كان الضباب الصباحي يلتف حول جبل تشينغ ماو كستار كثيف يحجب ما سيحدث، وكأن الطبيعة نفسها تدرك أن هذا اليوم ليس يومًا عاديًا، بل هو اليوم الذي يُفصل فيه بين من يُدفع إلى الأمام ومن يُترك خلف الركب، لأن عشيرة غو يوي لا تؤمن بالأحلام، بل تؤمن بسعة بحر الجوهر البدائي داخل الجسد .

اصطف الأطفال عند ضفة النهر، وأمامهم وقف شيوخ العشيرة بوجوه جامدة لا تحمل تعاطفًا ولا قسوة، بل تحمل تقييمًا باردًا . فل اليوم لا يرون أبناءهم فقط ، بل يرون مستقبل العشيرة، ويرون الموارد التي ستُمنح لمن يستحقها فقط .

النهر كان صافيًا، هادئًا، لكن مياهه لم تكن مجرد ماء، بل كانت تحمل ضغطًا خفيًا، وكلما تقدم الطفل خطوة داخله، ازداد ذلك الضغط، يخُتبر بحر الجوهر البدائي في جسده، فإن كان البحر واسعًا استطاع أن يتحمل ويمضي أبعد، وإن كان ضعيفًا سيتوقف .

قال أحد الشيوخ بصوت منخفض لكنه نافذ: “كل خطوة في هذا النهر تساوي سنة من الجهد لاحقًا، فلا تظنوا أن الأمر بسيط . ”

بدأ الاختبار .

دخل أول طفل، وخطواته مترددة، ومع كل تقدم كان وجهه يشحب أكثر، حتى توقف بعد مسافة قصيرة، فخرج مسرعًا وهو يلهث .

“ست عشرة خطوة … درجة D. ”

لم تتغير تعابير الشيوخ .

دخل طفل آخر، وتقدم أبعد قليلًا .

“عشرون خطوة … درجة C. ”

اعطى السيخ إيماءة خفيفة، لا أكثر .

النتائج توالت، ومع كل نتيجة كان الجو يصبح أكثر هدوءًا، كأن العشيرة اعتادت المتوسط .

ثم جاء الاسم الذي أعاد التوتر إلى الساحة .

“فانغ يوان . ”

انتشرت الهمسات بين الحاضرين، فالعائلة لها تاريخ، وكثيرون كانوا ينتظرون ظهور عبقري جديد يعيد مجدها، وبعض الشيوخ تبادلوا النظرات دون كلام، لأنهم أيضًا كانوا يتوقعون شيئًا مختلفًا .

دخل فانغ يوان إلى الماء بخطوات ثابتة، لم يظهر على وجهه توتر أو طموح ظاهر، وكأن النتيجة لا تعنيه، لكن النهر لا يهتم بالمشاعر، بل يقيس فقط .

تقدم خطوة، ثم أخرى، ومع كل خطوة كان الضغط يزداد، وعندما وصل إلى مسافة معينة، بدأ جسده يتباطأ، ثم توقف، وبعد لحظةقصيرة خرج من الماء بهدوء .

سُجلت المسافة .

“سبع وعشرون خطوة … درجة C. ”

ساد الصمت للحظة قصيرة، ثم بدأت النظرات تتغير .

لم تكن النتيجة سيئة، لكنها لم تكن استثنائية، ودرجة C تعني أن بحر الجوهر البدائي محدود نسبيًا، وأن التقدم سيكون بطيئًامقارنة بمن يملكون درجات أعلى، وأن الوصول إلى الرتبة الثالثة يحتاج جهدًا مستمرًا ودعمًا دقيقًا .

قال أحد الشيوخ : “ للأسف . ”

وقال آخر ببرود: “الموهبة تحدد السقف، لا الإرادة . ”

حيث توالت همسات كثيره ، لقد خيب فانج يوان توقعاتهم ، لكن هذا الشيطان لم يهتم بهم ، و لا لتوقعاتهم ، ففي النهايه فانج يوان لديه خططه الخاصه .

