*
---
انسحبت عشيرة السينجو من البحيرة ببطء، لكن بوتسوما لم يترك ابنه خلفه.
_قال بوتسوما بصوتٍ لا يقبل الجدال:_
"هاشيراما. معنا. الآن."
_نظر هاشيراما إلى إيثان وفيلكس نظرة اعتذار سريعة، ثم مشى خلف أبيه._
مادارا وقف مكانه، يشاهد المشهد بصمت. لم يتحرك.
فيلكس همس لإيثان:
"ده مش وداع لطيف."
_أجاب إيثان وهو يحدق في ظهر هاشيراما:_
"لسه ما انتهيناش."
---
*بعد نصف ساعة – داخل معسكر السينجو*
الخيام منصوبة على أرض مرتفعة، والنار مشتعلة في المنتصف.
داخل خيمة القيادة، وقف الثلاثة: بوتسوما، هاشيراما، وتوبيراما.
الهواء ثقيل، لا صوت إلا لطقطقة الحطب.
_جلس بوتسوما على الأرض، وأشار لهاشيراما أن يجلس:_
"تكلم.
من هما؟ وماذا فعلا بك حتى تقف بيني وبين الأوتشيها كأنك لا تعرفني؟"
_وقف هاشيراما، يده مضمومة بقوة:_
"أبي... اسمهما إيثان وفيلكس. شينغامي.
التقيت بهما اليوم عند البحيرة. لم أخطط لذلك."
_قال توبيراما وهو يعقد ذراعيه:_
"شينغامي؟ العشيرة التي اختفت قبل مائة عام؟
أو أنك صدقت خرافة؟"
_أجاب هاشيراما بسرعة:_
"ليست خرافة. رأيت تشاكراه بعيني.
باردة... زرقاء... أثقل من أي شيء شعرت به.
وحين وقفوا بينكما، لم يهربوا.
لم يطلبوا الرحمة. قالوا: إن هاجمتم، فلا تلومونا."
_ضرب بوتسوما الأرض بكفه:_
"ولهذا وقفت معهم؟
لأنهم شجعان؟
هاشيراما، أنت وريث السينجو. قلبك الطيب سيقتلك."
_خفض هاشيراما رأسه، ثم رفعه فجأة:_
"لا!
وقفت لأنني للمرة الأولى منذ سنوات لم أشعر أنني أقاتل.
شعرت أنني أتكلم مع بشر."
_صمت توبيراما لحظة، ثم قال بهدوء أخطر من الصراخ:_
"وتلك هي المشكلة.
العدو الذي تتكلم معه، يطعنك وأنت مطمئن."
_نظر هاشيراما إلى أخيه:_
"وتوبيراما، أنت ترى العدو في كل من لا يحمل اسمنا.
هل هذا كل ما تعلمته؟"
_اشتدت ملامح توبيراما:_
"تعلمت أن من يحمي أخاه، لا يتركه يذهب مع الغرباء عند بحيرةٍ مقدسة دون حراسة."
_تدخل بوتسوما ليوقف الجدال قبل أن ينفجر:_
"يكفي."
ساد الصمت.
صوت النار وحدها هو ما كان يتكلم.
_قال بوتسوما وهو ينظر إلى ابنه الكبير:_
"هاشيراما، أنا لا أمنعك من مقابلة وريث الشينغامي.
إن كان حقًا ما تقول، فقد يكون ورقة نلعبها ضد الأوتشيها يومًا ما.
لكن اسمعني جيدًا."
_اقترب منه حتى صار صوته همسًا، لكنه أثقل من الصراخ:_
"ابتعد عن مادارا أوتشيها.
لا لقاء، لا كلام، لا صداقة.
الدم بيننا وبينهم أقدم من عمرك.
إن عرف تاجيما أنك تقابله سرًا، ستنشب الحرب غدًا، ولن نستطيع إيقافها."
_ارتجف هاشيراما:_
"أبي... مادارا ليس مثل أبيه.
هو..."
_قاطعه بوتسوما:_
"هو أوتشيها.
وهذا يكفي."
_نظر هاشيراما إلى الأرض. صوته كان مكسورًا لكنه ثابت:_
"إذن أنت تأمرني أن أختار بين عشيرتي وبين من أعتبره صديقًا؟"
_أجاب بوتسوما بلا تردد:_
"أنا أأمرك أن تختار عشيرتك.
لأنك إن لم تفعل، فلن يبقى لك عشيرة ولا أصدقاء."
