لم يكن الموت كما تصوره الناس.

لم يكن هناك نفق من الضوء. ولا أصوات ملائكة. ولا ذكريات تتدفق كالشريط السينمائي.

كان هناك فقط… فراغ.

ثم برد.

ثم صمت.

قبل لحظات فقط، كان يزن جالسًا في غرفته، الهاتف في يده، شاشة مضيئة تعكس ظلال وجهه المتعب. كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً. المطر يتساقط خلف النافذة، والمدينة نائمة، إلا هو.

كان يقرأ.

رواية "القس المجنون" كانت عالمًا يعرفه أفضل من واقعه. حفظ الشخصيات. حفظ المخططات. حفظ الخيانات. حفظ اللحظات التي يتجمد فيها الدم في العروق.

وصل إلى مشهد عودة فانغ يوان بالزيز ربيع الخريف.

أغلق الهاتف للحظة.

حدّق في السقف.

ثم قال بصوت خافت:

"لو كنت أنا مكانه… كنت سأختار طريقاً مختلفاً."

لم يكن ينتقده. كان يحترمه.

لكن قلبه لم يكن مصنوعًا من حجر.

كان يؤمن أن الذكاء لا يعني محو المشاعر بالكامل. كان يؤمن أن البقاء لا يعني حرق كل الجسور. كان يؤمن أن السيطرة لا تعني أن تصبح شيطانًا كاملًا.

ابتسم بسخرية.

"لكن من أنا لأحكم؟"

ثم عاد للقراءة.

ثم—

انطفأت الشاشة.

ليس لأن البطارية انتهت.

بل لأن كل شيء انتهى.

المطر

أول إحساس عاد إليه كان الصوت.

صوت قطرات.

لكنها لم تكن تضرب زجاج نافذة.

بل خشبًا.

رائحة رطوبة. تراب. خشب قديم. بخور محترق.

فتح عينيه ببطء.

السقف… ليس سقفه.

خشب داكن، مشقوق، عوارض قديمة.

جلس فجأة.

جسده… خفيف.

و أصغر.

كانت أنفاسه سريعة.

نظر إلى يديه.

صغيرتان.

ناعمتان.

لقد كان طفل.

قفز واقفًا، لكن قدميه تعثرتا في ثوب قماشي طويل.

سقط على الأرض بقوة.

"آه—!"

حتى صوته كان مختلفًا.

نظر حوله.

غرفة بسيطة.

سرير خشبي. طاولة. وعاء ماء. مصباح زيت خافت.

كان قلبه يخفق بعنف.

اقترب ببطء من وعاء الماء.

نظر إلى انعكاسه.

صبي.

في حدود الثانية عشرة.

ملامح مألوفه … لكنها ليست لوجهه.

شعر أسود طويل مربوط بخيط. عينان سوداوان، لكن فيهما قلق لا ينتمي لطفل.

ابتلع ريقه.

"لا…"

نهض بسرعة.

ركض إلى النافذة.

فتحها.

الهواء البارد ضرب وجهه.

ورأى—

جبل.

قرية مبنية على سفحه.

أضواء متناثرة في الليل.

مطر ربيعي خفيف.

وصوت بعيد يتحدث:

"غدًا حفل الافتتاح!" "أتمنى أن يظهر عبقري هذه السنة…" "سمعت أن حفيد فانغ زهي موهوب للغاية…"

تجمّد.

توقف الزمن.

همس:

"قرية غو يوي…"

بدأت ذكرياته تتداخل.

بداية الرواية. ليلة المطر. الاستعداد لحفل الافتتاح. عودة فانغ يوان.

ركضت الكلمات في رأسه.

"هذا هو اليوم…"

غدًا سيقاس كل شيء.

غدًا سيبدأ مصير القرية.

غدًا سيبدأ طريق الشيطان.

لكن هناك خطأ.

هو لا يتذكر وجود نفسه في القصة.

لم يكن هناك شخص باسم يزن.

لم يكن هناك "متجسد".

هذا يعني—

هو متغير غير محسوب.

جلس على الأرض ببطء.

بدأ عقله يعمل.

"إذا كانت هذه ليلة ما قبل الحفل… فهذا يعني أن فانغ يوان عاد بالفعل."

ارتجف.

فانغ يوان الآن في مكان ما في القرية. بخبرة 500 سنة. بعقل شيطان. يخطط لكل شيء.

وهو؟

طفل بلا قوة.

لا يعرف حتى درجة موهبته.

ضحك فجأة.

ضحكة قصيرة متوترة.

"كم مرة قلت لو كنت مكانه…"

"الآن أنا هنا."

