أوه، أرى ذلك.
فتش "ديون" في سراديب ذاكرته باحثاً عن شرح جليّ، ثم لمس طرف فمه ووصف سمات البناء.
"إنه صرحٌ ذو طابقين... أذكر أن الدور الأول كان للمَيْسَر، والثاني كان حانة".
"أوه، أظنني علمت الموضع الذي تعنيه. اتبعني من فضلك".
على الفور، تصدرت الشياطين الركب.
لم يمضِ وقت طويل حتى وصلوا، فقد كان الموضع أدنى مما هو متوقع.
"أهذا هو الصرح؟"
أمام المبنى الذي بلغه الجمع، التفت الشيطان يرمق "ديون".
"نعم، هو ذاك. أحسنت صنعاً".
"أجل، سأغادر أنا أيضاً إذن".
"حسناً، وداعاً".
إنه البناء الذي أذكره. وبعد أن مسح "ديون" بعينيه الصرح المألوف، حيا الشيطان الذي أرشده بإيجاز، ثم ولج إلى الداخل.
تجمعت حوله نظرات وهاجة بخفوت، لعلها كانت تترقب زيارة من حامٍ جديد، ثم تجمدت.
"...."
"...."
وكأنهم عرفوه، خيم الصمت في الأرجاء. كان صمتاً واجماً يبعث على الريبة.
«قائد الفيلق الصفري...»
«... أنت ديون هارت، أليس كذلك؟»
«سمعتُ أنه القائد العام، ولكن ما الذي يأتي بمثله، وهو مشغول، إلى هذا المكان...»
لِمَ عاد إلى هنا مجدداً؟ لعل في ذهنه نية لمعاقبة نفسه على ما سلف؟
على الأقل، لم يكن بين الحاضرين آنذاك شيطان يجهله. فذكريات تلك الواقعة كانت أرسخ من أن تُنسى.
كيف ننسى الرجل الذي بث الرعب في جنبات الصرح كله بقتله نفساً واحدة فحسب؟ لقد ظلت تلك الحادثة غائرة في نفوس بعض الشياطين لدرجة أنهم، حتى الآن وبعد دهر طويل، لا يزالون يتجرعونها ككابوس، لذا انشغل الشياطين بتبادل النظرات الوجلة عما إذا كان عليهم الجثو الآن.
ووسط ذلك التوتر المحتد، تحرك "ديون".
رمق الداخل بعينيه القانيتين، ومضى قدماً نحو المكان الذي بدا فيه أنه وجد بغيته. فجأة، تركزت العيون على وجهته. كان هناك "مايل"، الذي ناوله ذات مرة شراباً مخدراً دون وعي.
«لماذا.. لماذا؟»
انكمش "مايل" بوجهٍ بدا وكأنه على وشك الإجهاش بالبكاء.
«حينذاك، أخذتَ المخدرات وانصرفتَ فحسب. ألم تكن تلك النهاية؟»
يقترب "ديون هارت" أكثر. وبحسب زاوية الضياء، ينعكس ظل على الوجه فتبرز العينان الحمراوان المرعبتان أكثر. "مايل"، الذي جَمَد في مكانه ولم يقو حتى على النهوض عن كرسيه لخلو الموضع من أي نجدة، اتبع غريزته وانحنى للخلف قبل أن يزحف خلف الحطام.
أفزعته ضجة أعلى من المتوقع فحاول النهوض مسرعاً، لكن حذاءً استقر أمامه.
وكأنه يحاول التقاء العيون بلين، انحنى "ديون" ببطء على ركبتيه وحاذى نظره. اتخذت عيناه القانيتان شكل هلال، وكأنه يبتسم.
"أهلاً بك، أيها الضعيف. لقد مر وقت طويل، أليس كذلك؟"
"... أجل.. أجل!"
"ثمة أمر أود أن أطلبه منك..."
وبينما أواجهه هكذا، أذكر زمناً غاب. ابتسم "ديون" برفق وردد ذات الكلمات التي قالها آنذاك:
"إن كنت لا تبغي الردى..."