_تدخل توبيراما أخيرًا، وعيناه على أخيه:_
"وأنا سأراقبك، أخي.
إن ذهبت إليه مرة أخرى، سأعرف.
ولن أكون لطيفًا في المرة القادمة."
_رفع هاشيراما رأسه ببطء. قال بصوتٍ منخفض لكنه واضح:_
"فهمت، أبي.
_قال بوتسوما وهو يقف:_
"جيد.
غدًا عند الفجر، تدريبك مع توبيراما.
لن أسمح لك أن تضعف مرة أخرى."
خرج بوتسوما من الخيمة، وترك الأخوين وحدهما.
_التفت توبيراما إلى هاشيراما وقال ببرود:_
"أنت غبي، أتعلم ذلك؟
لو حدث شيء لك بسببهم، لن أسامح نفسي."
_ابتسم هاشيراما ابتسامةً متعبة:_
"وأنا لن أسامح نفسي إن صرت مثلك، لا أثق بأحد."
_تنهد توبيراما، ثم قال بصوتٍ أخفض:_
"احذر، هاشيراما.
الشينغامي... إن كانوا حقًا ما يقولون، فهم أخطر من الأوتشيها.
لا تنسَ ذلك."
ومشى وترك أخاه وحده مع النار.
---
*خارج الخيمة، هاشيراما رفع عينيه للسماء.*
_همس لنفسه:_
"مادارا... إيثان...
لماذا يجب أن أختار بينكما؟"
---
---
عادت البحيرة لسكونها، لكن قلب فيلكس كان يدق كالطبل المجنون.
جلس على الصخرة، يمسح العرق من جبينه بكمّه، وعينه ما بتفارق إيثان اللي واقف كأنه تمثال من جليد.
_قال فيلكس وهو يلهث:_
"أقسم بالله... كنت متأكد إننا هنموت النهاردة.
تاجيما وبوتسوما في مكان واحد ومش بيتقاتلوا؟ دي معجزة! لو حكيتها لحد هيقول عليّ كدّاب!"
إيثان ما التفتش. نظره ثابت على الطريق اللي اختفى فيه هاشيراما ومادارا.
_قال بصوت بارد:_
"ما اتقاتلوش عشان خافوا مني.
مش عشان احترموا بعض.
خافوا من المجهول.
والمجهول أخطر من ألف سيف."
فيلكس قعد جنبه، ورفع حاجبه:
"طب وإحنا؟
إحنا دلوقتي إيه؟ أعداء العشيرتين؟ حلفاء؟ ولا لعبة بيلعبوا بيها لحد ما يزهقوا؟"
ضحك إيثان ضحكة قصيرة، مفيهاش فرح، مجرد هواء بيطلع من صدره:
"إحنا الشينغامي.
والشينغامي مالهمش كرسي على طاولتهم.
يا إما نكسر الطاولة على دماغهم... يا إما هيكسروا رقابنا عليها."
سكت فيلكس لحظة، وبعدين همس:
"هاشيراما... شكله اتكسر لما أبوه خده.
ومادارا مشي وهو ساكت كأنه دفن حد.
تحس إن دي أول مرة يخافوا يخسروا حاجة."
إيثان بصله، وعينه ما فيهاش رحمة:
"مش مهم هم خايفين من إيه.
المهم إحنا هنعمل إيه بعد كده."
---
قبل ما فيلكس يرد، الهوا اتقلب.
نسمة باردة عدّت بينهم كأن قبر اتفتح.
الهدوء اللي كان مريح بقى خانق.
ومن نص البحيرة، طلعت شرارة صغيرة.
نار زرقا باهتة، قد كف الإيد، بتتراقص على وش المية كأنها حية.
فيلكس وقف مرة واحدة، وعينه اتسعت لحد ما حسها هتطلع من مكانها:
"إيثان... إنت شايف اللي أنا شايفه، ولا الدماغ بتودع؟"
إيثان شد جسمه كله، خطى خطوة لقدام، صوته نازل كالرعد:
"شايف.
وما تتحركش. ولا نفس."
النار الصغيرة ما كبرتش.
لكنها اتلمت على بعضها، اتكورت، واتشكلت في الهوا لحد ما بقت ورقة صفرا قديمة.
الحروف بتتحرق وهي بتتكتب، والأطراف سليمة.
وقفت قدامهم في الهوا كأن إيد خفية ماسكاها.
