أطلقت "ليرينيل" صرخةً مدوية كأنما غاب الأمر عن ذهنها بالكلية، ثم أخرجت "حجر التخاطب". هل كان مَقعد الاتصال موصولاً؟ إن الصوت ونبرة الحديث الفريدة مألوفان للغاية. أما "ديون"، الذي كان يراقب المشهد بنظراتٍ مبهمة، فقد عقد ذراعيه ولامس طرف فمه.
وقبل أن يرتد إليّ طرفي متسائلاً عن هوية المتحدث، كان لساني قد سبق عقلي بالإجابة:
"... سيلوا؟"
— أجل، إنها سيلوا!
جاء الرد مفعماً بالبِشر على الفور.
... لمَ؟ أظلم وجه "ديون" وهو يرمق طاولة التخاطب بنظرة شزراء.
"حسبتُكِ الآن عند الثغور..."
ألم تكن هي، قائدة الفيلق السابع، تخوض غمار الوغى ضد 'الأبطال' عند الحدود؟ بعد سماع ذاك الصياح آنفاً، بدا أن ثمة غاية من التواصل معي، لكني عجبتُ لِمَ تكبدوا عناء هذا السبيل، بينما كان يسعهم الاتصال بي مباشرة إن أشكل أمر.
— أوه، ذلك لأنه لا خطب جسيم هناك. ولا ينبغي إقلاق "ديون" ما دام الروعُ ساكناً.
تبع ذلك نفيٌ عاجل، كأنما يقرأ الفحوى في نبرة الصوت التي اضطربت كاضطراب الملامح. بدا الصوت كأن صاحبه يلوح بيده دفعاً للظنون.
— لقد نأى اللقاء بنا لزمن، لذا رغبتُ في رؤيتك خفيةً ومناجاتك.
"... أحقاً؟"
— أجل! وبما أنك في مهمةٍ الآن، رغبتُ في شحذ همتك! وطبعاً، لو تقدم "ديون" بنفسه، فالفوز حليفه لا محالة، فلا حاجة لاستنهاض عزمه...!
ثم جرى بيننا حديثٌ اكتفيتُ فيه ببث الحماسة بتلك الكلمات، فاستقام الأمر.
تدرج الحديث من قوله إنه أراد مرافقته والوقوف على براعة "ديون" في القِراع، وأن قائد الفيلق العاشر نال حظاً وافراً، وصولاً إلى صب اللعنات على قائد الفيلق التاسع الذي ترك الثغور في عهدتي وقفل راجعاً إلى حصن ملك الشياطين وحده. استرسل في هذيانٍ غير مترابط، ولما لم يحوِ طائلاً، جعلتُ أذناً من طين وأخرى من عجين.
{م.م: القِراع: الضرب بالمبارزة والمجالدة بالسيوف}
{م.م: قفل راجعاً: عاد من رحلته}
"إذاً..."
شرع "ديون" في قطع دابر الحديث هكذا، لكنه استكان ونظر بتمعنٍ إلى طاولة التخاطب. "...."
— ...؟
ثمة شعور بالوجوم يلوح.
ثمة خطبٌ لا يستقيم معه التغافل. "ديون"، الذي كان يسترجع تفاصيل النجوى السابقة وهو ينقر ذقنه لريبةٍ لم يدرك كنهها، كفّ يده فجأة عند نقطة ما وفتح فاه:
"... على ذكر ذلك."
— نعم؟
"ما عسى أن تعني جملة 'رؤية وجهك خفيةً'؟"
— آه.
خلف طاولة التخاطب، ألجمت "سيلوا" لسانها، وارتعدت يدا "ليرينيل".
لا جرم أن هناك أمراً ما. راقني أن رد الفعل كان صادقاً.
وفضلاً عن التعليق حول رؤية الوجه، حين ضغط عليه، ارتد مقعد التخاطب للوراء ببطء... افترّ ثغر "ديون" عن ابتسامة كأنه أدرك الفحوى.
"يرقبون وجهي كأنما هو أمرٌ ذو بال."
لستُ ممن أفشى ملامحي لمن هم خارج حصن ملك الشياطين.
آه، لا ضير من الفشو الآن، فالكل بات يعرف وجهي.
