250 - لأنَّ العَواطِفَ قد كَانَت دَوماً مَنِيَّةً لِلأنَامِ (05)

{م.م: من الآن فصاعداً ما رح يكون هناك تدقيق في الترجمة. عذراً لو يوجد أخطاء من هذا الفصل ورايح.

++ هل يوجد أي أحد جد قاعد يقرأ لحد الحين حتى؟}

ــــــــــــــــــــ

.

هدأت الجلبة وسكن الصخب سريعاً، ولم يكن ذلك مجرد رد فعل لتقدم "دان" إلى الأمام بعد أن ضاق ذرعاً بتمتمات فرسان "العُلا" العبثية التي لم يعد يطيق سماعها.

بالطبع، كان تقدمه خطوة إلى الأمام سبباً في ذلك، ولكن...

— "نحن أيضاً كائنات عاقلة ولدينا إدراك."

— "وهل كان ما رأيناه للتو كائناً عاقلاً بحق؟"

— "..."

قبض "ميلان" على صدره جهة قلبه وتصنّع الألم وكأن الكلمات قد جرحته، غير أن أحداً لم يعبأ به بطبيعة الحال.

— "وبالطبع، يُستثنى من هذا الكلام أطراف النزاع المعنيون. وبصراحة، وبما أننا بشر مثل بعضنا، أظن أن ’السيد‘ لم يكن نقي السريرة قط، حتى في تلك الحقبة التي تتحدثون عنها. بل إنني أتساءل إن كانت طباعه حينها أكثر خبثاً ودهاءً..."

— "أحقاً ما تقول؟"

— "...!"

وفجأة، وفي منتصف الحديث، بدا أنهم يتفادون تلاقي الأعين، مما جعل الأجواء تبدو مضطربة ومرتبكة. التفت "دان" برأسه يتتبع مصدر الصوت، فالتقت عيناه مباشرة بتلك العينين الحمراوين اللتين كانتا أمام وجهه تماماً، فارتسمت على محياه تعبيرات حرجة ومربكة.

افتر ثغر "ديون" عن ابتسامة؛ لكنها كانت ابتسامة تحمل في طياتها نذر الخطر.

«لقد جئت إلى هنا والهزال بادٍ عليّ في هذا الوقت القصير، وكنت عازماً على مطالبة "إد" بتفسير واضح.»

ولكن بفضلك، تبخرت تلك المشاعر تماماً ولم يعد لها أثر.

«حسناً، فلنتجاوز الأمر إذن.»

لقد آثرتُ الصمت وتمرير الموقف دون نبس ببنت شفة، لكن لا بأس بأن أظهر بعض التبرم والضيق.

أدرتُ رأسي سريعاً. تابعت نظرات "دان" حركته بذهول، وكأنه تفاجأ من مسامحته وتجاوزه للأمر دون توبيخ أو بادرة غضب واضحة، إلا أن "ديون" لم يأبه لذلك، بل رمق بطرفه "إد" الذي كان يتلكأ في جواره.

كانت ملامحهم توحي بالترقب الحذر والتأهب الشديد، وكأن غايتهم تتعدى مجرد الوداع.

«...!»

وفور تلقيه الإشارة التي تفيد بأن هناك ما يقال، أخرج "إد" بلورة اتصال سحرية من جيبه وأجرى اتصالاً. أومض ضوء البلورة معلناً نجاح الاتصال، فمدها "إد" على الفور نحو "ديون".

تلت نظرة الاستفهام في عيني ديون إجابة حذرة ومتهيبّة من إد:

— "لقد ورد أمر عاجل من ملك الشياطين."

— "..."

لم يتناول "ديون" بلورة الاتصال على الفور، بل ظل يرمقها بنظرات حادة وساخطة لبرهة.

«لقد أخبرتكم أنني لم أكن أعتزم وداعكم اليوم لسبب ما...»

