راحت خطىً مثقلةٌ بحدة الضجر والغيظ تطوفُ أرجاء القصر بلا هدى. كان "تروفر" يجوبُ المكان عاقداً حاجبيه، وكأن لظى عراكه الحامي مع "أوريل" لم يخبُ سعيره بعد.
"إن استمرت الحالُ هكذا، فلعلي أفرغُ جمرة غيظي في غير موضعها. إن قائد الفيلق التاسع جاهلٌ جلف، لكنه ليس بالأحمق أبداً".
ولم يكن بلوغه رتبة قائد فيلق من فراغ؛ إذ كان أبصرَ بنفسه مما يُظن، فآثر المضي في "تسكعه" ذاك حتى تسكن ثورته.
{م.م: لظى: لهب النار. سكنت ثورته: هدأت نفسه.}
وبعد هنيهة من السير خبط عشواء، يركض الأرض برجليه تعبيراً عن ضيقه، وقعت عيناه على "شيطان" مألوف، فتسمر في مكانه دون وعي.
"... ديرنيفان؟"
داخله ريبٌ منذ التقى "أويل" قبل قليل، والآن استبان له الخبر.
في العادة، لا بد من وازعٍ يكف القتال قبل أن يتقدم ذلك الفتى. فما بال هذا الذي لا يفارق ظلها أبداً يقبع في مكانٍ قاصٍ كهذا؟
{م.م: قاصٍ: بعيد. الكلمة مرتبطة بكلمة الأقصى، فيُقال: جاء من أقصى البِقاع.}
كان ذلك وحده كافياً للريبة، لكن غريزته أنبأته بأن الخطب ليس يسيراً؛ فاستتر "تروفر" سريعاً قبل أن تلحقه نظرات "ديرنيفان"، وقطب جبينه.
"لسنا في ساحة وغى، ومع ذلك فهو يتحفز على غير عادته... أثمة سرٌ يواريه؟"
{م.م: الوغى: الحرب.}
لم يختلف سَمْت "ديرنيفان" ولا مشيته، لكن "تروفر" كان خبيراً به من كثرة المران.
الأذنان منتصبتان، والعينان حادتان تلتفتان بحذر. إنه، بلا ريب، يترصد ما حوله.
وكأنما استشعر "ديرنيفان" عيناً ترقبه، فالتفت برأسه. جفل "تروفر" وأخفى أثره بحرصٍ أشد.
"...."
"...."
ساد توترٌ يحبس الأنفاس.
عيونٌ ضارية تمسح الموضع الذي استتر فيه "تروفر".
"خشيتُ أن يكون من أرومة الذئاب، فإني أحس فيه غريزة الحيوان". ابتلع "تروفر" ريقه بصمت، فقد صار الموقف أشد وطأة مما يكون في ساحات النزال.
{م.م: أَرُومَة، معناها جذر. ولكن في هذا السياق معناها نسب، أو أصل، أو سلالة.}
ولا يدري كم انقضى من الوقت؛ ربما كان يسيراً، لكنه مر عليه كأنه دهرٌ سرمدي، حتى شاح "ديرنيفان" بنظره أخيراً وهمس بصوت خفيض:
"... أهو خيال؟"
"...."
{م.م: دهر سرمدي: زمن لا ينقطع.}
ربما قضى حاجته ومضى دونما تردد.
لم يجرؤ "تروفر" على الحراك إلا بعد زمن طويل من تواري "ديرنيفان"، خشية أن تدركه حواس ذلك "الحيوان" مرة أخرى.
"أهنا المكان؟"
أمال رأسه وهو يقف أمام مستودع مهجور، خمن أن "ديرنيفان" خرج منه.
"ما أَرْبُكَ بهذا المستودع...؟"
هل نقلت "أويل" عن عمدٍ المخازن إلى هنا؟
... لست واثقاً، لكني سمعت أن موضع المخازن الجديد بات قريباً من ميدان تدريب الفيلق الخامس.
حتى إنهم سيروا رجالاً من الفيلق الخامس للحراسة. إذن، ليس مخزناً عادياً.
"أم تراه... مستودعاً أعده ديرنيفان لنفسه؟"
... "فوها".
انطلقت منه ضحكة ساخرة: "هذا والله هراء".