"...."
{م.م: الردى: هو الموت والهلكة.}
"أعطني كل ما لديك من مخدر".
تم تجهيز المخدرات سريعاً بعد وعيد خفيف ثقيل بضرورة صنعها وتقديمها إن لم تكن متوفرة.
نظر "ديون" إلى لفائف السجائر المجهزة بمعزل عن صرة الأدوية، وكأنه يتذكر قوله مازحاً أن المخدر سيكون أفضل إن كان في هيئة سيجارة. ثم رفع رأسه وابتسم لـ "مايل" كمن يثني عليه. وفي الحقيقة، كان "مايل" مرعوباً يزيغ ببصره، ولكن لا يهم.
فتح حقيبة المخدرات واستنشق ريحها بخفة. "...."
ضاق حاجبا "ديون" لدرجة الاختفاء. "افتح النافذة".
"... نعم؟"
"افتح النافذة".
لا يمكنني التحقق بسبب ريح الدماء الزفرة.
الشياطين الذين كانوا يرقبون المشهد بوجل، متظاهرين بغير ذلك، تحركوا خفافاً وفتحوا كل نوافذ الصرح. طرد النسيم العليل الدفء الذي كان بالداخل.
بمواجهة النسيم البارد، وضع "ديون" صرة المخدرات عند أنفه مجدداً.
"إنه مزيج من عقاقير الشلل ومنومات. يبدو أنهم لم يقلعوا عن تلك الحيلة بعد".
"...!"
"حسناً... لا أظن أنهم خلطوها عمداً، وهم الذين أُمروا بتسليم ما تبقى من المخدر، لذا لا أنوي لومهم".
ومع ذلك، وبالنظر للأمر، فإن خلط المخدرات وخزنها ليس بالرأي السديد.
حتى وإن لم يكن للأكل، فذلك حق.
"على أية حال، أحسنت".
"إذن... هل ستنصرف الآن...؟"
"... حسناً".
في الأصل كنت سأغادر، لكن رؤية الأعين التي ترجو رحيلي بشدة جعلتني أرغب في المكوث أكثر.
ارتفع طرف فمه بابتسامة ساخرة.
"بقي لدي بعض الوقت... أود أن ألعب مباراة أو شيئاً من هذا القبيل".
خيم اليأس على وجوه الشياطين في الصرح.
....
ومن المضحك أن اللعبة التي لُعبت لمكايدة الشياطين صارت مقياساً لاختبار حظ المرء.
{م.م: المكايدة: هي المغايظة وإلحاق الضرر بالغير دهاءً.}
نظر "ديون" بصمت إلى البطاقة في يده.
«... حتماً قل حظي عما سلف».
أيعقل أن البطل الذي كان مقدراً له قتل ملك الشياطين وحماية البشرية قد شهر سلاحه ضد عالم الإنس فسلبه البركة؟ حظي ليس كما كان.
الخصم، برؤيته لتعبير "ديون" الذي ليس على ما يرام، رفع الرهان. ضحك "ديون" ووضع البطاقة رداً عليه.
«ومع ذلك، يبدو أنه لم يُسلب بالكلية». (بيت كامل - Full House).
{م.م: "بيت كامل" هو مصطلح في الميسر يدل على يد قوية، بطاقة ممتازة.}
امتقع وجه الخصم بشدة.
بالتفكير في الماضي حين كنت أحصد "الرباعيات" و"السكك المتتابعة" وكأنني أتناول وجبة، بل وأسحب "المسيرة الملكية"، أشعر أن حظي قد خبا يقيناً، لكنها مجرد مقارنة بما مضى، فهو ليس سيئاً حتى الآن.
بأية حال، ولما كان للبطل نية قتل ملك الشياطين ولم يفعل بعد، لم يكن للعالم أن يسمح بموت البطل قبل نيل مأربه. تلك البركة الضئيلة تجلت في صورة حظ.
«بالطبع، لست موقناً أن الحال سيدوم مستقبلاً...»