خطوتُ خطوةً للأمام وأحنيتُ رأسي قليلاً. أدنى "ديون" وجهه من طاولة التخاطب كأنه يستقصي الأمر، وقال وعيناه الحمراوان تبرقان بالدهاء:
"أفتبثين وجه الطرف الآخر قسراً؟ وباستخدام هذا الحجر وسيطاً أيضاً."
براعةٌ تُذكر. لم أخلهم يطوعون رفع الحظر عن السحر هاهنا.
وبدلاً من جوابٍ وجل، لم يرجع إليّ سوى الصمت.
حسناً، أتفهم ذلك. فجيش ملك الشياطين ظل دهراً يتحسس من إفشاء هيئة قائد الفيلق صفر. لم يبالِ "ديون" واكتفى بهز كتفيه.
كان الخصم "سيلوا"، قائدة الفيلق السابع، لكن ما دامت عند التخوم، فقد يُعد هذا إفشاءً لهيئة قائد الفيلق صفر للخارج، لذا كان وجلها طبيعياً.
{م.م: التخوم: الحدود الفاصلة بين الأراضي}
'رغم أن الأمر لم يعد يهم الآن.'
صرف بصره نحو طاولة التخاطب وتبسم. شعرتُ باليد الصغيرة التي تمسك الطاولة ترتجف، لكني ألفتُ ذلك، فليست هذه المرة الأولى التي تبدي فيها "ليرينيل" هكذا رد فعل.
"في المرة القادمة، لا تفعلي ذلك سرّاً، بل أقيمي اتصالاً جليّاً ذا طرفين. لن ينبس أحدٌ ببنت شفة إن فعلتِ."
{م.م: ينبس ببنت شفة: يتكلم بكلمة واحدة}
— آه...! أجل، فهمت!
تبعت ذلك ابتسامة خجولة، كأنما انقشع بعض التوتر.
— لقد طال عهدي برؤية وجه "ديون". أردتُ ترك الأمر لقائد الفيلق التاسع، الذي كان مكلفاً بالثغور أيضاً، والذهاب لرؤيته عياناً... لكنه عاد لحصن ملك الشياطين بمفرده. وحين فكرتُ في الأمر ثانيةً، سمعتُ صريف أسنانها، كأن مرجل غضبها غلى من جديد.
{م.م: صريف الأسنان: صوت احتكاكها عند الغضب}
وعلى نقيض البداية الضارية، فإن الموقف يتصلب في حالة ركود، لكنها لا تزال الجبهة المتاخمة لعالم البشر. ومهما بلغ من الاسترخاء، في حالٍ لا تزال فيها الحرب قائمة، استحال غياب قائدَي فيلقين معاً، لذا كان ليترك نصيبه من الأرض لزميله برهةً قبل الرحيل. بيد أن الخصم استبقه بالفعل.
من المفهوم أن يشتد حنقها لأنهم استولوا على كل شيء فجأة. التفت "ديون" برأسه صامتاً ليبحث عن الجاني ورمش للحظة.
'... لا أحد؟'
تفرستُ في الأرجاء تحسباً، لكنه لم يكن هناك.
بما أنه ليس قائداً يقيم دوماً في حصن الملك، ولا يتسم بالوجل، ظننتُه جاء ليترك بصمةً على وجهٍ لا يراه كثيراً. هل وجد شيئاً ممتعاً آخر؟
'حسناً... من الخير ألا يكون هنا. وثمة "أويل" أيضاً.'
لعل "أويل" هو سبب إحجامه. إذ لا يسعنا إحداث جلبة حتى يخرج "ديون هارت" للوغى.
لا داعي للقلق من توافه الأمور. محوتُ مسألة القائد "تروفر" من ذهني وركزتُ على "ليرينيل" التي لا تزال ممسكةً بالطاولة.
بدا جلياً أن حدقتيها تزيغان كأن شيئاً يغزوهما.
"بل، يا ليرينيل." "نـ.. نعم! ديون."
"لا أظنكِ تعبثين بذاك سُدى..." "..."
"لا أحسبكِ فعلتِ هذا بلا مأرب..." أرى ارتعاد عينيكِ.
افتر ثغر "ديون" ونقر الطاولة بسبابتة.
"أثمة خاصية لتسجيل المرئيّات هنا؟" "يا للهول...!"
