فجأةً، نشب عراك بكرات الثلج في غير أوانه.
أطرق "ديون" ببصره نحو النبتة الوحش، كأنه يمارس عليها سطوةً صامتة، فما كان من النبتة إلا أن شاكسته بنظراتها دون أن يطرف لها جفن. كان هَوَسُه بالزرع شديداً، حتى خُيّل للناظر أنه سيظل رابضاً هكذا طوال يومه. وأخيراً، وبعد نِزالٍ غريب، مدّ يده ووخز تلك النبتة العجيبة.
"سويت!"
توهجت النبتة التي اخترقت لُبَّ أكثر البراعم غضاضة. وهنا، اندفع الساق بضراوة كأنه يهمّ بتوجيه لطمةٍ نكراء. أما "ديون"، الذي كان يذود عن نفسه تلك السيقان المهاجمة بشتى الأنماط، من طعنٍ وضرب، فقد اكتفى بتقليب مقلتيه، رامقاً أولئك الواقفين جانباً. فالتقى بصره بالأشخاص الثلاثة الذين وقفوا بوجوم يراقبون المشهد.
"أنا خارج."
صدر الأمر مخففاً.
أمرٌ لا مبرر للعصيان فيه. فلو ظلت النبتة تناوشه مئة عام، ما استطاعت لـ"ديون" خَدشاً. استدار "بن" ومضى دون نبسةِ بكر.
{م.م: نبسة بكر: أي لم ينطق بكلمة واحدة، والنبسة هي الصوت الخفي.}
كذلك "دان" خرج بحمله، بينما رمق "إد" النبتة بنظرة ازدراء، وانبعثت منه هَمهمةُ سخطٍ مكتومة.
'كيف يُعلّم نباتاً أن يجترئ على صاحبه؟'
أرى "ديون" متبجحاً بالرضا، لذا سأكتفي بالمراقبة، لولا ذلك لثارت ثائرة المكان. تماماً كما حدث غداةَ احترقت الحديقة وخنقني ملك الشياطين؛ لم أكن لأجد ما أقوله حينها. أكان هذا كل ما في الأمر؟ كان لزاماً على الجاني أن يستعد للموتِ فداءً لفعلته.
ولكن...
'أقلتَ أن بستانيَّ "الإنكوبوس" هو من أهداك إياها؟'
مهما يكن، ما كان ليهلك؛ فهو من خيرة مَن يرعاهم "ديون" سراً.
'كما توقعت، لا يروق لي هذا الفتى في شيء'. انقبض حاجباي بشدة، ثم انحنى "إد" بأدبٍ مودعاً، وأوصد الباب عازماً على كتمان ما يجيش في صدره تجاه تلك النبتة.
خيّم الهدوء.
أطرق "ديون" بصمتٍ نحو النبتة التي كفت عن الهجوم فجأة. ورغم تعذّر الجزم بوجود أعينٍ لها، إلا أنه شعر بالوحش يرمقه بنظرةٍ ميتة. وخطر له خاطرٌ مباغت.
مهما عبثت هنا، فهي لا تشكل وعيداً، لكني أتساءل: هل إبقائي على هذا المخلوق المتهور بجانبي، وهو الذي يجترئ على مهاجمتي، سببه علمي بأن نظراته مفعمة بالود؟ يا له من فكرٍ أحمق.
... رفعتُ إصبعي مجدداً، وشعورٌ بالضيق يساورني لسببٍ مجهول.
"سويت؟!"
بغتةً، تشبثت الساق الخضراء بمعصمي. "يا للقرف!"
"... حسناً."
ليس هذا أوانه.
انتزعتُ الساق التي كانت تلتف حول خصري ووضعتها فوق الخوان. عاد الصمت مجدداً.
'....'
طق. طق. طق. نقرات أصابع بيضاء على الطاولة بجانب المِحْبَق. "ديون"، الذي كان يرمق النبتة بنظراتٍ مبهمة، فتح فاهُ فجأة كأن شيئاً ما جذبه.
"لا تحبني."
"يوك؟"
ما هذا؟
"لا تحبني."
"ساك."
كيف تفعل ذلك؟ "أيها الوغد؟"
"سويت تسك تسك تسك تسك!"
بالكلمات! قلها بالكلمات!
راحت الساق الخضراء التي تعمل كذراع تلطم ظهر اليد التي تمسك بجسدي دون ألم.
... ماذا أفعل الآن؟ "ديون"، الذي راقب هذا بصمت، سحب يده بزفرةٍ عميقة.
"ليس الأمر أنه لم يلاحظ، بل المؤكد أنه علم بتجاهلي المتعمد حينها."
[أتحبني؟]
[تباً!]
[سحقاً.]
الكلمات التي تمتمتُ بها بعد ذلك الحوار.
[يجب أن تفهم ما يُقال....]
عادةً ما أفهم جيداً، ومحالٌ أن أخطئ الفهم تلك المرة. لقد كان رفضاً صريحاً.
"كيو... كيو-آي؟"
"لا تتظاهر بالجهل."
أمال رأسه كأنه لا يدري أين هو.