هكذا فكرت، لكن الأمر لا يستقيم في عقل.
{م.م: أَرْبُكَ: حاجتك.}
أيعقل أن يملك ذلك الجلف شيئاً نفيساً يضطره لإخفائه في مستودع سري؟ لَظهور قمرين في السماء أهونُ تصديقاً من هذا.
{م.م: الجلف هو الإنسان الخشن في تعامله، الذي يفتقد للمرونة واللطافة، وكأن في أخلاقه "قشرة" يابسة تمنع ظهور اللين.}
إنه كالجثة الهامدة التي لا تتحرك إلا بأمر سادتها. لعل الفرضية الأقرب هي "أمر سري" من "أوريل". على أية حال... نفض كتفيه بخفة.
"سأعرف كل شيء بمجرد الولوج".
ولأنه كان مستودعاً مهجوراً، بدا القفل محطماً.
قبضتُ على المقبض وأدرته. انفتح الباب فاستقبلني مشهدٌ داخلي يناقض تماماً مظهره الرث من الخارج.
كان المكان مؤثثاً بنعومة ودلال لا يليقان بمستودع، ولا حتى "بشيطان" يسكن قلعة ملك الشياطين. كان ذلك وحده صادماً، لكن "تروفر" ذُهل حين رأى "كائناً" في المنتصف يداعب دمية ويميل برأسه نحوه.
"... هي؟"
ـــــــــــــــــــــــــ
"ديون، أأنت واثق من ذهابك وحدك...؟"
سأل "إيد" بحذر، والقلق بادٍ عليه وهو يقود الخيل الشيطاني ويسلمه الرسن.
"كما توقعت، أحتاج لإرسال شيطان واحد على الأقل ليعينني..."
"ألم تقل أنك ستؤوب سريعاً؟ لا بأس، أنا كافٍ وحدي".
{م.م: الرسن: ما يوضع في رأس الدابة لتقاد به. تَؤُول: تعود.}
دعهم يتبعونك، وماذا تراهم يخبرونك؟
أما عن الشياطين الذين رأيتهم، فمن يتبعك منهم كأنما وهبك عمره. ورغم قلقه، سيتدخل في شؤونك. لاسيما إن أَتَيْتَ فِعْلاً يخالف حظر ملك الشياطين، فسيبذل وسعه لصدك.
وبما أن "ديون" قصد المدينة الأولى لينقض الحظر أصلاً، كان الذهاب وحيداً أيسر له.
انتزع الرسن من يد "إيد" المترددة: "سأعود إذن".
"... رافقتك السلامة".
رد عليه بوداعٍ يملؤه التوجس.
ارتقى "ديون" صهوة الجواد الأسود بحركة اعتادها، رمق "إيد" بنظرة، ثم وجه وجهه شطر الأمام ونخز خاصرة الجواد.
انطلق الجواد خارجاً من قلعة ملك الشياطين.
{م.م: شطر: تجاه. نخز: طعن خفيف للحث على الحركة.}
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
رغم قلتها عما سلف، لا تزال الوحوش كثيرة والطرائد شحيحة.
إنهم قومٌ لا يأكلون للبقاء، بل غايتهم ومبتغاهم "النهم"؛ ولدوا "ناقصين" فاستحال توقهم لما لا يملكون إلى "مخمصة" دائمة.
{م.م: الطرائد: ما يُصطاد. المخمصة: الجوع الشديد.}
لذا، ورغم ما عاينه الشياطين عن قوة من يسير وحيداً، يبدو أنهم نسوا كل شيء واستهدفوا "ديون".
"كثرٌ هم الذين يبتغون أكلي".
ابتسم "ديون" بتمهل.
"لو لم يقطعوا دربي، لكنت تجاهلتهم ومضيت".
في هذه اللحظة، إن هددتهم مرة واحدة، سيتراجع هؤلاء المخلصون لغرائزهم. سيكفي أن يغلب الخوفُ الجوع، كما حدث ذات مرة.
بيد أن ما استجد الآن هو "أسلوب القتال".
توقفتُ هنيهة وترجلت عن جوادي. تردد الجواد وحاول الفرار، لكني لم أفلت الرسن، بل واجهته بعيني.
"ابقَ هنا".
"...."
امتلأت العينان الحمراوان بوعيد القتل.