إذا انهارت بلاد أخرى وقضى خلقٌ كثير، فهل سيتخلى العالم آنذاك عن المحاربين؟ أم سيختارونني، أنا الحالة الخاصة بين جموع المحاربين؟
تبسمتُ وهيبةً ونهضتُ من مكاني. وخلافاً للسابق، لم تكن العملات مكدسة كالجبل، لكن كفي امتلأت بالدنانير الذهبية التي فاضت قليلاً، فوضعتها في الكيس الذي جلبته احتياطاً وأوليت ظهري.
"أنا راحل الآن".
"أجل، أجل! تفضل بالزيارة مجدداً..."
"...."
"مجدداً... عد ثانية..."
تردد الفتى، وكأنه لم يستطع إخراج كلمات العودة حتى ولو كان مجاملاً.
قهقه "ديون" ولوح بيده لأن تعبير وجه الفتى وكأنه حفر قبره بيده كان مضحكاً للغاية.
"آمل ألا أضطر لرؤيتكم ثانية".
"... أجل".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد العودة بسلام إلى قلعة ملك الشياطين، انقضى الوقت وبزغ فجر يوم الحملة.
"ديون"، الذي لم يعد بحاجة لارتداء الرداء لستر جلده، حاول دون تفكير ارتداء ملابس القتال البسيطة والمريحة كما في السابق، لكنه توقف حين رأى الثياب التي قدمها "إيد"، قائلاً إنها حلل القتال الرسمية. ضحكتُ بصوت عالٍ على التصميم المألوف.
أجل، يمكنني تفهم التركيز على الملابس الآن بعد نبذ الرداء الرمزي...
"هذا التصميم... مَن أتى به؟"
"لقد أعده ملك الشياطين".
"هـه".
ذلك الشيطان الحقير يملك حقاً سريرة خبيثة... عند هذه النقطة، ليس الأمر مجرد شر، بل حتى لو نعته بالمنحرف، فلن يبقى ما يقال.
التصميم هو ذاته زي القتال الرسمي للإمبراطورية، لكن اللون مختلف. إنهما متطابقان تماماً، وصولاً إلى القميص القصير قليلاً لتسهيل ارتداء غمد الخنجر واستلاله، والذي سيوضع عبر الظهر. كان الأمر كذلك في المرة الأخيرة، لذا سأستخدمه بنجاح. إذا رأوني في الإمبراطورية، سيزبدون ويرعدون من الغيظ.
"... تباً للأسود".
"... ألا يروق لك اللون الأسود؟"
"لا، ليس الأمر كذلك".
أنا فقط لا أحبه لأنه استخدم كتكتيك من قبل ملك الشياطين لإعلان انتمائه لعالم الشياطين واستفزاز عالم البشر.
وعلى الرغم من إجابتي، أخذت الثياب وشرعت في ارتدائها فوراً لأطمئن "إيد"، الذي كان يرمقني بوجل. مد "دان" يده للمساعدة، لكنه حين رأى "إيد"، تراجع خطوة. لعل ذلك كان مراعاةً لـ "إيد"، الذي لم يستطع الذهاب في الحملة. وسواء علم بهذا أم لا، ركز "إيد" بإخلاص على المساعدة في تبديل الثياب بجانبي.
"بين"، الذي كان يرقب هذا بصمت للحظة، رفع رأسه فجأة ونادى "ديون".
"آه... سيد ديون".
"هاه؟"
"...."
كنت أصغي وقلت له أن يتحدث، لكن الكلمات التالية لم تأتِ. والتفتت نظرة ملؤها الحيرة إلى "بين".
وبدلاً من الحديث مباشرة، تردد، وهو يعبث بقلادة حجر السحر. قلادة ترسل إشارة فوراً إذا اعتلت صحة "ديون هارت".
رأى "ديون" هذا ورفع حاجباً واحداً.
تحدث "بين" ببطء، وكأنه يتدبر كيفية الكلام.
"... سمعتُ أن هناك حظراً".
"...."
"في حالة سيجارة ديون المفضلة، تم ضبطها لتُستبعد لأن الإشارة كانت تأتي بوتيرة متكررة، لذا لا نعلم كم مرة دخنها..."