واو.... ذبلت النبتة سريعاً أمام ذلك الصوت الحازم.
حدق "ديون" بذهول في ذاك الكائن، ثم بدأ يترنم ببطء:
"لو اصطحبتك إلى ساحة الوغى هكذا، فستستميت لحمايتي."
"ساك."
"حتى لو كلفك ذلك إزهاق روحك."
"...."
طق. طق. طق. طق.
تباطأت سرعة نقرات الأصابع. أسبل "ديون" جفنيه ببطء، وعيناه الحمراوان غائرتان تحت رموشٍ طوال.
ربما كان ذلك بسبب مزاجي، لكن صوتي خرج متهدجاً مظلماً. هيه، أنا...
"مودةُ المرء الصافيةُ وحظوته هي حِملٌ ثقيل."
سواء كان الخصم بشراً، أو شيطاناً، أو حتى نبتةً نكرة.
مجرد وجود من يرعاني هو عبءٌ في ذاته. ماذا قلتُ أنا؟
لهذا شعرتُ براحةٍ أكبر مع "دان"، الذي كانت علاقتي به قائمة على الحسابات. تلك الكلاب الهوجاء... لا، "الفرسان الأشراف" كانوا معنا قبل إدراك هذا العبء، لذا أبقيناهم بجانبنا، مستعدين لما قد يطرأ من تبعاتٍ يوماً ما.
'هناك من سيلتصق بك وإن طردته، لذا تركتهم وشأنهم.'
على أية حال.
لو أن أحداً ضحى بحياته من أجلي بناءً على عاطفةٍ محضة لا حسابات فيها، لاختنقتُ تحت وطأة ذلك. ربما سأختنق حتى الموت. ما تفعله لأجلي سينتهي بخنقي.
'و...'
ابتسم ابتسامةً باهتة لذاك الذي يميل ببرعمه كأنه لا يفقه قولاً. وبُحتُ بسب آخر كنتُ أكتمه.
"لا أملك الجرأة لأردَّ مِثل الذي أُعطيت."
لقد تعلم "ديون هارت" معنى 'المودة' بمرارةٍ من خلال موت أخيه الأكبر "كرول".
هذا هو نوع المودة الذي أعرفه، لذا لا أملك الشجاعة حتى للمحاكاة.
"يوك...!"
"والأدهى من ذلك ألا تُطالَب بردها." ارتخت النبتة.
ابتسم "ديون" بوقارٍ وداعب البرعم بإصبعه برفق.
"باختصار، الأمر بسيط. إن أردتَ مرافقتي، سآخذك. لكن إياك والتقدم للصدارة، خاصةً إن كان ذلك لمصلحتي."
"أوه...."
"إن كنت لا تزال ترغب في المجيء."
وقبل أن يتم حديثه، استطالت الساق، لفت جسدها وتشبثت بالمِحْبَق.
ضحك "ديون" بقهقهةٍ خافتة أمام هذا التعبير الجلي عن الإرادة، ورفع ذراعيه قليلاً ليسهل عليها التشبث. وبعدما استقر الكائن، تظاهر بعدم الاكتراث للمِحْبَق المعلق بخصره، ومضى نحو الباب حيث ينتظره الآخرون.
"... على فكرة."
"يوك؟"
"ما هو جنسك حقاً؟ لم أفهم ذلك حينها."
"يوك-آيك (يوك-آيك)."
"... هذا عويلٌ بلا معنى، أليس كذلك؟"
"كيو... كيو؟"
أيها الوغد.
لم أدرِ أين ذهب "دان" و"إد"، لكن حين فتحتُ الباب، لم أجد سوى "بن".
رمق "ديون" "بن" بنظرةٍ في الرواق القفر، ثم ثبت بصره عليه. بدت التساؤلات على وجهه، وقبل أن ينبس، استبقه "بن" بالحديث.
"غادر 'إد' و'دان' أولاً ليتأكدا من حزمِ أمتعتك الضرورية. وطلبا مني الاعتذار لك."
بمعنى أدق، "إد" هو من سحل "دان" بعيداً.
كان يجره بقدَمين يملؤهما الحسد والغيظ، قائلاً بما أنه لا يستطيع مساعدة "ديون" بنفسه، فعليك أنت رعايته.... [لقد فحصتُ كل شيء!]
[تحسباً فقط، افعلها مجدداً. لن يضيرنا التأكد.]
[....]
الأمر مثير للسخرية، فكلاهما لا يُطاق، وهذا شعورٌ يحتاجان لتسويته. "بن"، الذي لم يجد داعياً للتدخل، آثر الصمت.
تمتم "ديون هارت": "أنا من يدين بالاعتذار..."
وفي تلك الأثناء، لمح "بن" النبتة المتدلية من "ديون". ساقٌ خضراء تلتف حوله وتُرجِحُ المِحْبَق.
وكأن البرعم أحس بنظراتي، فالتفت نحوي. التقت أعيننا بما استُشفَّ منها.
"...."
"...."
بدأ نِزالٌ غريب بالعيون.