وها هو قد اتصل بي في نهاية المطاف. ما الذي يريد قوله بحق إله السماء؟

ومع طول الصمت المطبق، رفع "إد" عينيه ببطء ونظر إليّ. مددتُ يدي على مضض وبخطوات وئيدة، لعلمي أنني لا أستطيع الاستمرار في هذا التمنع إلى الأبد.

وما إن استقرت بلورة الاتصال في يدي حتى انبعث منها صوت ملك الشياطين، وكأنه كان يترقب تلك اللحظة بشغف.

— "أهلاً بك يا ديون."

— "... ما الخطب؟"

— "لقد كانت لديك مشاغل اليوم منعتك من وداعهم بنفسك، أليس كذلك؟ حسناً، لدي ما أقوله لك."

— "..."

— "الأمر ليس بالخطورة التي تتصورها، فلا داعي لكل هذا التوتر."

جاء صوته متهللاً وخفيفاً كعادته.

ولكن، لو كان ملك الشياطين شخصاً بسيطاً وساذجاً يمكن تصديقه بهذه السهولة، لما وطأت قدماي هذا المكان أصلاً. بعد صمت قصير، تحدث "ديون" بنبرة حازمة وقاطعة:

— "ما الذي تريد قوله إذن؟"

— "في الواقع، ليس أمراً ذو بال... آه."

وفجأة، انبعث ضجيج غريب ومشوش من الجانب الآخر لبلورة الاتصال. كان صوتاً عابراً وقصيراً لدرجة تجعل المرء يشك في أنه خيال، لكنه كان حقيقياً بلا ريب...

وقبل أن يفتح "ديون" فاه ليتساءل، بادر ملك الشياطين بالحديث قائلاً:

— "اغتنم هذه الفرصة واصقل مهاراتك في استخدام الرمح هناك كما تشتهي نفسك. فعندما يتعلق الأمر بالحفاظ على المسافات، فإن معركة حقيقية واحدة في ميدان القتال أجدى بكثير من آلاف الكلمات والشروحات النظرية، ألم ينتهِ التدريب بعد؟"

— "..."

— "آه، وصحيح... بخصوص المدينة الأولى."

تصلب كتفا "ديون" على الفور. وتردد صدى صوت مفعم بضحكة خافتة سخرت من الموقف، وكأن صاحبها يحيط بكل شيء علماً.

— "أنا قادم إلى الحرب، ولذلك سأغمض عيني عن هفوتك هذه المرة فحسب. تذكر، لن تتكرر مرتين."

— "..."

— "حسنٌ إذن، رافقتك السلامة في رحلتك... وإياك أن تموت."

وبعد هذه التحية المقتضبة، انقطع الاتصال فجأة، وخيّم على المكان صمت رهيب.

«... كنت أتوقع أنك تعلم، ولكن سماع الأمر منك هكذا فاق كل توقعاتي...»

هل ينتابني الضيق؟

أخذ "ديون" يرمق بلورة الاتصال بنظرات ساخطة في صمت. لم يكن غضباً عارماً، بل كان ضيقاً وتبرماً محضاً، لكنه بدا شديداً ومهيباً لدرجة أن المحيطين به —الذين كانوا يراقبونه وينتظرون بوجل أن يتقدم أحد— ارتعدوا وفرائصهم ترتجف عندما تنهد، والتفوا يرقبون تقاسيم وجهه بحذر.

وكان "إد" أول من ناداه بنبرة تملؤها الحيطة:

— "... السيد ديون...؟"

— "... حسناً."

قذف "ديون" بلورة الاتصال إلى "إد" واستدار قائلاً كلمته. وتحت ضياء الأقمار الثلاثة الساطعة، امتدت في الأفق جحافل القوات المصطفة في صفوف متراصة ملأت المدى.

