الفصل الأول: انتقال
---
صوت ركض أحصنة في غابة ممطرة.
كان وقع الحوافر يضرب الأرض الطينية المبللة بعنف، يتردد صداه بين جذوع الأشجار الضخمة التي يكسوها الطحلب الرطب. قطرات المطر تتساقط من فوق أوراق الأشجار الكثيفة، تنهمر على وجوه الفرسان كسياط باردة. رائحة التراب المبلل والخشب المتعفن تملأ الهواء، مختلطة برائحة عرق الخيول التي تلهث بقوة، وزبد أبيض يتطاير من أفواهها مع كل نفس. الطين يتناثر تحت الحوافر في رشقات بنية داكنة، تلتصق بسراويل الفرسان وأحذية الخيول على حد سواء.
قال شخص بصوت خشن، مشبع بالغضب واللهفة، يكاد يختنق برذاذ المطر: "هيا يا ماريا، أعطينا شارتك الملكية!"
كانت ماريا تلهث. أنفاسها متقطعة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة تحت ثوبها المبلل، ويداها ترتجفان حول لجام الحصان. الملابس ملتصقة بجسدها من المطر، والبرد يتسلل إلى عظامها كإبر رفيعة. أصابعها المتجمدة بالكاد تشعر بملمس الجلد الخشن للجام.
خرجوا ثلاثة سحرة، ثم ستة، ثم خمسة، وهرعوا عليها. أقدامهم تدوس الأغصان المتكسرة والأوراق المتساقطة بصوت طقطقة حادة. أيديهم تشع بتوهجات نارية برتقالية وحمراء، تنير ظلمة الغابة الممطرة وتخلق أضواءً مرتجفة على جذوع الأشجار المبللة. الحرارة المنبعثة منهم تتصادم مع برودة المطر، مكونة بخاراً خفيفاً يتصاعد حولهم في خيوط بيضاء تتبدد بسرعة.
قالت ماريا وهي تتراجع خطوة إلى الوراء، حصانها يصهل بقلق تحتها: "ليس لدي إلا هذا الحل."
أخرجت سيفها من غمده الجلدي، وكانت قبضته باردة ومبللة في يدها. أغلفت النصل بمانا الماء، فتدفق الضوء الأزرق الشفاف على طول المعدن اللامع، وبدأ السيف يشع بهالة مائية متلألئة. كان السيف طويلاً، لامعاً، وعليه آثار دماء قديمة جفت في خطوط بنية داكنة على طول الحد. الماء المتجمع على النصل بدأ يتساقط في قطرات صغيرة على الأرض الطينية.
هاجمها الساحر الأول بكرة نارية من المانا. اشتعلت الكرة بحجم رأس إنسان، حرارتها جعلت قطرات المطر تتبخر قبل أن تصل إليها في أزيز حاد، وأضاءت وجه ماريا بوميض برتقالي حاد. أزيزها كان كهدير نار مشتعلة، والهواء حولها تمزق بحرارة لافحة.
قطعت ماريا هجومه بسيفها الحاد. اندفعت للأمام، عضلات ساقيها تشدت تحت الملابس المبللة. ضربة سيفها شقت الكرة النارية، فتناثرت شظايا نارية في الهواء مثل شرر متطاير، وانطفأت في برك الماء على الأرض مع صوت فحيح. شظية صغيرة لامست ذراعها فحرقت قطعة صغيرة من القماش.
وماريا تضغط مياه حول سيفها كي تصبح ضربتها أقوى. الماء التف حول النصل بإحكام، يزداد كثافة وضغطاً، حتى أصبح السيف يهتز في يدها بقوة دافعة. قطرات ماء صغيرة تناثرت من الحد المشحون، لامعة كألماس تحت ضوء النار.
وضربت الساحر الأول بسيفها. شق السيف الهواء بصوت صفير حاد، واصطدم بجسد الساحر. صوت التمزق كان غليظاً، والدماء تناثرت حمراء داكنة، تختلط بالمطر وتتدفق على التراب في خطوط قانية. الساحر سقط على ركبتيه أولاً، ثم انهار وجهه في الطين.
قال الساحر الثاني ووجهه متجعد بالغضب، عيونه تشتعل بوميض ناري، وصوته يرتجف من الحقد: "أيها الخائنة، نحن عائلة لدينا سحر نار وأنتِ ماذا! سحر ماء!!"
ثم يضربها بإعصار ناري. اندلع الإعصار من يديه بلون برتقالي محمر، يدور بسرعة جنونية، يبتلع كل شيء في طريقه. الحرارة كانت خانقة، جعلت الهواء نفسه يهتز، وماريا شعرت بحرارة تلسع وجهها حتى من مسافة بعيدة. الأوراق المتساقطة حول الإعصار اشتعلت تلقائياً وتحولت إلى رماد أسود يذوب في المطر.