وفي النهاية، سقطت أداة التخاطب من يدها لتلامس الأرض.
كما ظننت. "ديون"، الذي التقطها بخفة يد، نظر إليها بعينٍ فاحصة. وبمعزل عن انقطاع الاتصال، لو استُخدمت ضروبٌ من السحر معاً، لكان طبيعياً أن تظهر صدوع، لكنها تبدو سليمة تماماً مهما نظرت إليها.
{م.م: سُدى: بلا فائدة أو بلا هدف}
{م.م: مأرب: حاجة أو مقصد}
'هذا محض تبديد للمواهب.'
مدهش أنها لم تُكسر، بل ولا شق فيها؟ أتستخدمينها فقط لحفظ وجهي؟
وبشعورٍ من الذهول، رددتُ البصر بين "ليرينيل" والأداة. وكأنها أدركت حرج موقفها، برقت عيناها وأزاغت بصرها على غير عادتها حين كانت ترمقني بإلحاح.
"حسناً... إن مضيتَ في مهمتك هذه المرة، فلن أراكَ لردحٍ من الزمن... لذا..."
خرجت الكلمات كأنها معذرة متمتمة.
رغم أنها لم تتم جملتها وأُلجمت بآخر اقتحم المشهد فجأة من الجانب.
"إنها أداة تخاطب بخاصية حفظ المرئيّات!" أطلق "أويل" صوتاً معجباً.
قست نظرات "ليرينيل". لكن "أويل"، كشيطانٍ يفتقر للمدارة، اكتفى بالنظر للطاولة بفضول ونادى نائبه كعادته.
"أرأيتَ مثل هذا قط؟"
"كلا. بل يا سيد "أويل"، "ديون" في لُجّة حديث مع قائد الفيلق الحادي عشر. سيصعب الأمر إن تدخلت."
"لكنه أخاذ."
{م.م: لُجّة الحديث: وسطه واختلاطه}
{م.م: المدارة: حسن المعاملة واللين}
هِممم، ملامح "ليرينيل" تزداد غضوناً وتجعداً.
يا "أويل"، إن استمررت هكذا، فستكثر أعداءك. قيل إن الكثيرين يُهزمون أمام منصب القائد، لكن إن كان الخصم قائداً مثلك، فالأمر يختلف. إنه فتى لا يضمر سوءاً... ولكن حقاً...
"أريدها."
"ثمة سقطُ متاع كثير كهذا مكدس في المخازن."
"ومرة أخرى! أتقصد سقط المتاع الذي قد ينفع يوماً؟"
"...."
أزاغ "ديرنيفان" بصره قليلاً. هيئةٌ تشي بأنه لا أحد يوافقه الرأي.
لقد كابد العناء هو الآخر لأنه لقي سيداً سيئاً.
... أو لعلي لقيتُ حبيباً سيئاً...؟
'أهم من ذلك... نظرات "ليرينيل" مريبة.'
تبدو كأنها تحتدم وتوشك على الانفجار. كيف لي رتق هذا الصدع؟
الأولوية هي طرد "أويل" أولاً. وبينما همّ "ديون" بالحديث، سُمع صوت مألوف من خلفه.
"أويل، ملك الشياطين يدعوك."
... إيد!
إنه صوت مألوف لا تخطئه الأذن. التفت "ديون" بقلبٍ هانئ وتوقف لبرهة أمام المشهد الذي طالعه.
"... إيد...؟"
أظن أنه قال إنه ذهب للتأكد من عدم ضياع شيء.
'ماذا كنت تفعل بحق السماء...؟'
أيمسي المرء هكذا بمجرد تفقد المخزون؟ ذاك الذي يوشك على المهمة يبدو كأنه سيهلك من الإعياء في أي لحظة.
كان هناك "إيد" بملامح مرتاحة، و"دان" بوجهٍ شاحب منهك.
'أحتاج لتفسير...'
تحولت النظرة المليئة بالاستغراب إلى الشخص الذي بدا أنه السبب. أزاغ "إيد" بصره بهدوء كأن شيئاً يؤنبه أيضاً. نظرتُ بجانبه ثانيةً فرأيتُ "دان" يخطو نحوي.
كانت سرعته فائقة، كأنه يفر من براثن "إيد".
