في الأيام التي تلت إعلان درجات الموهبة لم تهدأ أجواء الأكاديمية، لأن النظرات بين الطلبة لم تعد عفوية كما كانت في البداية، بل أصبحت محملة بتقييمات صامتة، يقيس فيها كل واحد مكانه بين الآخرين، ويبحث عن أي إشارة تدل على من سيكون في المقدمة ومن سيتراجع تدريجيًا إلى الخلف، ومع أن التدريب اليومي استمر بوتيرة ثابتة، إلا أن الجميع كان يعلم أن المرحلة التالية ستحدد المسار الحقيقي لكل واحد منهم.
اختيار الغو الحيوي.
في عالم غو، لا يُعد هذا الاختيار خطوة تدريبية عابرة، بل يُعد لحظة تأسيس، لأن الغو الحيوي يرتبط ببحر الجوهر البدائي ارتباطًا وثيقًا، ويصبح جزءًا من دورة الطاقة الداخلية، يؤثر فيها ويتأثر بها، ومع مرور الوقت يبدأ في تشكيل أسلوب القتال، وطبيعة الاستهلاك، وحتى طريقة التفكير في المواجهة، ولهذا فإن الخطأ في هذه المرحلة لا يُصحح بسهولة، بل يظل عبئًا طويل الأمد.
وقف الطلبة في القاعة المخصصة للاختيار، وكانت عدة ديدان غو من الرتبة الأولى معروضة أمامهم، بعضها دفاعي، بعضها داعم، وبعضها هجومي مباشر، وكل دودة تحمل خصائص واضحة، لكن أثرها المستقبلي لا يظهر إلا لمن يفكر أبعد من اللحظة الحالية، وكان الشيوخ يراقبون بصمت، لا للتدخل، بل لتسجيل ملاحظات دقيقة عن طبيعة قرارات هذا الجيل.
كان (لي شين) يقف في منتصف الصف، نظره ثابت، أنفاسه متزنة، بينما كان عقله يعمل بسرعة مختلفة عن الآخرين، لأنه يعرف أن الغو الحيوي ليس مجرد أداة، بل نقطة انطلاق، وهو يعلم أيضًا أن عشيرة غو يوي تشتهر بمسار ضوء القمر، وأن دودة ضوء القمر ليست مجرد غو هجومية بسيطة، بل أساس لسلسلة تطورات يمكن أن تمتد إلى مراحل أعلى إذا أُديرت بذكاء.
دودة ضوء القمر.
غو هجومية من الرتبة الأولى، قادرة على إطلاق شفرة ضوء رفيعة وحادة، تعتمد في فعاليتها على نقاء الجوهر البدائي ودقة التحكم، وتتميز بانخفاض نسبي في الاستهلاك مقارنة ببعض الغو الهجومية الأخرى، ما يجعلها خيارًا متوازنًا بين القوة والكفاءة، لكن أهميتها الحقيقية لا تكمن في قدرتها اللحظية، بل في قابليتها للتطوير، إذ يمكن دمجها لاحقًا مع ديدان أخرى لتكوين نسخ أقوى وأكثر تعقيدًا.
بالنسبة لمعظم الطلبة، كان اختيارها بدافع الانتماء إلى تقليد العشيرة أو الرغبة في امتلاك قدرة هجومية مباشرة، لكن بالنسبة إلى لي شين، كان القرار مبنيًا على طبقات أعمق من الحساب، لأنه يدرك أن موهبته من الدرجة B تمنحه استقرارًا جيدًا في الرتبة الأولى والثانية، لكنه لا يمنحه تفوقًا ساحقًا، ولهذا فهو بحاجة إلى غو يمكنها أن تستفيد من الكفاءة أكثر من اعتمادها على القوة الخام.
لو اختار غو دفاعية بحتة، سيُطيل أمد المواجهة دون ضمان الحسم.
ولو اختار غو داعمة بالكامل، سيصبح معتمدًا على الآخرين في المعارك الجماعية.
أما دودة ضوء القمر، فهي تمنحه القدرة على إنهاء الاشتباك بسرعة إذا استُخدمت بدقة، وفي الوقت ذاته لا تستنزف بحر جوهره بسرعة كارثية، وهو أمر بالغ الأهمية في هذه المرحلة المبكرة حيث كل قطرة طاقة محسوبة.
تقدم بخطوة ثابتة، ومد يده نحو الدودة.
لم يكن في حركته تردد، لأن قراره اتُخذ مسبقًا، وحين أُذن له بدمجها، أطلق خيطًا من الجوهر البدائي من بحرِه، ليلتف حول جسد الدودة، ومع لحظة الاندماج شعر بتيار بارد وخفيف يمر في داخله، ليس كصدمة مفاجئة، بل كتناسق جديد أُضيف إلى دورته الداخلية، وكأن بحر الجوهر الذي كان مستقرًا بدأ يكتسب محورًا واضحًا يدور حوله.
لم يكن الشعور عاطفيًا.
بل عمليًا.
بدأ يدرك مباشرة كيف يمكنه تشكيل شفرة الضوء، وكيف يجب أن يضبط تدفق الجوهر كي لا يهدر طاقة زائدة، وكيف أن أدنى اضطراب في التركيز سيؤدي إلى تشوه في المسار أو ضعف في الحدة، وهذا الإدراك الفوري أكد له أن اختياره لم يكن عشوائيًا، بل منسجمًا مع طبيعته الهادئة القائمة على الحساب.
في الطرف الآخر من القاعة، كان بعض الطلبة قد اختاروا غو مختلفة، وكل واحد منهم بدا مقتنعًا بخياره، لكن الفارق الحقيقي لن يظهر اليوم، بل عندما تبدأ الاختبارات العملية، وعندما يُطلب منهم استخدام غوهم الحيوي تحت ضغط حقيقي، حيث يتكشف الفرق بين من يملك أداة ومن يفهم أداة.
خرج لي شين من القاعة وهو يشعر بثقل جديد ومسؤولية جديدة، لأنه يعلم أن الغو الحيوي ليس سلاحًا يمكن استبداله بسهولة، بل شريكًا طويل الأمد، وكل تطوير لاحق، وكل دمج مستقبلي، وكل مسار سيسلكه، سيكون مرتبطًا بهذه اللحظة، بهذه الدودة الصغيرة التي تسكن الآن بحرًا محدود السعة، لكنها قد تصبح يومًا نواة لقوة أكبر.
هو لم يختر أقوى غو في الرتبة الأولى.
لكنه اختار غو يمكن أن تنمو معه.
وفي عالم غو، حيث الموارد نادرة والفرص محدودة، فإن القدرة على النمو المتدرج قد تكون أكثر قيمة من قوة لحظية تخبو سريعًا.
أما القتال الحقيقي…
فلم يبدأ بعد.
لكن حين يبدأ،
سيكون ضوء القمر أول ما يلمع من بين الظلال.