منذ أن بدأ فانغ يوان بجمع الأحجار البدائية من الطلبة، تغيّر الجو داخل الأكاديمية ببطء ولكن بثبات، فلم يعد الخروج بعد الدروس لحظة عادية، بل أصبح عبورًا محسوبًا، وكل طالب كان يفكر قبل أن يخطو نحو الممر الضيق المؤدي إلى الخارج، لأن هناك احتمالًا أن يتوقف أمامه شخص لا يطلب، بل يأخذ.

لم يكن الأمر سريًا، ولم يكن شائعة مبالغًا فيها، بل حقيقة شاهدها الجميع، فالأحجار البدائية التي يحملها الطلبة معهم كانت عصب تدريبهم، ومن يخسرها يخسر أيامًا من التقدم، ومع ذلك لم يتجرأ أحد على رفع الأمر للشيوخ، لأن الاعتراف بالنهب يعني الاعتراف بالعجز، والعجز في عالم غو وصمة ثقيلة.

كان (لي شين) يراقب كل ذلك بصمت، لا بدافع الفضول فقط، بل بدافع الحساب، فهو يعرف أن فانغ يوان لا يتحرك عشوائيًا، وأن تسارع تقدمه لم يأتِ من فراغ، بل من موارد تتدفق باستمرار إلى يده، ومن إرادة لا تتردد في انتزاع ما تحتاجه.

في ذلك اليوم، خرج لي شين من الأكاديمية متأخرًا قليلًا، بعد أن أنهى جولة طويلة من تدوير البحر البدائي داخله، ولم يكن يملك سوى عدد محدود من الأحجار، لكنه كان يعتمد عليها لضبط وتيرة تدريبه خلال الأيام القادمة، ولم يكن مستعدًا للتفريط بها بسهولة، ومع ذلك كان يعلم في أعماقه أن الاحتمال قائم.

عندما وصل إلى الممر، كان فانغ يوان يقف هناك بالفعل، لا يختبئ، ولا يتظاهر بعدم الاهتمام، بل يقف بثبات من اعتاد أن يُفسح له الطريق، وعيناه تتحركان ببرود، تقيّمان كل من يمر.

توقّف لي شين أمامه.

لم يكن هناك جمهور.

ولم يكن هناك صخب.

فقط صمت قصير ثقيل.

مدّ فانغ يوان يده وقال بهدوء ثابت:

"أحجارك."

لم يكن في صوته تهديد ظاهر، لكنه لم يكن طلبًا قابلًا للنقاش، بل كان إعلانًا بأن الموقف قد حُسم مسبقًا.

في تلك اللحظة، لم يشعر لي شين بالإهانة بقدر ما شعر بالوضوح، فقد راقب الأيام الماضية بما يكفي ليفهم الفارق بينه وبين من يقف أمامه، ليس فقط في التحكم بدودة ضوء القمر، بل في الجرأة على استخدامها بلا تردد، وفي القدرة على اتخاذ القرار دون أن يلتفت للخلف.

كان بإمكانه أن يستدعي دودة ضوء القمر الخاصة به.

كان بإمكانه أن يرفض.

لكن ماذا بعد الرفض؟

اشتباك قصير، إصابة محتملة، وربما تدخل أحد الحراس، وربما تسجيل اسمه كمثير شغب، وفي النهاية، حتى لو تبادلا الضربات، فإن ميزان الاستفادة لن يكون في صالحه، لأن فانغ يوان يملك خبرة أعمق في القتال، وتحكمًا أدق في التوقيت، والأهم من ذلك أنه مستعد لدفع ثمن التصعيد، بينما لي شين لم يكن كذلك بعد.

مرت هذه الحسابات في ذهنه خلال لحظة قصيرة جدًا، ثم أدرك حقيقة بسيطة:

المعركة الآن لا تستحق.

أخرج الأحجار البدائية من جيبه بهدوء، ووضعها في يد فانغ يوان دون كلمة إضافية.

لم ينظر بعيدًا.

ولم يطأطئ رأسه.

بل نظر إليه مباشرة، نظرة لا تحمل تحديًا، ولا تحمل خضوعًا كاملًا، بل تحمل اعترافًا مؤقتًا بميزان القوة.

أخذ فانغ يوان الأحجار، وتأملها لحظة، ثم قال بنبرة خالية من الانفعال:

"حسن."

لا سخرية.

ولا تهديد.

ثم مرّ بجانبه وغادر، كما لو أن ما حدث مجرد خطوة طبيعية ضمن نظام غير مكتوب.

بقي لي شين واقفًا للحظات، يشعر بفراغ خفيف في جيبه، لكنه لم يشعر بالاندفاع العاطفي الذي توقعه، بل شعر بشيء أقرب إلى الدرس، لأن هذا العالم لا يمنح الموارد لمن يملك النية الطيبة، بل لمن يملك الجرأة على الأخذ، ومن لا يستطيع المواجهة الآن عليه أن يقبل الخسارة ويعيد الحسابات.

عاد إلى مسكنه تلك الليلة بلا أحجار، وجلس يتأمل بحره البدائي، يديره ببطء دون دعم خارجي، مدركًا أن تقدمه سيتباطأ قليلًا، وأن الفجوة بينه وبين فانغ يوان قد تتسع، لكنه في المقابل حصل على فهم أعمق لما يعنيه أن تكون في هذا الجبل.

القوة ليست في عدد الضربات التي تطلقها، بل في اختيار اللحظة التي تطلق فيها.

ولو اختار القتال الآن، لكان قتالًا بدافع الكرامة فقط، أما هو فكان يريد شيئًا أبعد من الكرامة المؤقتة.

في جبل تشينغ ماو، البقاء ليس لمن يصرخ أولًا، بل لمن يعرف متى يخسر… كي لا يخسر كل شيء.

2026/02/21 · 35 مشاهدة · 624 كلمة
يزن
نادي الروايات - 2026