إن هربتَ، هلكتَ. تجمد الجواد الذي استشعر الخطر غريزياً كأنه سُمِّر في مكانه.
سحج "ديون" قفاه برضا، ثم ابتعد بضع خطوات ووثب في مكانه.
{م.م: سحج: مسح عليه.}
"... أيضاً".
الجسد خفيف.
عادت الوحوش كالأمواج هذه المرة، لكن بخلاف ما سبق، لم يشعر بأي خطر. نظر إلى قدميه، ثم رفع رأسه وابتسم بملء فيه.
مهما فكرت في الأمر... "لا أظنني سأهلك".
على ذكر ذلك، ألم تكن تلك آخر واقعة بين الإمبراطور السابق "إدوارد ديزرت" والجنرال "نيميسيوس"؟ يبدو أن المعركة في عاصمة الإمبراطورية السابقة كانت أولى وآخر ملاحمه كمحارب.
لذا، لن يضيرني أن أغتنم هذه السانحة لأروض جسدي وأرى مداه.
"كييييي!"
اقترب صياحهم.
أول من وصل كان وحشاً يشبه الشياطين البشرية، وإن كان جسيماً جداً.
بسط يده كأنه يهم باختطاف "ديون". وبخلاف الماضي حين كان يراوغ بجسده سريعاً، حدق فيه "ديون" بهدوء كأنه يرقبه بدلاً من تفاديه. تلاقت عيناه بعين الوحش.
تلك اللحظة التي ظهرت فيها الثقة والظفر في عيني الوحش، وهو يسخر من طريدته الحمقاء التي لم تحرك ساكناً.
"كيه؟!"
اختفى أثر "ديون". حاول الوحش المرتبك الالتفات بحثاً عن فريسته التي تبخرت... لكن رأسه لم يتحرك.
حين أدرك ذلك، كان شقه العلوي قد انحنى للخلف.
"ديون"، الذي كان متشبثاً بظهر الوحش ضاغطاً على ذقنه وهامته، ابتسم ولوى الرأس الذي لا يزال يقبض عليه. وبصوت "طقطقة" العظام، انثنى رأس الوحش تسعين درجة.
كانت لحظة خاطفة حتى وطأ فخذ الخصم، وقفز، ودار بجسده في الهواء، ثم استقر خلف ظهره وقبض على رأسه.
"... هذا هو الأسوأ".
هذا ما يعنيه أن تكون محارباً. خرجت منه تنهيدة خفيفة.
"يبدو أن جسدي صار أشد ليونة".
والمرونة أيضاً تحسنت.
أخيراً، "ديون" الذي كاد يسقط عن ظهره، انحنى وهبط على الأرض كأنه يتدحرج، ثم دفع نفسه عن الأرض ومضى. ووقعت قدم وحش آخر حيث كان يقف.
رميت الخنجر الذي أحمله في حزامي فأصاب ما بين عيني الوحش، ثم توقفت برهة وقبضت كفي وبسطته.
"لم أحلم يوماً بأن أدفع الأرض بذراعي لأبتعد عن مكاني قبل الآن".
لو كان هذا قبل أن أصبح محارباً، لتمزقت أوتار ذراعي؛ بين كسر أو خلع. لكن الآن، أشعر بالانتعاش وأنا أقاتل بحرية، بعد أن كان القتال كالمشي على حبل مشدود فوق هاوية سحيقة، أصارع فقط للبقاء.
رفعت رأسي. زاوية فمه التي ظن أنها انخفضت، ارتفعت مرة أخرى دون وعي منه، لكنه لم يبالِ وعبث بالخنجر في خصره قبل أن يسحب يده سريعاً.
"أود لو أتمهل، لكن للأسف، عطلتي يومٌ واحد".
كانت العيون المكشوفة تشع حمرةً قانية، مفعمة بالجنون والحبور.
"لكني سأنازلكم بأيدٍ عارية، فهلموا يا رفاق. لننهِ هذا سريعاً".
{م.م: الحبور: السرور.}
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"أفهم أنكم لا تنوون الزيارة اليوم". ما معنى هذا الطرق؟
شخصٌ يطرق البوابة الخارجية. استشعر حارس بوابة المدينة الأولى ريبة مألوفة، فتصبب عرقاً بارداً وتناول "صندوق الاتصال".