ليس ديون هارت وحده هنا الآن.
"بين"، الذي بدا وكأنه اختار كلماته مراعاةً لـ "دان" و"إد"، أخذ لحظة ليلتقط أنفاسه وقال شيئاً كان مقتضباً ومهذباً.
"... ومع ذلك، آمل أن تضبط نفسك".
"...."
نظر "ديون" إلى "بين" دون إجابة. ولأنني فهمت بوضوح ما كان يرمي إليه، لم يكن أمامي خيار سوى إطالة النظر.
صدر حظر المخدرات. وفي هذه الأثناء، ذهبتُ إلى المدينة الأولى واستخدمت نوعاً مختلفاً من السجائر، لذا لابد أن القلادة قد أرسلت إشارة.
لقد خرق "ديون هارت" الحظر الذي فرضه ملك الشياطين، ورغم علم "بين" بذلك، إلا أنه أعرب عن نيته عدم الإفصاح عنه. والدليل هو أنه اكتفى برجائي الكف عن ذلك بدلاً من الذهاب فوراً للملك والوشاية بي.
انقطع الصمت برفع "إد" يده عن الثياب التي رتبها للتو.
"لقد تم الأمر".
"... عمل رائع".
متى جهزوا الأسلحة؟ مرر "ديون" يده على سلاحه المجهز والتفت إلى "إد". استطعت رؤية تعبيره يزداد قتامة عن ذي قبل، وكأنه خائب الأمل لأنني لم أصطحبه معي.
«...»
حركتُ شفتي وناديته.
"إد، ثمة مهمة أود منك توليها بينما أنا في عالم البشر".
"نعم؟ ماذا...؟"
"أي معلومات جديدة ترد من عالم الشياطين، يرجى إبلاغي بها. لا أمانع حتى في المعلومات التافهة كعراك قادة الفيالق مع بعضهم".
"...!"
'على الأقل، يجب أن يبقى مصدر معلومات موثوق هنا'.
لقد حسمت الأمر الذي تقرر بالفعل وأعطيته سبباً للبقاء في عالم الشياطين، متذرعاً بأنها مهمة.
مراعاة لجعلك تشعر بالمر أقل. اتسعت عينا "إد" عند الطلب المدروس الذي بدا وكأنه يقول إنني لم أتركك خلفي لأنك عديم النفع، ثم انفجر ضاحكاً.
"شكراً لإخبارنا أنك تثق بنا. سنبذل قصارى جهدنا لنكون عند حسن ظنك".
"... حسناً. إذن، لنذهب الآن. ولكن، خذ "شطرنججك" معك".
... أيقصد الشطرنج ؟
أمال "بين" و"إد" رأسيهما. "ديون"، برؤيته لتعبيري التساؤل لديهما، صحح سوء الفهم.
"ليس الشطرنج، بل شِـ-طْ-ـرَ-نْـ-ـجِـ-ـجْ ".
"...؟"
"لقد سمعتُ أنها لعبة طورتها بنفسك، ولكن... لماذا تأخذها معك إلى ساحة الوغى؟" تعاظم شكي.
ومع ذلك، أدار "ديون" رأسه وكأنه لا ينوي تقديم مزيد من الشرح.
للوهلة الأولى، قد تبدو كأنها لعبة بسيطة مشتقة من الشطرنج، ولكن طالما أنك تعلم أنها مفيدة أيضاً كأداة لوضع الاستراتيجيات، فأنت تأخذها دون نطق حرف.
كنت على وشك المغادرة، لكن شيئاً قد نسيته أمسك بكاحلي.
"سـك".
"...؟"
سيقان خضراء تلتف حول الجسد وتتدلى من المحبق. توقف "ديون" ونظر للأسفل نحو النبتة الوحشية.
"سويت! بيش! بـب! بـب!"
"... لنذهب سوياً؟ ألن تتركني خلفك؟ إن كنت ستنبذني، فالأحرى أن تطأني وتمضي؟"
"تنهيدة!"
"...."