أسرع "جيسيتل" يتفادى جسده وبسط ذراعيه كأنما "هيين" يبتغي احتضانه.
لحظ "ديون" أن حال "هيين" كان مزرياً في اللحظة التي سقط فيها من علٍ، فنقر بلسانه وأمال جسده ليتجنب يده. هبطتُ أنا بدقةٍ بين الاثنين ورفعتُ رأسي، فتلاقت عيناي بعيني "جيسيتل".
...الآن، كيف لي أن أستهل هذا الحديث؟
"لقد كان الصخبُ طاغياً لدرجةِ أن الصوتَ نُفذ به إلى داخل قلعة ملك الشياطين..."
إن "جايسيتل" من زمرة الشياطين التي تبالغ في الحذر ممن يعلونها شأناً. إن تحركتَ بحدة، فسيخفض جسده من تلقاء نفسه خضوعاً.
وبالفعل، انحنى ذلك الشاحبُ قبل أن تظهر على وجهه أدنى أمارةِ عبوس.
"أنى لمثلي أن يسيء إلى السيد ديون! إني لفي غاية الأسف! اقطعوا رأس ذلك البستاني ها هنا وفي الحال...!"
"رأـ... رأسه؟"
أي منطقٍ هذا الذي يجعله يسعى لقطع رأس "هيين" بعد قوله إن الخطأ خطؤه...؟
أظن أن أمراً مماثلاً قد وقع من قبل، أم تراه مجرد أضغاثِ مزاج؟
وكأن تلك الزفرة التي أفلتت مني رغماً عني من فرط العبث كانت بمثابة إشارة، سارع "جيسيتل" بإطباق فمه. استشعر "ديون" جلياً ذاك الانتباه المسلط على عينيه القلقتين، فقطب حاجبيه وفتح فمه قائلاً.
{م.م: أضغاث: أخلاط من الرؤى لا يصح تأويلها}
"حسناً، كف عن إثارة هذه الجلبة الآن وادخل. أما فيما يخص سبب استدعائي لك... فسأخبرك به على انفرادٍ لاحقاً."
لم آتِ على ذكر "هيين" المحطم ولا كشطه لتحويله إلى فتات. سواء أكنت تدعم "هيين" أم لا، فإن حدة غضب "جيسيتل" ستنصبُّ عليه منذ لحظة ذكره.
وكما كان متوقعاً، فإن "جيسيتل" الذي تركز كل لُبّه على ضيق "ديون هارت"، انحنى وتقهقر مسرعاً. نظر "ديون" إلى قفا الرجل وهو يتوارى في لحظة، ثم أدار رأسه نحو تلك النظرة الواخزة التي شعر بها من جانبه.
كان "هيين" يرنو إلينا بعينين تلمعان بشكل مفرط. "شكراً لك، يا ديون...!"
"...."
انكمش جسدي بطبيعة الحال من ثقل هذا العبء. وبالطبع، لم يظهر ذلك على محياي.
تظاهرتُ بغير ذلك، ونظرتُ إلى الأفق البعيد وأجبته وئيداً.
{م.م: وئيداً: بتمهل وبطء}
"ليس الأمر كذلك. إنما فعلتُ ذلك لرغبتي في تجنب الجلبة، فلا حاجة للشكر..."
"ولكن شكراً لك!"
"...."
حسناً، لعل من الأفضل تغيير مجرى الحديث.
حالة "هيين" لا تبدو على ما يرام، كأنه صادف خطباً مريراً. أكان يحاول التقاطي من السقوط وهو على هذه الحال...؟
تفرستُ في جرحه بعينين يملؤهما التعقيد، ثم تلاقت أعيننا. يبدو أنه لا داعي للسؤال، لكن الأفضل التثبت أولاً، تحسباً لأي طارئ.
"أتدركُ لمَ يتصرف 'جايسيتل' على هذا النحو؟"
"حسناً... لقد رأيتُ 'إنكوبوس' (شيطان كابوس) في طريقي وقد أزعجني..."
"...آه، حسناً. هذا يكفي."
لا حاجة لسماع المزيد.
أومأ بيده نحو القلعة. "اتبعني."
بشكل ما، يمكن القول إن جراحه سببتها دعوتي لـ "جيسيتل". يجب عليّ مداواة الجروح التي يبدو أنني كنتُ علتها.
كان بإمكاني إيذاء نفسي هنا واستدعاء "بن"، لكن لو فعلتُ ذلك، لتعين على هذا الفتى تحمل كل التبعات.