بمجرد النظر إلى هذا المشهد، بدا لي أن التحقق أمر لا داعي له، ومع ذلك، سألت للمرة الأخيرة كإجراء احترازي، ففتحت فمي قائلاً:

— "تجهيزات ’جايسيت‘ كاملة ولا تشوبها شائبة، أليس كذلك؟"

— "نعم يا ديون. يمكننا التحرك في أي وقت تشاء."

تقدم ووقف أمام مرؤوسيه المباشرين.

ورغم أنه كان الأقل جدارة بلقب قائد فيلق، إلا أنني شعرت أنه موضع ثقة بفضل وقفته المهيبة وتصرفه الحازم الذي يليق بقائد حق، لذا أدرت رأسي دون تردد متسائلاً:

— "ستيب؟"

— "نعم يا سيدي. لا ينقصنا شيء على الإطلاق، وأنا ضامن لذلك. وإن تبين غير ذلك، فلك أن تطير رأسي."

وعلى مقربة منه، أومأ "إد" برأسه وعلامات الرضا تبدو عليه. كانت عيون "دان" شبه خاوية من الحياة ومظلمة وهو يبتسم، لذا آثر "ديون" أن يشيح بنظره عنه.

— "... ميلان؟"

— "نحن على أهبة الاستعداد أيها القائد! وعلاوة على ذلك، نحن من أولئك الذين يشقون طريقهم بأيديهم وعزيمتهم إن عزّ السلاح! إذا كان هناك شيء ناقص، فلا تبتئس!"

إن وجود نقص في حد ذاته هو المشكلة الأساسية.

بل الأكثر من ذلك... أن "دان"، الذي كان يستمع إلى الحوار بجانبي، بدت على وجهه تعبيرات مبهمة وممتعضة، وقال:

— "في المقام الأول، إذا غابت الحلول، فلن تفيدنا الكلمات الجوفاء شيئاً..."

— "الكلمات لا تبني بيتاً."

— "..."

إذن، يبدو أن الجميع على أتم الاستعداد.

إن المعارك الضارية تحتاج إلى مثل هؤلاء الأشخاص المستميتين. أومأ "ديون" برأسه واعتلى صهوة جواده. لم تكن هناك مراسم وداع باذخة أو احتفالات صاخبة بالمغادرة.

... وهذا أفضل، فمثل هذه المظاهر لا تجلب لي سوى الكدر وسوء المزاج.

— "لننطلق."

أطلق أمراً مقتضباً، وبدأت المسيرة.

ـــــــــــــــــــــــــ

وضع ملك الشياطين بلورة الاتصال المغلقة جانباً.

«لا بد أنه يستشيط غيظاً وضيقاً الآن.»

تخيل في ذهنه صورة "ديون" وهو يرمق بلورة الاتصال بنظراته النارية الحانقة، فضحك ضحكة خافتة ملؤها التسلية. ولم يلبث أن شعر بحركة فوق أصابعه، فخفض بصرة ليستطلع الأمر.

كان هناك "رضيع بشري" يمتص إصبعه بنهم.

— "... همم."

انبعث من حنجرته صوت يحمل دلالات مبهمة وعميقة.

ارتعدت فرائص الشخص الواقف أمامه، وجمع كفيه معاً في رعب شديد، لكن ملك الشياطين لم يعره أدنى انتباه، وظل يحدق للأسفل نحو الرضيع الذي يمتص إصبعه السبابة.

ولأن عينيه كانتا خاليتين من أي مشاعر أو انفعالات يمكن قراءتها، فقد بدت نظرته أكثر رعباً وغموضاً وهي تضيق عليه.

— "من العجيب حقاً أن أجد ’بشرياً‘ في قلعة ملك الشياطين دون إذن مني، ولكن الأدهى من ذلك أن ’هذا المخلوق البائس‘ كاد يتجرأ على إفساد مرؤوسِيَّ..."

— "..."

نكسّت "أويل" رأسها إلى الأرض إجلالاً ورعباً.

لم تكن تصدق هذا الموقف العصيب الذي وضعت فيه، بل في حقيقة الأمر، لم تكن ترغب في تصديقه قط.