التوقعات التي ارتفعت سقطت بهدوء، وتحول الاهتمام إلى الاسم التالي .

“فانغ تشنغ . ”

دخل الأخ التوأم الماء، ومنذ الخطوات الأولى بدا الفرق واضحًا، فقد كان يتحرك بثبات أكبر، وكأن ضغط النهر لا يضغط عليه بالقدرنفسه، ومع كل خطوة تجاوز المسافة التي توقف عندها أخوه، واستمر، حتى بدأ بعض الشيوخ يعتدلون في جلستهم .

“أربع وأربعون خطوة … درجة A. ”

هذه المرة لم يكن هناك صمت، بل تغير حقيقي في الجو، فدرجة A تعني بحر جوهر واسع جدًا، وسعة تمكن صاحبه من تخزين كمية كبيرة من الجوهر البدائي، وتعني تعافيًا أسرع، وتقدمًا أسرع في التدريب، وفرصة حقيقية للوصول إلى الرتبة الرابعة وربماأبعد إن توفرت الموارد المناسبة .

قال أحد الشيوخ : “هذا هو أمل العشيرة لهذا الجيل . ”

وأضاف آخر: “سنركز عليه من الآن . ”

الفارق بين الأخوين أصبح واضحًا في أعين الجميع، فالضوء انتقل من أحدهما إلى الآخر في لحظة واحدة .

ثم جاء دوري .

يزن (لي شين) .

تقدمت إلى ضفة النهر، وأحسست ببرودة الماء تلامس قدمي، لكن عقلي كان هادئًا، فأنا أعرف أن النتيجة لن تكون عادية، لكنني لاأريد أن تكون استثنائية أكثر من اللازم .

دخلت الماء، وكل خطوة كانت تزيد الضغط تدريجيًا، شعرت ببحر الجوهر داخلي يهتز لكنه لم ينهار، ومع كل تقدم كنت أوازن بين التحمل والحذر، لأن الإفراط في التقدم قد يؤدي إلى إصابة، والتراجع المبكر يعني نتيجة أقل .

عندما بدأت المقاومة تزداد بوضوح، دفعت نفسي خطوة إضافية، ثم أخرى، ثم توقفت قبل أن يتجاوز الأمر حدود السيطرة .

سُجلت المسافة .

“ثمانٍ وثلاثون خطوة … درجة B. ”

لم يكن هناك انفجار حماس كما حدث مع A ، لكن الاهتمام كان جادًا .

قال أحد الشيوخ: “درجة B تعني أساسًا قويًا، بحر جوهر مستقر وسعة جيدة، وتقدمًا متوازنًا . ”

وقال آخر: “سيصل إلى الرتبة الثالثة بسهولة إن لم يهدر جهده . ”

درجة B ليست كنزًا نادرًا، لكنها أفضل بكثير من C ، فهي تمنح صاحبها توازنًا بين الإمكانية والاستقرار، وتضعه ضمن النخبةالمتوسطة العليا في العشيرة، دون أن تجعله تحت ضغط الضوء الساطع .

خرجت من النهر، والماء يقطر من ملابسي، لكن داخلي كان هادئًا، فقد رأيت بوضوح كيف تُصنع القيمة في هذا العالم، وكيف تتحول النظرات لخيبات أمل خلال لحظات، وكيف يُعاد ترتيب الناس وفق رقم واحد .

فانغ تشنغ أصبح محور الضوء .

فانغ يوان عاد إلى الخلفية .

وأنا، (لي شين)، أصبحت في المنطقة الرمادية، حيث يمكن للمرء أن ينمو دون أن يُحاصر، ويتحرك دون أن يُستهدف .

وفي عالم غو، أحيانًا …

البقاء في الظل ليس ضعفًا .

بل فرصة .

2026/02/21 · 53 مشاهدة · 842 كلمة
يزن
نادي الروايات - 2026