حينها سأكون أكثر انزعاجاً. وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فهو صداع من نواحٍ عديدة، لكن الأشد إزعاجاً هي التفاصيل.
لذا، وبالرغم من المشقة، سلك "ديون" بنفسه الطريق إلى الغرفة التي ينزل بها "بن".
كان طبيبي يلحظ دوماً أن خطباً ما قد وقع، فيهرع إليّ كالريح المرسلة قبل أن أضطر لزيارته أو استدعائه. ولهذا، لم يعتد "ديون" الذهاب إلى غرفة "بن"، لذا بدت هذه الزيارة بمثابة صدمة كبيرة من وجهة نظر "بن".
ما إن أدرك أن الزائر هو "ديون هارت"، حتى انفجر رد فعل عنيف.
لماذا أتيت إلى هنا؟ هل أُصبت؟ هل وقعت تحت نير وسم يمنعك من الإصابة بحجر سحري؟ وما إلى ذلك.
فقط بعد التأكيد مراراً على أنه بخير وإبلاغ الآخرين أنه جاء لطلب العلاج، تمكن "ديون" من الإفلات من نظرات "بن" المتفحصة ولمساته اللحوحة.
{م.م: نير: قيد أو عبء ثقيل}
"أنا... أنا طبيب ديون الخاص..."
"...."
"بالنسبة لبستاني كهذا، يكفي الذهاب إلى أي طبيب آخر في القلعة..."
"...."
"هذا أيضاً لعدم وجود أطباء آخرين. كلا، إن طبيب ملك الشياطين السابق وطبيب قائد الفيلق الصِفري الحالي يجلس ليعالج بستانياً من 'الإنكوبوس' والمريض ماثل أمامه..."
عوضاً عن ذلك، تلى ذلك عويل يشبه التذمر.
ومع ذلك، من حسن الحظ أن العلاج يجري على قدم وساق وبذمة مهنية عالية.
وفي الوقت نفسه، فإن "هيين"، الذي بدا الأكثر حرجاً، غلبه التأثر بشكل مفاجئ ولم يلقِ بالاً لـ "بن" على الإطلاق، فلنعتبر هذا أمراً جيداً.
"السيد ديون... يتنازل عن طبيبه الخاص لأجل شخص مثلي..."
"..."
حسناً، لا أظن أن هذا أمر جيد. ارتفع حاجبا "بن".
نعم، إنهم يحاولون كتم تذمرهم ومعالجتي، لكن إن لم يكترثوا لأمري، فسينتابني شعور سيء.
"هيين"... أرجوك انتبه. لماذا يتعين عليّ، وأنا لستُ بمصاب، أن أصغي لتذمر طبيبي؟
"...لماذا لا تنفكُّ هذه الضمادة؟! لا شيء يجدي نفعاً!"
نزع "بن" الضمادة ولفها فوق الجرح المداوى بالدواء. ورغم أن ضغطه بقوة بيديه قد يكون مؤلماً، إلا أن "هيين" أبقى نظره ثابتاً هنا دون أن ينبس حتى بآنّة وجع واحدة.
شعر "ديون" أن عينيه اللتين لا تزالان تلمعان بالتأثر تشكلان عبئاً كبيراً، فأمال رأسه قليلاً.
"...هل يكتمل العلاج بمجرد لفها؟"
"نعم، هذا صحيح. وبالمناسبة، لإصابات بهذا الحجم، كان يكفي أخذك إلى أي طبيب عام آخر في القلعة، فلمَ أتيت به إليّ؟"
لأنني لا أعرف أين يوجد المداوون العاديون الآخرون.
لو أجبتُ بذلك... فسينظرون إليّ كأني مأفون. فتح "ديون" فمه بهدوء.
{م.م: مأفون: ناقص العقل أو أحمق}
"عندما أفكر في 'العلاج'، لا يتبادر إلى ذهني سواك. يبدو أنه ليس لدي طبيب أثق به غيرك."
"...أتظن أنني سأهتبل ذلك لمجرد أنك قلته؟" إذاً لماذا تخرج الحلوى...؟
"أنا ممتن لتقديرك لمهارتي، لكنني طبيب ديون. لا أريد أن أغفل عن إصابة المريض الأهم بينما أتفحص مرضى آخرين."
{م.م: أهتبل: أغتنم أو أفرح بالشيء}
"أنت تضع الحلوى في يدي الآن..."
"سمعتُ أن ملك الشياطين قد حظر على ديون التدخين. لابد أنه يشعر بالضجر مراراً."
"...."