فيلكس بلع ريقه بصعوبة، صوته اتكسر:
"أنا... معرفش دي إيه.
سحر؟ تقنية سينجو؟ مقلب من الأوتشيها؟
قولي أي حاجة!"
إيثان اتلفتله فجأة، مسكه من ياقة قميصه وشدّه عليه لحد ما بقوا وش في وش.
_قال بصوت حاد يقطع:_
"انت فعلاً غبي!
أنا بسألك إيه دي، تقولي معرفش؟ انتى الى كتبت القصه
طب دلوقتي نعمل إيه؟ نلمسها؟ نهرب؟ نولع فيها ونخلص؟"
وش فيلكس احمر من الشد ومن الخضة، رفع إيده الاتنين بسرعة:
"اهدى! اهدى يا زعيم! أنا مستشارك، مش كيس ملاكمة!
سيبني أتنفس عشان المخ يشتغل!"
إيثان زقّه زقة خفيفة وسيبه، بس عينه ما اتحركتش من الورقة:
"فكر بسرعة.
لو دي فخ، معندناش فرصة تانية."
فيلكس عدل ياقته وهو بيكح، وبص للورقة كأنه بيبص لأفعى:
"ماشي... ماشي... بس لو في سُم جواها، أنا هشتمك وأنا بموت."
مد إيده ببطء، صوابعه بتترعش.
أول ما لمس الورقة، النار انطفت.
الورقة سقطت في إيده سليمة، دافية كأنها لسه طالعة من النار.
فتحها.
الخط متعجرف، مألوف، ويخلي الدم ينشف في العروق:
> *_"الزعيم يستدعيك. الآن.
> وحدك.
> – إيثان"__
رفع فيلكس راسه، وشه اتمحى منه الهزار لأول مرة:
"الزعيم يستدعيك، إيثان."
إيثان خد الورقة من إيده وقراها مرتين، تلاتة.
عقّد حواجبه لحد ما بقوا خط واحد:
"الزعيم؟
زعيم مين؟
إحنا معندناش زعيم هنا غيري أنا."
فيلكس تراجع خطوة لورا، وبلع ريقه تاني:
"انت نسيت أبوك... كاين؟"
الكلمة وقعت على إيثان كالصاعقة.
كرّ الورقة في إيده لحد ما اتهرّت، وعينه لمعت أزرق خفيف كأن الكيوبي بيصحى جواه:
"هو عايز مني إيه، فيلكس؟
أنا خايف أروح.
دي ريحتها دم.
اتتى ما كتبتش لابنه: تعال يا حبي.
أانتى بيلك كتبت: تعال يا سفاح.
الله ياخدك يا شيخ!"
فيلكس اتعدل ووقف قدامه، صوته اتشد:
"طب وإيه الخطة؟
نروح؟ مانروحش؟
أنا بقول نولع في الورقة ونختفي من هنا.
الجو بقى يخوف، والقلب مش مستحمل."
إيثان بص للبحيرة، للغابة، للطريق اللي ابتلع هاشيراما.
وبعدين بص لفيلكس وضحك ضحكة ساخرة:
"اه... عشان يجي هو ويخلص علينا احنا الاتنين؟
عبقري يا فيلكس. عبقري."
فيلكس صرخ، صوته اتكسر:
"نعم؟!
انت بتتكلم جد؟
أنت عايز تموتنا؟"
إيثان قرب منه، حط إيده على كتفه، والثقل في صوته يخلي الركب ترتجف:
"اسمع يا صاحبي.
انت اللي كتبت. انت اللي هتحل.
أنا مش هروح لأبوي إلا ومعايا رجلي على رجلك.
فاهم؟"
فيلكس فتح بقه، وقفله، وبعدين قال ببطء:
"ايثان... احنا ما اتفقناش على الموت."
إيثان ابتسم ابتسامة صغيرة، أول مرة فيلكس يشوفها.
كانت أخطر من تهديد.
_قال وهو يلف ويمشي ناحية الغابة:_
"كويس.
وأنا ما اتفقتش أبقى زعيم.
امشي قدامي يلا."
والورقة في إيده لسه دافية، كأنها نبض قلب ميت.
فيلكس وقف مكانه ثانيتين، شتم بصوت واطي، وبعدين جري وراه:
"والله لو متنا، ما حسمحك يا الكس....
---
الغابة بلعتهم، والبحيرة رجعت ساكنة.
بس المرة دي، السكون كان بيخبّي سكينة.
*