كم كانت صدمتها بالغة وفزعها شديداً حين تركت "ديرنيفان" ينتظر في الخارج ودلفت إلى الداخل. إن وجود "تروفر" في الداخل كان أمراً يثير حنقها، لكنها كانت قادرة على تحمله. وبصرف النظر عن كونه أمراً بغيضاً، فإن وجوده كان مفاجئاً بعض الشيء، لكنه لم يكن صادماً إلى هذا الحد.

المشكلة الكبرى والمصيبة العظمى تكمن في ذلك الكائن الصغير القابع فوق مكتب ملك الشياطين.

"لماذا..."

أحست وكأن أنفاسها قد انقطعت لبرهة من الزمن.

أطراف أصابعها ترتجف قاصرة، وشعرت بشفتيها تضطربان وتتراقصان فزعاً. أصابها دوار شديد ودوار مطبق، وكأن هوة سحيقة لا قاع لها قد انشقت تحت قدميها لتلتهمها وتطويها في غياباتها.

وعادت الكلمات التي عجزت عن إتمامها تخرج من بين شفتيها مجدداً، مثقلة بيأس لا ينتهي ونحيب صامت:

"... لماذا."

إذا كان سؤالها الأول يحمل في طياته استفهاماً حائراً عن سبب وجود طفلها في هذا المكان، فإن سؤالها هذه المرة كان مزيجاً من التخبط الناجم عن عجزها عن فهم رد فعلها وحالتها العاطفية المضطربة.

"...."

آثرت "أويل" الصمت وأطبقت شفتيها. إن التساؤل الذي غدا عادة متأصلة فيها قد تلاشى تماماً بعد سؤالها الأخير.

إن الشغف بمعرفة كل شيء وكثرة الأسئلة لا يعنيان بالضرورة الغباء أو السذاجة. وبينما كانت تنقل نظراتها بوجل بين "تروفر" وملك الشياطين والرضيع، اهتدت سريعاً إلى إجابة شافية لسؤالها الأول:

«... سحقاً لك يا تروفر.»

كان الأجدر بي أن أقتله وأفتك به، حتى لو واجهتُ أشد العقاب بعد ذلك. كان قتله خياراً أفضل بكثير، حتى لو كان فيه مجازفة وتجاوز للحدود.

لو فعلت ذلك، على الأقل لما وصلنا إلى هذا المأزق العصيب والوضع الراهن.

"بالنظر إلى ردة فعلك الواضحة، يبدو أن هناك صلة وثيقة بينكما بلا شك."

"..."

يجب أن تجيب فوراً، لقد أدركت ذلك بمجرد سماع نبرة صوته.

عليكِ بالإنكار الآن ودون إبطاء، والتظاهر بالجهل التام بالأمر.

إذا تبرأت قائدة الفيلق نفسها من ذلك الرضيع ونبذته، فإن ملك الشياطين —المعروف بقراراته المنحازة للغاية— سيتظاهر بعدم الملاحظة ويتجاوز الأمر برمته، ولن يتخذ أي عقاب استثنائي. فلو كنت في مكان ملك الشياطين، لعرفت يقيناً أن "أويل" لم تأتِ بهذا الرضيع "البشري" بدافع نية خبيثة أو تدبير مسبق، بل لأدركت على الفور أن دافعها كان الفضول المحض ليس إلا. وبالنظر إلى شخصية ملك الشياطين وطباعه، قد يرى أن من الإجحاف والمبالغة إيقاع عقاب صارم على "قائدة فيلق" من أجل مجرد "رضيع" بشري ضعيف لا حول له ولا قوة.

لذا، ليس أمامكِ سوى التخلي عن الرضيع وتركه لمصيره.

ولكن...

«ماذا سيكون مصير هذا الرضيع إذن؟»

عجز لسانها عن النطق، ولم ينفتح فاها بسهولة.