"ذوق ديون فريد..." تمتم "بن" الذي كان يفحص النبتة بذهول، وعلت وجهه تعابير مبهمة.
'بماذا يثق هذا الكائن ليكون بكل هذه الثقة...'
يبدو كشخصٍ يدبر شؤونه الصغيرة بنفسه، ولكن هذا كل ما في الأمر.
حتى لو كانت نبتةً من عالم الشياطين، لربما فهمت قوى الشياطين السحرية، ومع ذلك تجرؤ على المواجهة بالعين هكذا.
بما أن "بن" ليس مجرد طبيب، فهو يمتلك قوةً سحرية تفيض عن معدل الشياطين، لذا أحياناً حين يسير في الحديقة، تنحني النباتات من تلقاء نفسها أو تتجنبه، فلم يسعه إلا أن يجد الموقف الراهن عبثياً.
'محالٌ ألا تكون من عالم الشياطين...' نظرة مراقبة غامضة واصطدمت بنظرة فخرٍ في الأفق.
انتهى صراع الطاقة من طرفٍ واحد حين تقدم "ديون" خطوة للأمام.
"إذن، فلنمضِ."
سار والمِحْبَق يتدلى عند رأسه.
"بن"، الذي كان ينظر للنبتة بذهول، لم يحول نظره عنها رغم ابتعادها، ثم ضحك سراً ولحق بـ"ديون".
'يبدو حقاً أنها نبتةٌ ممتعة.'
كأن كبدها قد انتفخ وجرؤت.
فهمتُ جزئياً سبب اهتمام "ديون" بها، ورسمتُ تعبيراً ضاحكاً أمام النبتة التي لا تزال ترمقني.
'يوك!؟'
فزعت النبتة من الاستفزاز المباغت. "سويت!!"
"لماذا أنتِ هكذا فجأة؟"
"هذا الوغد قد لا يكون نبتة..."
كانت هذه كلمات "ليرينيل" حين رأت النبتة تلتف حول جسد "ديون" العلوي.
المنديل الذي أحضرته لتهديه لـ"ديون"، زاعمةً أنها درست ثقافة عالم البشر، مُزق إرباً تحت أنيابها البيضاء.
هذا الفتى ليس طبيعياً أيضاً. "غيسيتيل"، قائد الفيلق العاشر، كان يراقب بملل.
قائدة الفيلق الخامس "أويل"، التي كانت تودعهم، أمالت رأسها عند سماع تلك الكلمات.
"ليست نبتة؟ فما هي إذن؟"
"... ليس حقيقياً، مجرد قولٍ قلته."
"مجرد قول؟ لماذا؟"
"... ديرنيفان!"
مزاجي سيء بالفعل، ولا وقت لدي للإجابة على سيل الأسئلة.
"ديرنيفان"، الذي كان يراقب، سمع الصرخة العصبية واقتاد "أويل" بعيداً عن "ليرينيل". كان بارعاً في جذب الانتباه وصرف الناس بقصصٍ أخرى، كأنه لم يكن هنا منذ يوم أو يومين.
عندها فقط، "ليرينيل"، التي أبعدت المنديل عن فمها، لمحته وبرقت عيناها لرؤية "ديون" يقترب. زي قتالي جديد! شعرٌ مربوط! يبدو مختلفاً تماماً عن الحملة السابقة!
"ليرينيل، ما خطبكِ هنا؟ أمن المؤكد أنكِ جئتِ لوداعي؟"
"نعم! سمعتُ أن 'ديون' ذاهبٌ في مهمة، لذا وجب عليَّ وداعه! لقد درستُ مؤخراً ثقافة عالم البشر وأعددتُ شيئاً لـ'ديون'... آه."
تداركتْ بلل المنديل في يدها وأطبقت فاها. طوت "ليرينيل" المنديل سراً وكرمشته بملامح باكية. لو كان مبللاً فقط لأرتني التطريز، لكنه تمزق من شدة عضها له.
قلبٌ مطرزٌ بخيط أحمر على منديل أسود خصيصاً لـ"ديون". ساد جوٌ من الكآبة فجأة.
'... ذلك المنديل كان لي.'
"ديون"، الذي لم تغب عنه أفعال "ليرينيل" والمنديل الذي ظهر لبرهة، استوعب الموقف سريعاً. لا أدري لمَ هو في فوضى، لكن تطريزاً أحمر على خلفية سوداء... أظنني عرفتُ ما نُقش عليه.
'أتساءل إن كان أحدهم هو زعيم طائفة ديمون...' ليست هدية تروق لي، فلا بأس.
ومع ذلك. "...."
"....؟"
نظرتُ إليها بذهول.
وكأن صمته مريب، رفعت "ليرينيل" رأسها ببطء. بعد التأكد من استعدادها للسماع، قال "ديون" أخيراً ما حبسه الجو المشحون.
"... هناك من يصرخ بين ذراعيكِ الآن." "آه."
< ليرينيل! ليرينيل! ألا تسمعينني؟! لا تكتفي بالحديث مع "ديون" وامنحيني فرصة! أيتها المتعصبة!>
{م.م: سحل: جر الشيء على الأرض بقوة.}