لكن البطلة تفادتها بصعوبة. قفزت جانباً، جسمها انثنى في الهواء، لكن طرف الإعصار لامس ذراعها فحرق قطعة من قماشها، وظهر جلد أحمر متقرح تحت القماش المحروق. شهقت من الألم، وأسنانها انطبقت على شفتها السفلى حتى سال دم رفيع.
قالت ماريا بصوت عالٍ، مشروخ، يكاد يختنق بالدموع، وحبالها الصوتية تؤلمها من الصراخ في وجه المطر: "سحر ماء لأن هذا هو نوع سحري، لماذا لا تفهموني!"
قال الساحر الثالث وهو يبصق على الأرض، ووجهه ملتوٍ بقرف صريح: "لأن سحر ماء هو نجس."
قالت ماريا ودقات قلبها كانت مسرعة كحصان يركض: "هو أطهر منكم، ماء هو أساس كل شيء حي."
لكن من كانت تكذب، تكذب على نفسها. العرق البارد تصبب على جبهتها رغم برد المطر. أنفاسها خرجت قصيرة وحارة. كانت خائفة. يدها ترتجف على السيف، والمقبض الجلدي أصبح زلقاً من عرق كفها. ركبتاها كانتا ترتجفان، وأمعاؤها انقبضت بخوف بدائي.
قال الساحر الثاني بضحكة قاسية تسخر وتستفز: "أوه أنتِ خائفة هههه، متوقعة من فاشلة."
بلحظة واحدة قتلت الساحر الثاني بقطع رأسه. اندفعت كالسهم، السيف يلمع في قوس سريع. صوت القطع كان حاداً، ورأس الساحر طار في الهواء، والدماء انفجرت من رقبته كينبوع قاني، ترشق المطر والأرض والأشجار. الجسد سقط على ركبتيه أولاً ثم انهار.
والثالث بضربة على قلب مصدر مانا خاص به، وصرخ من الألم حتى مات. السيف اخترق صدره بدقة، ووجد مصدر المانا — كرة صغيرة متوهجة في صدره — فشقها. الصرخة التي أطلقها كانت تصدع الأذن، مليئة بالألم المطلق، ثم تلاشت إلى أنين ضعيف، ثم صمت. جسده ارتخى وسقط في بركة ماء ملطخة بالدماء.
لكن جاء الباقون. عشرة سحرة يحيطون بها من كل جانب، أيديهم تشع بمانا ناري، والدخان يتصاعد من أكفهم مع كل استعداد. الأرض تحتهم جفت من الحرارة، والمطر تبخر قبل أن يلامسهم.
قتلت اثنين آخرين. ضربة سيفها شقت صدر أحدهم، وركلت الآخر فسقط، ثم غرست السيف في ظهره. الدماء غطت يديها، دافئة ولزجة، تنقط من أطراف أصابعها.
لكن سيوف نارية، وأعاصير كانت كثيرة. السيوف النارية تشق الهواء بأزيز حاد، والأعاصير تدور حولها من كل اتجاه. الحرارة لا تطاق، والهواء أصبح ثقيلاً بالدخان والرماد. رموشها تحترق من الحرارة، وعيونها تدمع لا من الحزن بل من الدخان.
حتى ١٠ ساحرين متبقين نفذوا هجمة ممزوجة بسبب أن البطلة كانت قوية عليهم. اجتمعت قواهم في كرة واحدة هائلة، مشحونة بمانا الجميع. الكرة كانت بحجم عربة، حرارتها جعلت الأشجار القريبة تشتعل تلقائياً.
وقتلوا البطلة. انفجرت الكرة فيها. الجسم ارتد للخلف، الملابس احترقت، والجلد تشقق. سقطت على الأرض المبللة، والمطر يغسل الدماء عن وجهها ببطء.
لقد كانت البطلة تتبسم وتقول قبل أن تموت بصوت خافت، متهدج، تخرج الكلمات مع فقاعات دم من فمها، وعيناها نظرتا إلى السماء الممطرة، والابتسامة المرتجفة بقيت على شفتيها حتى اللحظة الأخيرة: "يا... يا أوعاذ، لماذا تقتلوني."
ثم ماتت. الجسم ارتخى تماماً، والصدر توقف عن الحركة. المطر استمر في التساقط على وجهها الساكن.
رياح كانت تضرب وجهها الميت. الشعر المبلل تحرك بفعل الريح، والملابس المحروقة رفرفت بخفة. البرد لم يعد يهمها.
لكن فجأة وجدت نفقاً. ظهر أمامها — أو حولها — نفق من ضوء أبيض، دائري، مشع بهالة ذهبية خفيفة. الهواء حوله كان دافئاً، يختلف عن برد المطر.
بشكل لا إرادي منها تريد أن تصل لنفق يسع بنور. جذبها الضوء، ليس بقوة بل بدفء يشبه الحنين. شعرت بشيء يسحب روحها برفق نحو النور.
ولكن بآخر لحظة جاذبية سحبت. قوة أخرى شدتها للخلف، من عمق الأرض، من مكان مظلم وثقيل.