مد يده ولمس صدره.

قلبه ينبض بقوة.

لكنه ليس بارداً.

ليس مثل قلب فانغ يوان.

وهنا أدرك الفرق.

فانغ يوان كان شيطانًا لأنه اختار أن يكون.

هو؟

لم يختر هذا العالم.

لكنه الآن فيه.

إذا حاول أن يكون نسخة من فانغ يوان، سيموت.

إذا حاول أن يكون بطلاً صالحًا، سيموت.

إذا بقي مترددًا، سيموت.

إذن؟

أغلق عينيه.

تذكر كل ما يعرفه:

موقع ميراث باي غو.

أحداث نهر التنين الأصفر.

خيانة بعض الشيوخ.

موت شخصيات عديدة.

حتى تحركات الخالدين في المجلدات اللاحقة.

لكن معرفته ليست كاملة.

هو قارئ.

وليس إلهًا.

وحتى القارئ قد ينسى التفاصيل الدقيقة.

فتح عينيه.

"الميزة الوحيدة لدي… هي المعرفة."

"لكن المعرفة بلا قوة… عبء."

وقف ببطء.

توجه إلى الطاولة.

جلس.

حاول استرجاع اسم هذه الشخصية.

لا شيء.

هل هو يتيم؟ هل له عائلة؟ بدأت ذكريات صاحب الجسد الأصلي بتدفق في عقله .

فجأة سمع طرق الباب .

تجمد.

" هل ما زلت مستيقظًا؟ غدًا حفل الافتتاح!"

صوت امرأة.

إذن لديه عائلة.

تنفس ببطء.

رد بصوت هادئ قدر الإمكان:

"نعم… سأخلد للنوم الآن."

ابتعد الصوت.

جلس في الظلام.

فكر في فانغ يوان.

هل سيقترب منه؟

هل يتجنبه؟

الاقتراب يعني خطر.

فانغ يوان يقتل بدون تردد إذا شعر بالتهديد.

الابتعاد يعني فقدان فرصة مراقبته.

لكنه تذكر شيئًا مهمًا.

أحداث القصة تغيرت الآن.

بمجرد وجوده… لم يعد المستقبل ثابتًا.

قد يحدث انحراف صغير.

وقد يقود إلى كارثة.

وهذا يعني—

لا يمكنه الاعتماد كليًا على معرفته.

خوف حقيقي

للمرة الأولى، شعر بخوف حقيقي.

ليس من الموت فقط.

بل من فقدان السيطرة.

في الرواية، كان يقرأ بثقة.

كان يعرف أن فانغ يوان سينجو.

كان يعرف أن بعض الشخصيات ستموت.

لكن هنا؟

هو الشخصية.

هو من قد يموت فجأة بسبب قرار خاطئ.

بدأ يتنفس ببطء.

"اهدأ."

"فكر."

ما هو الهدف؟

البقاء.

ثم القوة.

ثم… الحرية.

ليس الانتقام. ليس الهيمنة. ليس الشر لمجرد الشر.

الحرية.

أن لا يكون دمية للقدر.

ولا حجرًا على رقعة فانغ يوان.

القرار

وقف أمام النافذة مجددًا.

المطر يلمع تحت ضوء المصابيح.

في مكان ما من القرية، يقف فانغ يوان وينظر إلى نفس المطر.

فكر في جملة شهيرة:

"إذا ولدت من جديد، سأظل شيطانًا."

همس:

"وأنا… سأكون شيئًا مختلفًا."

ليس قديسًا.

وليس شيطانًا بالكامل.

شيء ثالث.

شيء لا يمكن التنبؤ به.

ابتسم ببطء.

أغلق النافذة.

عاد إلى سريره.

استلقى.

لكن عينيه بقيتا مفتوحتين.

غدًا—

ستُحدد موهبته.

غدًا—

سيبدأ الطريق.

غدًا—

ستتحرك أول قطعة شطرنج.

لكنه لن يتحرك عشوائيًا.

لن يتحدى فانغ يوان مباشرة.

لن يغير التاريخ فجأة.

سيتحرك في الظل.

سيراقب.

سيجمع الموارد.

وسيستعد.

لأن هذا العالم لا يرحم المتسرعين.

في الخارج، البرق أضاء السماء.

وفي مكان آخر من القرية…

كان فانغ يوان يبتسم ابتسامة باردة، وهو يفكر في خطوته الأولى.

لكن هذه المرة—

هناك عقل آخر يعرف بعض أسراره.

وعالم القس المجنون…

لم يعد يسير على خط واحد.

2026/02/20 · 14 مشاهدة · 900 كلمة
يزن
نادي الروايات - 2026