"في هذه الحالة، يمكنك أكل هذه."
بسطتُ يديّ. رأيتُ حلوى في غلاف مألوف. صارت تعابير "ديون" غامضة.
هذا... يشبه غلاف الحلوى الذي كانت الكلاب الهوجاء تستخدمه لسلب المخدرات وإعطائه إياه بدلاً منها...؟
كلا، ليس مشابهاً، بل هو ذاته تماماً.
...أيها الوغد...؟
"سمعتُ أنك ستخوض غمار الحرب بنفسك."
قبل أن أفتح فمي بشأن الحلوى، بدا أن "بن" قد غض بصره وغير مسار الحديث. طفل نبيه.
"ستذهب إلى عالم البشر شخصياً."
"...هذا صحيح."
"بالطبع سأرافقك، ولكن هل ستأخذ 'إيد' معك؟"
لماذا تقحم نفسك كأن الأمر مفروغ منه؟
بالطبع، هذا صحيح لأنه طبيبي... لكني لم أعد أُصاب كثيراً، وحتى إن أُصبت، فإني أشفى سريعاً. أظن أن الأمر ليس ضرورياً...
أكثر من أي شيء آخر، أعلم أن أمراً بحظر المخدرات قد صُدر، لكني منزعج بالفعل من التقريع الذي سيعقب ذلك إذا استخدمت المخدرات أمامه.
لهذا حاولتُ القول بأنني سأتركه خلفي، لكنه بدا وكأنه قرأ تعابير وجهي قبل أوانها وتحدث بحزم.
{م.م: التقريع: اللوم الشديد والعنيف}
"لن يترك عاقل طبيبه خلفه عند الذهاب إلى ساحة الوغى. أي ذي لُبٍّ قد يفعل أمراً مثيراً للإحباط كهذا؟"
أظن أنني كنتُ أحاول فقط وصفك بالجهل.
على أي حال، لم يكن لدي ما أقوله فصممتُ برهة. بما أنه قال ذلك، يتعين عليّ حتماً اصطحاب "بن" معي.
كان الإدراك سريعاً. أعرب "ديون" عن موافقته على كلمات "بن" بصمت قصير وأجاب على السؤال السابق.
"...سأترك 'إيد' خلفي. أحتاج إلى شيطان يقود الفيلق الصِفري في حال حدوث طارئ."
"ألن تصطحب الفيلق الصِفري معك...؟"
"هذه المرة، بدلاً من الفيلق الصِفري، سآخذ الكلاب الـ... الفرسان الأشراف العظماء."
"آه، أولئك الـ... تقصد الفرسان البشر."
"... ."
حتى لو كنتُ أنا كذلك، فلمَ تضع صفة "المجانين" أمامهم...؟
وضع "ديون" يده على جبهته حين رأى حتى "هيين"، الذي كان يصغي بعينين لامعتين بجانبه، يتمتم بـ "آه، أولئك المجانين...". ماذا عسى هؤلاء الأوغاد أن يفعلوا ليُعرفوا بالمجانين هنا أيضاً؟ هذا عالم الشياطين. وليس حتى عالم البشر.
"حسناً، من الجيد أنك ستأخذني معك. لقد تم علاج البستاني بنجاح."
"أوه، أحسنت صنعاً."
"لم يكن الأمر عسيراً. سمعتُ أنه لا يوجد مداوٍ جدير بالثقة مثلي، لذا بالطبع عليّ القيام بذلك."
أظن أن تلك الكلمات قد راقت له حقاً. "هل تحتاج مزيداً من الحلوى؟"
"...هذا يكفي. سأمضي الآن."
لم يكن هناك من سبب للبقاء هنا أكثر. استدار "ديون" على الفور. وتبعني "هيين" الذي كان يراقب.
"...."
"...."
...استمر في تتبع أثري.
توقفت الخطوات التي كانت تجتاز الرواق بالفعل أمام باب غرفتي. إلى متى ستظل تطاردني؟
استدار "ديون" بدلاً من فتح الباب، متسائلاً عما إذا كان سيقتحم الغرفة خلفه. واجهني وجه مفعم باللطف، وكأنه كان ينتظر.
"...لمَ تتبعني؟"
"أوه، ذاك..."
ظهر التردد على وجهه المشرق وانحبست كلماته. استمر الصوت وئيداً، كأنه على وشك التوقف.
"لقد قلتَ إنك ذاهب للحرب... في عالم البشر بنفسك."
"نعم. وماذا في ذلك؟"
"لذا..."