فتحت "أويل" فمها مراراً لتجيب وتنقذ الموقف، لكن الكلمات تلاشت على شفتيها فأطبقت فمها مجدداً في عجز تام. غارت عينا ملك الشياطين قليلاً وبدا عليهما الجهم.

"... أنتِ..."

ورغم صبره الطويل وأناته الواضحة، لم يتلقَ الإجابة التي يرجوها، ففتح ملك الشياطين فمه وكأنه يهم بقول شيء حاسم. نعم، فتحه، لكنه اضطر إلى إغلاقه مجدداً قبل أن ينبس بكلمة واحدة.

فقد أومض الضوء في صندوق الاتصال السحري معلناً إشارة جديدة.

"... حسناً، لا بأس. لن يكون من السيئ منحكِ مزيداً من الوقت للتفكير."

وبعد برهة من التفكير والتدبر، وضع يده على طاولة الاتصال وقال بنبرة هادئة:

"احرصي على التفكير بملء عقلك ورويتك في طريقة الإجابة المناسبة أثناء انشغالي بهذا الاتصال."

عجزت "أويل" عن الإجابة في نهاية المطاف وظلت واجمة.

وها هو الأمر يتكرر الآن مجدداً.

ورغم كل الفرص الثمينة التي أُتيحت لها، وحتى بعد أن انتهى اتصال ملك الشياطين وانقضى، لم تكن قادرة على ترتيب أفكارها الشاردة أو حسم أمرها.

وفي حقيقة الأمر، عندما أصدر الرضيع صوتاً ناغياً أثناء الاتصال، شعرت وكأن قلبها قد سقط بين قدميها وفارق صدرها رعباً.

وعندما وضع ملك الشياطين إصبعه السبابة في فم الرضيع ليجبره على الصمت، خُيل إليها أنه سيجهز عليه ويقتله لا محالة، فانتفض جسدها وجفلت وكأنها توشك على الفرار بالطفل.

«لو كان "ديرنيفان" في هذا الموقف... لتخلى عن الرضيع دون أدنى تفكير أو تردد.»

هكذا حدثت نفسها. نكست "أويل" رأسها حزناً.

لو أن ملك الشياطين أمرني بالتخلص من إحدى المقتنيات الثمينة المتراكمة في المستودع، لرميت بها صاغرة رغم ما يداخلني من ندم وأسف. وكنت أظن أن التعامل مع الرضع البشر سيكون في السياق ذاته وبذات السهولة.

«...»

التقت عيناها بعيني الرضيع الذي كان يمتص إصبع سيد الظلام ببرهة.

أطلقت "أويل" أنيناً مكتوماً في صدرها وتأوهت داخلياً حين رأته يبتسم فجأة ابتسامة مشرقة ووضاءة، وكأنه كان يترقب نظرتها بشغف.

آه. «يا ديرنيفان...» إنني عاجزة تماماً عن فعل ذلك.

حتى لو لزمت الصمت المطبق، لا يمكن للسان الطوع أن ينطق بكلمات التخلي عن هذا الرضيع ونبذه.

لا أدري ما السبب وراء هذا الضعف، وعاجزة عن فهم سر تحول مشاعري بهذا الشكل، وهو أمر يبعث على الإحباط والحيرة الشديدة. ومع ذلك، فإنني على يقين تام بأنني في أشد الحاجة إلى شخص يتحدث نيابة عني ويخرجني من هذا التخبط والارتباك.

ولذا، رحت أبحث بعادة متأصلة فيّ عن نائبي وعشيقي، بيد أنه يقبع الآن خلف الأبواب المغلقة. ولأنها باتت وحيدة تماماً ومجردة من كل عون، اكتفت بتوجيه نظرات ساخطة وحانقة نحو "تروفر" الذي كان يرمقها بابتسامة خبيثة ومتشفية، وآثرت الهروب بنظراتها من عيني ملك الشياطين المخيفتين.