"ثمة من يطرق الباب الآن..."
....
"هيه".
أوه...
هذا الحوار مألوف أيضاً.
وبما أنهم قالوا إن القوات اللاحقة غير مطلوبة، تصاعد قلقي. أنا واثق أن الشخص بالخارج ليس هو نفسه.
على أية حال، يبدو أن الإذن قد مُنح. حركتُ الجهاز سريعاً لأوقف صوت الطرق الذي ازداد شدة.
تماماً كالمرة السابقة، انفتح الباب قليلاً ودلف أحدهم. لحسن الحظ، لم يكن ذا شعر أصفر وعينين زرقاوين، بل كان بشعر أحمر، وعينين حمراوين، وجلد مبقع بالحمرة.
"...؟"
للحظة، فاحت رائحة الدم. رائحة نفاذة جداً...
"أيعقل أن كل هذا... دم؟"
كم هو لونه الأصلي وكم هو الدم؟ ضيق الحارس عينيه ليجد الحد فاصل بينهما، لكنه سرعان ما اكتشف أمراً آخر فجفل.
لا يوجد "أثر سحري..."
حتى لو فركت عيني ونظرت ثانية، لن أجده.
اختراق حشود الوحوش والوصول إلى هنا يعني أنه يملك قوة كافية، لكن بخلاف الملازم الأخير، لا أشعر بذرّة من القوة السحرية. لو كنت شيطاناً، لبان أثر القوة التي يتكون منها جسدك.
هذا يعني... "بشري...؟"
رمش الحارس بذهول أمام حقيقة لا يستوعبها عقله.
... الآن وقد فكرت في الأمر، فإن قائد الفيلق "الصفري" الذي زارنا سابقاً كان بشرياً أيضاً. زادت مكانته بقتل إمبراطور الإمبراطورية السابق وحصر عالم البشر في الزاوية، لذا صارت صفاته معروفة للعيان.
قيل إن شعره أبيض وعيناه حمراوان، لذا فإن الشخص الذي أمامي هو...
"...."
التقت نظرته بعينين حمراوين ساطعتين. "عينان حمراوان..."
"؟"
... مستحيل.
مهما بلغت كمية الدماء، لا يمكن لشعرك أن يصبغ بهذا القدر...
"... أأنت... قائد الفيلق الصفري...؟"
"هذا صحيح".
"آه..."
"...؟"
أمال "ديون" رأسه كأنما استغرب ذهول الحارس بعد سؤاله. حينها فقط استجمع الحارس شتات نفسه وفتح فاه باتزان.
"... عذراً. إنها زيارة على غير موعد، لذا التجهيزات لم تكتمل. هلا انتظرت لحظة؟ سأنهي الأمر بأسرع ما يمكن".
"لا حاجة لذلك..."
التفتُّ سريعاً والتقطت صندوق الاتصال بهدوء.
"هيه، هذه حالة طوارئ، أخبر المدير فوراً أن قائد الفيلق الصفري قد وصل".
... ماذا؟
"قائد الفيلق الصفري. أشعر أن منيتي قد دنت لمجرد وجودك هنا، فأخبرني بسرعة...!"
وضعت يدٌ على كتفي. الحارس، الذي أدرك غريزياً صاحب اليد، انحبس نفسه للحظة. أجبر رأسه "المتصلب" على الالتفات. كانت رائحة الدم تعبق في الأجواء والدم يسيل. رأيت يداً مخضبة.
تجمدتُ وأنا أنظر إليه، وكأنه لاحظ ذلك، فسقطت يدي. تركت بصمة حمراء على كتفي، لكن لم يكن الوقت مناسباً للقلق بشأنها.
"ماذا دهاك..."
"لا أعلم. أغلقها؟"
{م.م: منيتي: موتي. مخضبة: ملطخة بالدم.}
"آه...!"
كنت مصدوماً لدرجة أني تركت باب القلعة مشرعاً.
أسرعت بتشغيل الجهاز وأغلقت الباب. خُيل إلي أني رأيت بعض أشلاء اللحم الحمراء تتناثر بالخارج عبر فجوة الباب، لكني تظاهرت بعدم الرؤية. "ليته كان خيالاً، رجاءً".