تردد "هيين"، غارقاً في أفكاره. وبينما كان "ديون" على وشك الحديث ثانيةً من فرط الإحباط، سبقه الفتى بالقول.
"هل لي ببرهة لأنظر في النبتة التي أهديتك إياها المرة الماضية؟"
"...ماذا؟"
"آه... لقد كان ذلك وقاحةً مني كما هو متوقع. أنا آسف..."
"كلا، ليس للأمر علاقة بذلك حقاً... ما علاقة ذهابي للحرب باهتمامك بالنبات؟"
الأمر ليس كأنه سيستردها، سينظر إليها فقط لبرهة، فلا سبب للرفض. كنتُ فقط مرتبكاً قليلاً لأنني لم أفهم الرابط بين الأمرين.
"لن أتمكن من التواصل مع السيد ديون كثيراً من الآن فصاعداً، لذا أود إعطاء النبات بعض المكملات الغذائية مسبقاً."
"آه... حسناً إذاً. تفضل بالدخول." فتحتُ الباب.
لمح "دان"، الذي كان يحييني في الغرفة، "هيين" وهو يدخل خلفه فرمقه بنظرة حائرة. هز "ديون" منكبيه بخفة ونادى على الوحش بإيماءة من يده.
"هيا."
"سوك!"
على الفور، التفّت سيقان خضراء حول خصري وتدلت.
نزع "ديون" أصيص الزهور الذي كان متشبثاً به كأنه اعتاد الأمر، وناوله لـ "هيين" في الحال.
"هاك، انظر إليها."
"أوه..."
"...؟"
...ماذا؟ بدا وكأن "كي سي" سيعطي المكملات الغذائية فوراً.
أزاغ "هيين" بصره وتجنب النظر في تلك الملامح الحائرة. خرج صوت يشبه الهمس في شكل تمتمة.
"لأنني لم أحضر أي مكملات غذائية."
"...."
"كنتُ سأطلب الإذن أولاً ثم أحضرها..."
"...حسناً إذاً، سأنتظرك، فاحضرها."
"أوه، هل يمكنني استعارة النبتة ذاتها؟ سأعطيها بعض المكملات وأعيدها في الحال."
"يوك؟"
صرخ الوحش.
نظر "ديون" شزراً إلى النبتة. "...أنا متأكد أن ذلك سيكون أفضل. خذها."
"يوك؟!"
"شكراً لك."
"سويت؟!"
تم الأمر دون إيلاء أي اهتمام لتلك الصرخات الغريبة من النبتة العجيبة.
انحنى "هيين"، الذي تسلم الأصيص، ومضى مبتعداً. سُمعت صرخة مثيرة للشفقة، "بوااااااااااا...!"، لكن لم يلتفت إليها أحد.
ما إن أُغلق الباب وانقطع الصوت، حتى ألقى "ديون" بنفسه على السرير. يتعين عليّ الذهاب إلى الكلاب المجنونة، لكني مستلقٍ بوهنٍ ووجهي منغمس في الوسادة ولا أريد حراكاً.
'حتى لو تجاوزتُ كل شيء آخر، لا يزال يتعين عليّ إخبارك بالتأهب للحرب...'
إنه أمر مزعج. أنا متعب.
فرقعتُ أصابعي فقط كي لا يغلبني النعاس، ثم أدرتُ رأسي بصعوبة ونظرتُ باتجاه المذبح. لم يكن الوجه مرئياً لأنه كان فوق مستوى الرؤية، لكن كان يكفي التأكد من وجوده هناك.
"فقط. اذهب إلى الكلاب المجنونة وأخبرهم بالتأهب للقتال. ولا تنسَ تناول المخدر."
"نعم."
"و... إن أمكن، استطلع الخَطْب الذي وقع لهم هنا."
توقف الجسد الذي كان يتحرك لتنفيذ الأمر فجأة.
"...هل تحتاج حقاً لمعرفة ذلك؟"
"...الآن وقد فكرتُ في الأمر، لعل من الأفضل ألا أعرف."
ما كان لهم أن يعيثوا فساداً لدرجة أن يلحقوا بي ضرراً، ولو كانوا قد تسببوا في كل هذا الدمار، لكان "دان" قد أبلغ عن ذلك منذ أمد بعيد. هناك مقولة في هذا العالم مفادها أن الجهل نعيم.
ورغم سؤاله عما إذا كان يحتاج حقاً للمعرفة، شعر "ديون" بألم في معدته، فأقنع نفسه وغمس وجهه في الوسادة مرة أخرى.