وفي نهاية ذلك الصمت المطبق، تنفس ملك الشياطين الصعداء وأطلق تنهيدة عميقة، ثم قال:

— "... اقتليه بنفسك."

— "... عذراً؟ ماذا تعني؟"

— "لن أوقع عليك العقاب بسبب إيوائك للبشر دون إذن، لذا اقطعي دابر الأمر واقتليه بيديك."

سحب إصبعه السبابة من فم الرضيع برفق، وأخرج منديلاً ومسحه بعناية. أخذ الرضيع —الذي سُلبت منه تلك اللمسة الحانية التي حظي بها لأول مرة منذ أمد بعيد— يئن ويصدر أصوات بكاء خافتة متبرماً، إلا أن ملك الشياطين اكتفى برمقه بنظرة عابرة ولم يحرك ساكناً.

وعلى النقيض من ذلك، كانت نظرته للرضيع باردة للغاية ومجردة من المشاعر، وكأنه ينظر إلى حجر عاثر في طريقه ركلته قدمه. وأمام هذا المشهد الذي يبعث القشعريرة في الأبدان، هرعت "أويل" مسرعة والتقطت الرضيع بين ذراعيها تحميه.

تحدث ملك الشياطين هو يراقبها وهي تهدهده ببراعة وتمسح على ظهره بحنو:

— "أتوقع أن هذا التصرف يمكن اعتباره إجابة واضحة بالإيجاب، أليس كذلك؟ لقد اخترتِ الاحتفاظ بالرضيع."

— "..."

— "لا أظن أن ’هذا الشيء‘ يحمل قيمة كبرى تستدعي منكِ المخاطرة بحياتك الغالية من أجله."

أخذت نبرة صوته تزداد برودة وقسوة مع كل كلمة:

— "أويل."

— "..."

— "أنتِ لا تدركين بحق مدى معزتكِ عندي ومكانتكِ في نفسي."

في خضم حرب ضَروس مستعرة مع البشر، تقوم قائدة فيلق بجلب بشري سراً إلى عرين الخصم!

لا يهم إن كان هذا البشري طفلاً غريراً أو رجلاً بالغاً؛ فبالنظر إلى المعطيات السابقة، فإن هذا الفعل يعد خيانة عظمى لا شفاعة فيها، وكان الأجدر بها أن تكون في عداد الموتى الآن. هكذا ببساطة. وإن مجرد السعي لتمرير الأمر في خفاء ودون جلبة يعد معجزة في حد ذاته.

— "لذا، أريد منكِ إجابة قاطعة."

لم تكن عيناه تحملان أي بادرة للضحك أو المزاح في الأصل، وحتى تلك الابتسامة الخفيفة والمصطنعة التي كانت ترتسم على محياه تلاشت تماماً ولم يعد لها أثر.

وفي هذا الموقف العصيب، استشعرت أن الموت يتربص بها وبالرضيع معاً ويدنو منهما. أومأت "أويل" برأسها في نهاية المطاف على مضض واستسلام، وشعرت وكأن صوتاً متحشرجاً ومتحشجاً ينبعث من حنجرتها كأنين الأبواب القديمة.

وعندئذ فقط، انفرجت أسارير ملك الشياطين وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة:

— "جميل جداً. لن آمركِ بقتله في توي ولحظتي، بما أنه سيمكث هنا لبعض الوقت. أظن أن أسبوعاً واحداً سيكون مهلة كافية للتخلص منه وإيجاد طريقة لإنهاء أمره، أليس كذلك؟"

— "..."

— "كل ما عليكِ فعله هو إحضار جثته وهيكل جسده قبل انقضاء الأسبوع. وطبعاً، احرصي على عدم تشويه تقاسيم وجهه حتى لا يختلط علينا أمره بمخلوق آخر."

2026/06/06 · 15 مشاهدة · 2362 كلمة
نادي الروايات - 2026