"و..."
"نعم! تفضل!"
"... لا داعي لهذا التوتر".
"كلا!"
صمت "ديون هارت" برهة.
"... أخبره ألا يقلق بشأن ذلك لأنه سيرحل بعد قليل على أية حال. إنها عطلة شخصية، وليست مهمة".
"نعم؟ ولكن..."
"إن استمررت في إزعاجي لمجرد أنك تريد خدمتي، فقد أسوءُ نفساً..."
"سأخبره على الفور! طابت عطلتك!"
"حسناً، أترك الباقي لك".
"أجل! سأعتني بالأمر عناية خاصة!"
رد "ديون هارت" بإيماءة جلفة من يده ودخل. الحارس، الذي ظل واقفاً بتصلب حتى توارى عن الأنظار، تعثرت قدماه كأن قواه قد خارت وأسند ظهره إلى الجدار.
{م.م: جلفة: خشنة.}
"ظننت أني سأهلك..."
هل رأسي لا يزال في مكانه؟ رفعت يدي المرتجفة وتحسست عنقي. لحسن الحظ، شعرت بملمس سليم، وكأنها ملتصقة جيداً دون خدش.
بعد التأكد من سلامة عنقي، انتابني شعور بالحنق.
"أليست العطلة عادةً للذهاب إلى المدينة الرابعة؟"
لا أدري لمَ يأتي هؤلاء الذين يبدون بعيدين كل البعد عن الترفيه، بما في ذلك الملازم من المرة السابقة، إلى هنا.
أنا خائف جداً من العمل عند الباب. ظل الحارس يتحسس عنقه لفترة، مفكراً في تقديم استقالته بعد انتهاء العمل.
لم يستطع "ديون" التجول وهو مضرج بالدماء، فابتاع ثياباً لائقة من متجر قريب، ودخل نزلاً استأجر فيه حماماً. وبما أنه كان يسير مخلفاً وراءه بقع الدماء، فقد أعد نفسه لبعض الاحتكاك، لكن صاحب المتجر (الذي كان هو نفسه صاحب النزل) كان يرتعد ويقدم أفضل الخدمات. "ديون"، الذي كان مرتبكاً قليلاً، أدرك الأمر ومضى ببرود. لقد مضى وقت طويل منذ أن تضرج بالدماء هكذا، فشعر بمشاعر غريبة. بعد الاغتسال، خرج ثانية، مشى بضع خطوات، ثم توقف والتفت.
{م.م: مضرج: ملطخ.}
رمقت عيناه الحمراوان موضعاً بعينه.
"أشعر بالنظرات، لكنها ليست عدائية..." بل تبدو حذرة...
"هممم"، خرج صوت غير مستحب بخفوت.
"أظنني عرفت من يكون".
ثمة تحذير، لذا لا يمكنهم الاقتراب، لعلهم يحاولون التحقق من بعيد عما إذا كان يحتاج شيئاً. أعرف ما يدور بخلدي، لكن الشعور بالمراقبة ليس جيداً. أشرتُ بيدي نحو الموضع بدقة. ترددوا، وكأن الأمر يتعارض مع الأوامر العليا. اختفوا واحداً تلو الآخر، وبقي شخص واحد فقط. حول "ديون" نظره نحو صاحب تلك النظرة الأخيرة.
ذلك الشخص، الذي كان يتململ حرجاً، حاول التراجع حتى قبل أن يشير إليه "ديون هارت".
"تركتُ واحداً عن قصد، فسيكون الأمر صعباً لو اختفى هو الآخر".
سارعت بتقليص المسافة وقبضت عليه.
وكأنه لم يتوقع إمساكي به، نظر إليّ الشيطان المذعور وسأل بحذر:
"هل تحتاج شيئاً...؟"
"أبحث عن دار القمار التي قصدتها المرة السابقة".
"آه...! عذراً، هل يمكن أن تصف لي معالمها؟ ثمة دور قمار كثيرة..."
المعالم...
"كان يمكنني رؤية القمر والطريق من النافذة".
"...."
"آه، وكان هناك الكثير من الشياطين أيضاً. رأيتهم".
"أوه..."
ابتلع الشيطان ريقه: "يصعب الاستدلال على المكان من هذا الوصف وحده".