوَضَعَ مِفْصَلَ سَبَّابَتِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ، مُبْتَسِماً بِمَكْرٍ.
"يَبْدُو أَنَّكَ تَشْعُرُ بِشُعُورٍ جَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ عَزَمْتَ مَسِيرَكَ؟"
"...إِنَّكَ لَسَرِيعُ الخَاطِرِ."
"أََيَبْدُو عَلَيَّ أَنَّنِي أَرَى سَيِّدِي يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ؟"
{م.م: يقصد: هل أنا جديد عليك؟}
هَزَّ كَتِفَيْهِ زَهْواً أَمَامَ 'دِيُون هَارْت'، الَّذِي كَانَ يَلُومُهُ بِصَمْتٍ عَلَى سُوءِ حَظِّهِ، وَغَرِقَ فِي تَفْكِيرِهِ.
...حِينَ كُشِفَ ذَنْبُ الدُّوقِ أَمَامَ المَلَأِ، سَأَلَ 'بُول' لِمَاذَا أَرْسَلَ 'كْرُول هَارْت' 'دِيُون هَارْت' إِلَى عَالَمِ الشَّيَاطِينِ بَدَلَ الخِيَارَاتِ الأُخْرَى.
الجَوَابُ الَّذِي بَذَلْتُهُ آنَذَاكَ كَانَ هَذَا:
[بِمَا أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ مَحْتُوماً، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِرْسَالَ مَنْ يَرُومُ حِمَايَتَهُ إِلَى أَكْثَرِ البِقَاعِ أَمَاناً.]
كَانَتْ مَقَالَةً لَا يُؤْبَهُ لَهَا، لَكِنَّهَا وَقَعَتْ فِي نَفْسِ 'دِيُون هَارْت' مَوْقِعاً آخَرَ.
دَخَلَ النِّزَالُ دَوْرَهُ الأَخِيرَ، لَكِنْ لَا تَقَدُّمَ لِأَنَّ 'دِيُون هَارْت' لَا يَتَحَرَّكُ. رَفَعَ 'دَان' رَأْسَهُ لِيُصَادِفَ عَيْنَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ تَرْمُقَانِهِ.
"أَيَّ جَوَابٍ تَبْتَغِي؟ أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ."
"...."
"لَقَدْ خَدَعَ 'كْرُول هَارْدْت' السَّيِّدَ وَأَخْفَاهُ عَنْ نَاظِرِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ. لِذَا، لَمْ يَعْلَمِ السَّيِّدُ الحَقِيقَةَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَدْرَكَ تَضْحِيَتَهُ وَإِيثَارَهُ. إِنْ كُنْتُ سَأَسْأَلُكَ هُنَا، أَتَظُنُّ أَنَّ مَا عَلِمَهُ السَّيِّدُ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ؟"
لَعَلَّ هَذَا يَكُونُ جَوَاباً شَافِياً.
تَبَسَّمَ بِبُرُودٍ لِـ 'دِيُون' الَّذِي جَمَدَ وَتَوَسَّعَتْ حَدَقَتَاهُ.
"لَعَلَّهُ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا يَظُنُّ السَّيِّدُ. لَقَدْ كَانَ لِأَجْلِ السَّيِّدِ. حَقِيقَةً، بِالنَّظَرِ لِمَا عَلِمْتُهُ، أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ بِمَقْدُورِهِ فِعْلُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا..."
"...."
"عَلَى أَيِّ حَالٍ، جَعَلَ سَلَامَةَ السَّيِّدِ وَبَقَاءَهُ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ. لِذَا اصْطَفَى عَالَمَ الشَّيَاطِينِ عِوَضاً عَنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ نَجَا السَّيِّدُ كَمَا أَرَادَ وَصَارَ بَطَلاً، نَاجِياً مِنْ مَهْلَكَةٍ مُحَقَّقَةٍ."
أَهِيَ نَجَاةٌ فَحَسْبُ؟ ثَمَّةَ فَرْدٌ وَاحِدٌ فَقَطْ يُمْكِنُهُ تَهْدِيدُهُ.
خَفَضَ بَصَرَهُ.
تَضَارِيسُ اللَّوْحِ المُنْزَلِقِ كَانَتْ بِالفِعْلِ فِي صَالِحِ 'دِيُون'. بِسَبَّابَتِهِ وَوُسْطَاهُ، أَشَارَ 'دَان' إِلَى آخِرِ قِطْعَةٍ لَمْ يَأْخُذْهَا 'دِيُون هَارْت'، وَدَفَعَهَا بِيَدِهِ قَائِلاً:
"لِذَا، لَا تَبْتَئِسْ مِنْ مُخَالَفَةِ مَشِيئَةِ أَخِيكَ ثَانِيَةً، وَلْتَكُنْ رِحْلَتُكَ مَيْمُونَةً. فَلَقَدْ كَانَ لَكَ بَاعٌ فِي القِتَالِ بِعَالَمِ البَشَرِ، فَلِمَ تَتَصَرَّفُ كَرَجُلٍ قَدْ وَدَّعَ الدُّنْيَا الآنَ؟"
{م.م: تَبْتَئِسْ: تحزن. مَيْمُونَةً: مباركة. بَاعٌ: خبرة وقوة.}