لكنها قاومت الجاذبية. صرخت بلا صوت، وقاومت. إرادتها اشتعلت كشرارة أخيرة. النور اقترب، والظلام حاول سحبها، لكنها شدت نفسها للأمام بقوة لا تعرف من أين جاءت.
ودخلت النفق. اخترقت الضوء الأبيض، وشعرت بدفء يغمر كل خلية في جسدها. الألم تلاشى، والبرد ذاب.
ونظرت إلى يدها. وكانت يدها صغيرة جداً. أصابع صغيرة، ناعمة، بلا ندوب ولا أوساخ. بشرة ناعمة، أظافر صغيرة نظيفة. لم تكن يد محاربة.
ونظرت لأعلى فوجدت غرفة، لم تكن فخمة وبها خدم بكل مكان، بل غرفة طبيعية. جدران خشبية بسيطة، سقف منخفض، نافذة صغيرة يدخل منها ضوء الشمس الدافئ. رائحة خشب نظيف وقماش نظيف. سرير صغير بملاءات بيضاء. ألعاب خشبية متناثرة على الأرض.
ورأت فوقها رجلاً وامرأة. بشراً. ليسا مثل أهلها الأولين. كانا ينظران إليها بحنان. الرجل كان ضخماً، شعره أسود كثيف، وعضلات ذراعيه بارزة تحت قميصه البني البسيط. المرأة كانت أنحف، شعرها بني غامق متموج، وعيناها بنيتان دافئتان. كلاهما كان يبتسم، لكن ليس ابتسامة ساخرة — ابتسامة حقيقية، مشرقة، تملأ الوجهين.
والبطلة بشكل لا إرادي بكت. الدموع انهمرت من عينيها الصغيرتين دون سبب واضح، دافئة على وجنتيها الناعمتين. أنفها احتقن، وصدرها الصغير ارتفع ببكاء هستيري مفاجئ.
لم تكن تعرف السبب، ربما من الحيرة. تفكر: "من هؤلاء ولماذا هم فرحانين." عقلها الصغير يحاول الفهم، لكن كل شيء غريب — الأصوات، الوجوه، الرائحة، الضوء.
قالت امرأة بصوت رقيق، عالٍ قليلاً، مليء بالفرح، وهي تمد إصبعها نحو وجه ماريا الصغير وتلمس خدها برفق: "يا أفرد إنها لطيفة جداً! إنها تشبهني!"
قال أفرد بضحكة عميقة، من القلب، تهز صدره العريض: "بل تشبهني ههههه يا فنتزي."
قالت فنتزي: "لا إنها تشبهني."
قال أفرد وهو يرفع يديه باستسلام مازح، وعيناه تلمعان بالفكاهة: "حسناً حسناً."
بينما ماريا كانت تتحفص الغرفة. عيناها الصغيرتان جالتا في المكان: ألعاب خشبية على الرف، سجادة صغيرة، ستارة قماشية ترفرف بنسيم خفيف من النافذة. رائحة خبز طازج تأتي من مكان بعيد في المنزل.
رأت أن المرأة كان شعرها بني غامق اللون، وعيونها كذلك، وكانت تبتسم. الأم جلست على حافة السرير، وابتسامتها تملأ وجهها. عيناها البنيتان كانتا دافئتين كشمس الصباح.
وأب كان شعره أسود، لديه بنية عضلية كبيرة. الأب وقف خلفها، يده الضخمة على كتف الأم، وعيناه السوداوان تنظران إلى ماريا بحنان غريب، كأنها أغلى شيء في العالم.
قالت الفتاة بنفسها: "من هؤلاء، هل هم أشرار، لا يبدو أن شكلهم لطيف وحنون." عقلها الصغير يحاول المقارنة بينهم وبين السحرة الذين قتلوها — لكن وجوههم لا تشبه الغضب، لا تشبه الحقد.
مدت امرأة يدها نحوها وحملتها. أيدي الأم كانت دافئة، ناعمة، بلا خشونة. رفعتها برفق، وضمّت ماريا الصغيرة إلى صدرها. رائحة الأم كانت مزيجاً من صابون خفيف ودفء.
وحركتها بين يديها. هدهدتها بخفة، وماريا شعرت بالاهتزاز اللطيف، كأنها في قارب صغير على ماء هادئ.
شعرت ماريا بنعاس كثير. جفناها أصبحا ثقيلين، والدفء يغمرها. التعب من كل شيء — من المطر، من الدماء، من الخوف — تلاشى.
ثم لم تستطع مقاومة ونامت. عيناها أغلقتا، وجسدها الصغير ارتخى في حضن الأم.
بينما فنتزي كانت تغني بصوت خفيف، عذب، يملأ الغرفة:
"نامي يا صغيرتي، نامي...
النجوم تحرسكِ، والقمر يناديكِ...
لا خوف الليلة، لا برد...
فقط دفء قلبي يحتويكِ..."
أفرد وقف بجانبها، ويده على كتف فنتزي، ونظر إلى الطفلة النائمة. عيناه السوداوان كانتا تلمعان بشيء لم يشعر به من قبل — أبوة حقيقية.