حلّ الليل على جبل تشينغ ماو ببطء، وكانت القرية هادئة على السطح، لكن تحت هذا الهدوء كانت عقول تتحرك، وخطط تُرسم، وطموحات تولد دون صوت. داخل غرفته الضيقة جلس (لي شين) متربعًا، وأغلق عينيه، وبدأ يغوص إلى الداخل، إلى بحر الجوهر البدائي الذي أصبح يشعر به بوضوح منذ يوم الاستيقاظ، ذلك البحر الذي يمثل جوهر وجود أي مزارع غو، لأنه في هذا العالم لا تُقاس قيمة الإنسان بقوته الجسدية ولا بذكائه المجرد، بل بسعة بحر الجوهر الذي يحمله داخله، فكل دودة غو تحتاج إلى جوهر لتعمل، وكل تقنية تعتمد على نقاء ذلك الجوهر واستقراره، وكل تقدم في الرتبة هو عملية صقل وتوسيع لهذا البحر.
كان بحر (لي شين) من درجة B، سعة جيدة تمنحه انطلاقة مستقرة، فلا هو محدود كأصحاب الدرجة C الذين يعانون من نقص دائم في الجوهر ويضطرون إلى الحساب الدقيق لكل استخدام، ولا هو غامر كسعة الدرجة A التي تسمح بتدفق شبه حر للطاقة، لكنه كان يعلم أن الدرجة ليست سوى البداية، لأن كثيرًا من أصحاب الدرجة العالية يفسدهم الغرور، بينما من يفهم طبيعة الجوهر البدائي يدرك أن الكفاءة أهم من السعة، وأن السيطرة أهم من الامتلاء، فجوهر نقي يُستخدم بحساب قد يتفوق على بحر واسع يُهدر بلا وعي.
وبينما كان يراقب حركة الجوهر داخل كيانه، تذكر الخطوة التالية في مسار الأحداث، الخطوة التي ستبدأ فعليًا تحرك فانغ يوان في الظل، وهي السعي وراء ميراث راهب زهرة الخمر، ذلك الراهب الغامض الذي ترك خلفه إرثًا مخفيًا في أحد كهوف الجبل، إرث لم يكن كنزًا تقليديًا من الموارد فحسب، بل كان اختبارًا للشخصية، لأن الوصول إليه يتطلب الجرأة، والمكر، والاستعداد لتجاوز الخطوط التي يتردد الآخرون في عبورها، وفانغ يوان، بخبرته التي تمتد لخمسمئة عام، يعرف تمامًا متى يتحرك، ومتى يخلق الفوضى ليغطي على خطواته.
(لي شين) لم يكن ينوي اعتراض طريقه، ولم يكن يفكر في منافسته على ذلك الميراث، لأن الدخول في صراع مباشر الآن سيكون انتحارًا بطيئًا، ففانغ يوان في هذه المرحلة يبدو شابًا بموهبة درجة C، لكنه يحمل عقل رجل عاش حروبًا وخيانات لا تُحصى، وأي تدخل غير محسوب سيجعله يُصنَّف كتهديد مبكر، والتهديدات في عالم غو لا تُترك لتنمو. لذلك كان قراره واضحًا: يترك فانغ يوان يسير نحو ميراث راهب زهرة الخمر كما حدث في المسار الأصلي، بينما يبني هو طريقًا موازيًا لا يعتمد على خطى غيره.
لكن ترك الطريق لا يعني تجاهل الدرس، لأن ميراث راهب زهرة الخمر لم يكن مجرد مجموعة ديدان غو، بل كان مثالًا حيًا على فلسفة الاستفادة من الثغرات، فقد استغل فانغ يوان جهل العشيرة، وتلاعب بتوقعاتهم، وخلق ظروفًا تخدم هدفه دون أن يظهر طموحه علنًا، وهذا بحد ذاته درس أعمق من أي كنز، لأن من يريد الوصول إلى مرتبة سيد غو خالد لا يمكنه الاعتماد على القوة الخام وحدها، بل عليه أن يفهم كيفية استغلال النظام نفسه.
ومع هذا الفهم بدأت فلسفة (لي شين) تتغير ببطء، فهو لم يعد يرى الأمر كقصة يقرأها من الخارج، بل كسلسلة قرارات تحدد مصيره الحقيقي، وإذا كان هدفه النهائي هو تجاوز حدود الموت والوصول إلى الخلود، فعليه أن يتخلى عن بعض التصورات البسيطة عن الخير والشر، لأن هذا العالم لا يكافئ الطيبة، بل يكافئ الفاعلية، ولا يعاقب القسوة إن كانت مدروسة، بل يعاقب الضعف فقط. لم يكن يريد أن يصبح نسخة من فانغ يوان، لكنه بدأ يدرك أن جزءًا من فلسفته ضروري للبقاء، وأن البرود في اتخاذ القرار ليس شرًا بحد ذاته، بل أداة.
جلس مستقيمًا وأعاد تركيزه على بحر الجوهر داخله، وتخيل مسارات غير متوقعة يمكن أن يسلكها، فبدلًا من السعي وراء الموارد الشهيرة التي يعرفها الجميع، يمكنه البحث عن موارد جانبية مهملة، وبدلًا من الدخول في صراعات مبكرة، يمكنه التركيز على تحسين كفاءة استخدام الجوهر، لأن من يقلل الهدر يزيد المدى، ومن يزيد المدى يملك وقتًا أطول للتخطيط، والزراعة في جوهرها ليست اندفاعًا، بل تراكمًا بطيئًا ومدروسًا.
كان يفكر أيضًا في كيفية بناء شبكة علاقات لا تقوم على الثقة العمياء، بل على المصالح المتبادلة، لأن الاعتماد الكامل على الذات مستحيل في عالم معقد كهذا، لكن الاعتماد غير المشروط على الآخرين أخطر، ولذلك بدأ يخطط لبناء صورة خارجية هادئة، مزارع مجتهد بدرجة B يسير بخطوات ثابتة، بينما في الداخل يحسب كل احتمال، وكل مسار قد ينحرف عن الخط الأصلي.
في مكان ما من الجبل، كان فانغ يوان يتحرك نحو خطته الخاصة، يضع حجر الأساس لأول إرث سيحصل عليه في حياته الجديدة، بينما (لي شين) كان يضع حجرًا آخر في طريق مختلف، طريق لا يتقاطع الآن، لكنه قد يلتقي في المستقبل عند نقطة لا يتوقعها أحد، لأن الرواية التي كان يعرفها لم تعد نصًا ثابتًا، بل عالمًا حيًا يتغير مع كل قرار.
ومع هذا الإدراك، لم يعد سؤاله هو كيف يتجنب أن يصبح شريرًا، بل كيف يستخدم القسوة عند الحاجة دون أن يفقد هدفه، وكيف يحافظ على رؤيته بعيدة المدى دون أن يغرق في تفاصيل الصراعات الصغيرة، لأن الخلود لا يُنال بخطوة واحدة، بل بسلسلة طويلة من الخيارات الصعبة.
وفي تلك الليلة، بينما كان الضباب يعود ليلتف حول قمم الجبل، أدرك (لي شين) أن أول تحول حقيقي داخله لم يكن في سعة بحر الجوهر، بل في طريقته في التفكير، لأنه بدأ يرى العالم ليس كصراع بين الخير والشر، بل كساحة احتمالات، ومن يحسن اختيار احتماله… يعيش أطول.