وعلى أي حال، "أويل" الذي لا يأبه بغير مآربه وأوامره، التفت لما قاله "إيد".
"ملك الشياطين...؟" "أجل."
"أممم... أممم..."
اكتفت بإمالة رأسها، كأنها لا تجرؤ على السؤال عن السبب هذه المرة.
ومهما أعملتِ الفكر، فلن تظفري بجواب. "أويل" التي استسلمت للظن قريباً، التفتت.
"... ستعرفين حين تذهبين! لنمضِ يا ديرنيفان." "أجل."
ذهبا أخيراً.
"ديون"، الذي كان يرقب الشيطانيْن يبتعدان، نظر للحجر في يده ثم لـ "ليرينيل". لا يزال الوجه الواجم بادياً.
... لضيق الوقت، ينبغي صرفه الآن، لكني إن تركته هكذا، فسيقع أمرٌ ما لاحقاً.
لا يهم إن تراكمت مشاعر "ليرينيل" وانفجرت في علاقتها مع "أوريل"، لكن المشكلة إن طالتني التبعات.
"ليرينيل."
"... نعم ديون... سـ..سيدي؟!"
أمسكتُ يد "ليرينيل" وقلبتها ليكون الكف للأعلى. جفلت ليرينيل وقبضت على يدي، لكني لم أعرها انتباهاً ووضعت الحجر فوق كفها.
"يجب أن أمضي الآن." "أجل... أجل!"
"ثمة أمور عليّ تفقدها. يسعدني تشييعكِ، فما رأيكِ بالدخول؟ الجو بارد."
"...!"
طوى "ديون" أصابعها واحداً تلو الآخر لتتمسك بالحجر، ناظراً في عينيها ومبتسماً. اشتعل وجه "ليرينيل" حمرة.
"لن أغسل يدي... لا، ليس هذا... حجر التخاطب، كنز الحياة... أوه، ولا هذا أيضاً... أجل أجل! سأدخل حالاً!"
في رمشة عين! اختفت قائدة الفيلق الحادي عشر من مكانها كأنها نُقلت بسحر. "دان"، الذي كان يرقب المشهد من الخلف، تنهد.
'من أين تعلمتَ أفعالاً كهذه...'
رأيتُ البوادر قبل أن يصبح محارباً، لكن بعد ذلك، صار متمرساً في استخدام وسامته. وأظن الأمر زاد لأن القائدة استجابت بشكل مبالغ فيه. لا يمكنني منعها من رد الفعل.
تنهدتُ وأدرتُ رأسي حين ربتت يدٌ على كتفي. التقت الأعين بعيونٍ مرتجفة.
"كل هذا عذب... ذاك..."
أشار إصبعٌ مرتعد إلى "ديون هارت". آه. تنهد "دان" في سره.
"أهذا... حقاً قائدنا...؟" "... للأسف نعم."
"لِمَ...؟"
"حتى لو سألت لِمَ..."
على ذكر ذلك، كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها "الكلاب الضارية" سيدهم هكذا. قال "ديون هارت" إنه يراه منذ صغره، لذا فالصدمة كبيرة.
... لا، وكأن هذا لم يكن 'صادماً بما يكفي'، جعل فرسان "لوفتي" ينتفون شعرهم ويصرخون:
"مهما نظرت إليه، فهو متلاعب بالقلوب...! لِمَ؟ أين قائدنا البريء الذي لم يعرف سوى القتل والبقاء؟!"
"أهذا حقاً حجر تخاطب؟ أليس قنبلة؟"
"لعلنا أخطأنا السمع؟ لقد كان في الأصل يضحك ويقول لك 'مت'!"
"أو 'اقتل أحداً'!"
"جيزيتيل"، قائد الفيلق العاشر الذي سمع الجلبة، تمتم بذهول:
"يبدو أن مفهوم 'الطهارة' يختلف عما أعرفه... هل هناك مرادف آخر لـ 'الطهارة' في عالم البشر...؟"
{م.م: الجلبة: اختلاط الأصوات}
"... بادئ ذي بدء، ليس هذا ما تفكر فيه على الأرجح."
قد تكون هناك مرادفات، لكنها بالتأكيد لا تُستخدم هكذا...
مسح "دان" وجهه في صمت.