بعد أن اندمجت دودة ضوء القمر في بحر جوهره البدائي لم يشعر (لي شين) بقفزة مفاجئة في قوته، ولم يتغير العالم من حوله كما يتخيل بعض المبتدئين حين يحصلون على أول غو حيوي، بل كان التغير أدق من أن يُرى بالعين، وأعمق من أن يُفهم بالسطح، لأن ما حدث لم يكن زيادة في القوة بقدر ما كان بداية علاقة طويلة بين بحر محدود السعة ودودة ستنمو معه أو ستقيده إن أساء استخدامها.
في الأيام التالية، بدأت الأكاديمية مرحلة التدريب العملي على استخدام الغو الحيوي، حيث طُلب من كل طالب أن يطلق قدرته في نطاق مخصص تحت إشراف المعلّم، ليس لإظهار القوة، بل لاختبار التحكم، لأن إطلاق شفرة ضوء القمر أمر بسيط نسبيًا، لكن ضبط سماكتها، ومدتها، وحدتها، دون هدر غير ضروري في الجوهر، هو الفارق الحقيقي بين مزارع هاوٍ وآخر يفهم ما يفعل.
حين جاء دوره، مدّ لي شين وعيه إلى بحر جوهره، واستشعر دودة ضوء القمر وهي مستقرة في مركز الدوران الداخلي، ثم حرّك تيارًا محسوبًا من الجوهر نحوها، فانبثقت شفرة ضوء رفيعة، مستقيمة، لا تهتز ولا تتشوه، قطعت هدف التدريب أمامه بخط نظيف، دون أن تترك ذبذبات زائدة في الهواء، وعند انطفائها لم يشعر بفراغ مفاجئ في بحرِه، بل بانخفاض منضبط يمكن تعويضه خلال وقت قصير.
لم يكن العرض مبهرًا.
لكنه كان نظيفًا.
وذلك ما أراده.
في الجهة الأخرى من الساحة، كان بعض الطلبة يطلقون شفرات أعرض وأقوى ظاهريًا، لكنها تستهلك مقدارًا أكبر من الجوهر، ويظهر أثر ذلك سريعًا في وجوههم حين يتباطأ تعافيهم، أما (فانغ يوان) فكان أداؤه مختلفًا بطبيعته، لأنه لم يسعَ إلى استعراض الحدة أو الاتساع، بل أطلق ضربته في لحظة دقيقة، بكثافة مركزة، وكأنه يختبر حدود الاستهلاك أكثر مما يختبر قوة القطع، وهو تصرف لا يلاحظه إلا من يفهم أن المعركة الحقيقية ليست في الهدف الخشبي أمامهم، بل في إدارة الطاقة داخليًا.
كان لي شين يراقب هذا الفارق جيدًا، لأنه يعلم أن فانغ يوان لا يتدرب ليصبح أفضل في الأكاديمية، بل ليتأكد أن كل أداة في يده ستخدم خطة أكبر، خطة بدأت ملامحها تتشكل بصمت، خاصة مع اختفائه المتكرر في أوقات محددة، وابتعاده عن بعض المجموعات التي كانت تحاول التقرب منه أو استغلاله.
لم تكن الشائعات قد انتشرت بعد، لكن الجو تغير قليلًا، كأن هناك خيطًا غير مرئي بدأ يُسحب من تحت السطح، ولي شين، بصفته قارئًا يعرف ما سيأتي، أدرك أن المرحلة التالية لن تكون تدريبًا روتينيًا، بل بداية تحرك حقيقي نحو شيء مخفي في الجبل، شيء لن يغير مسار شخص واحد فقط، بل سيؤثر في توازن العشيرة بأكملها.
ومع ذلك، لم يسمح لنفسه بالانجرار خلف فضول مبكر، لأنه فهم أن دخوله في مسار لا يملك فيه أفضلية واضحة قد يحوله إلى حجر إضافي في لعبة أكبر، ولهذا قرر أن يركز على بناء فارق صغير خاص به، فارق لا يُرى الآن، لكنه سيتراكم مع الوقت.
بدأ يختبر دودة ضوء القمر بطرق مختلفة، لا من حيث القوة فقط، بل من حيث زاوية الإطلاق، سرعة التشكيل، مدة الثبات قبل الانطفاء، وتأثير الضغط النفسي على دقة التوجيه، لأنه اكتشف أن الشفرة ليست مجرد خط من الضوء، بل امتداد مباشر لثبات العقل، وكل اضطراب داخلي ينعكس في اهتزاز طفيف قد يكون قاتلًا في مواجهة حقيقية.
كما لاحظ أمرًا مهمًا، وهو أن دودة ضوء القمر تستجيب لنقاء الجوهر أكثر مما تستجيب لحجمه، فكلما كان التدفق أنقى وأقل اضطرابًا، كانت الشفرة أكثر حدة رغم أنها أضيق، وهذا الاكتشاف عزز قناعته بأن طريقه لن يكون في توسيع البحر فقط، بل في تحسين ما يجري داخله، لأن الكثافة قد تعوض السعة في مراحل معينة، على الأقل حتى يصل إلى حدود جديدة.
وفي أحد الأيام، أثناء تدريب جماعي، طُلب منهم إطلاق شفراتهم على أهداف متحركة تحاكي وحوشًا برية، وهنا ظهر الفارق بين من يعتمد على رد الفعل ومن يسبق الحركة بخطوة، وقد تعمد لي شين ألا يكون الأسرع ولا الأبطأ، بل أن يضبط توقيته بحيث تبدو إصاباته نتيجة مهارة مستقرة لا قفزة استثنائية، لأنه لا يريد أن يلفت انتباهًا زائدًا، خاصة في مرحلة بدأ فيها بعض الشيوخ يراقبون الجيل الجديد بعين أدق.
فهو يعلم أن العشيرة ليست ساذجة، وأن أي تميز غير مبرر قد يثير تساؤلات لا حاجة لها الآن، خصوصًا وأن تحركات خفية بدأت تتشكل في أطراف الجبل، تحركات ستقود قريبًا إلى اكتشاف ميراث لن يبقى سرًا طويلًا.
في المساء، عاد إلى غرفته وجلس يتأمل بحر جوهره، مستشعرًا استقرار دودة ضوء القمر في مركزه، وفكر في المسار الذي يسير عليه، مسار لا يتعارض مع مجرى الأحداث، لكنه لا يذوب فيه بالكامل، لأنه لا يسعى لأن يكون ظلًا بلا تأثير، ولا شرارة تحرق نفسها مبكرًا، بل يريد أن يكون خطًا هادئًا يمتد طويلًا، حتى إذا جاء اليوم الذي تشتعل فيه العشيرة بأكملها، ويُجبر الجميع على الخروج من الجبل، يكون قد بنى ما يكفي ليقف وسط الفوضى دون أن ينهار.
أما الآن…
فهو ما يزال في مرحلة الضوء الأول.
والظل…
ينتظر.