ساد صمت ثقيل داخل القاعة المدمرة.
الغبار ما زال يتساقط من السقف المتشقق، و أصداء القتال تتردد ببطء بين الجدران المنهارة.
وقف تشين ثابتًا ، سيفه الضخم مغروسًا في الأرض بجانبه ، بينما كانت عيناه تتجهان نحو المرآة التي بدأ سطحها يتموج ببطء.
الصوت الذي خرج منها لم يكن مرتفعًا…لكنه كان كافيًا ليجعل الهواء نفسه يرتجف.
'مثير… للاهتمام.'
تقلصت حدقتا تشين.
ذلك الصوت لم يحمل أي نية قتل…لكنه كان أثقل من أي ضغط واجهه حتى الآن ،لم يكن ضغطًا روحيًا عاديًا بل وجودًا.
وجودًا يجعل المكان يبدو ضيقًا… كأن الواقع نفسه ينحني احترامًا.
بدأت المرآة تتحول تدريجيًا إلى سطح مظلم كالماء العميق، و مع كل تموج كانت المشاعل على الجدران تخفت و كأن الضوء نفسه يخشى الظهور.
وقف تشين مستقيمًا لم يتكلم.
الصمت هنا لم يكن ضعفًا… بل حذراً.
مرّت لحظة.
ثم ظهرت داخل المرآة عين واحدة.
عين قديمة… عميقة… بلا حدقة واضحة، كأنها كون مظلم يحدق به.
فجأة—
انخفضت درجة الحرارة في القاعة.
تنفس تشين ببطء، لكنه شعر بشيء غريب، هاكي الملاحظة لديه… لم يستطع إدراك ذلك الكيان.و كأنه غير موجود… و مع ذلك موجود.
عاد الصوت.
هادئًا… بطيئًا… و كأنه قادم من زمن بعيد.
'منذ… كم مضى من الوقت؟'
لم يكن السؤال موجهًا مباشرة إلى تشين بل كأن الكائن كان يخاطب نفسه. تحرك سطح المرآة قليلًا، و ظهرت ملامح ضبابية لهيئة جالسة على عرش بعيد داخل الظلام،لم تكن واضحة بالكامل فقط ظل… و هيبة.
ثم قال الكائن ببطء:'لقد مر وقت طويل… منذ أن تمكن أحدهم من كسر انعكاسه.'
فهم تشين ما يقصده ، نسخته الظلية.
رفع تشين سيفه الضخم و وضعه على كتفه.
'و من تكون أنت؟'
ساد الصمت للحظة!! ثم…خرجت ضحكة خافتة من المرآة ليست ضحكة استهزاء إنما ضحكة شخص سمع سؤالًا غير متوقع.
'أنا؟'
تحرك الظل قليلًا على العرش و فجأة—
اهتزت القاعة بالكامل لكن الكائن لم يتحرك فعليًا، كان الأمر أشبه بأن وجوده وحده يكفي لزعزعة المكان.
ثم قال ببطء:'أنا… مجرد شبح من زمن لم يعد موجودًا.'
ارتجفت المرآة قليلًا، و بدأت تظهر خلفه لمحات غريبة.
سماء محطمة...جبال مقلوبة...بحار سوداء و كأن صور حرب قديمة تمر خلفه.
ثم أضاف بهدوء: 'لكن… دعني أخبرك شيئًا.' توقفت كلماته لحظة ثم قال: 'ذلك الانعكاس الذي قاتلته…' انخفض صوته قليلًا.'احتجت خمسين عامًا لأتغلب عليه.'
اتسعت عينا تشين قليلًا.
تابع الكائن:'خمسون عامًا من القتال… التأمل… و كسر النفس.'ثم ظهرت ابتسامة باهتة في الظلام.'أما أنت… فقد فعلتها في بضع أيام.'
ساد الصمت.
ثم قال الكائن ببطء: 'إذن… إما أنك عبقري يتحدى المنطق.' توقفت كلماته ثم أضاف:'أو أنك… شيء آخر.' توهجت العين داخل المرآة فجأة حدقت مباشرة في وجه تشين ثم—
توقفت تمامًا و لأول مرة…اختفى تلك الهدوء القديم من صوت الكائن. '…مستحيل.' ارتجف الهواء!!
اقتربت العين قليلاً من سطح المرآة ثم قال بصوت منخفض… لكنه يحمل دهشة حقيقية: 'عيناك…'ساد صمت ثقيل ثم همس: 'أعين الخراب الملعونة.' تجمدت القاعة حتى المشاعل خمدت للحظة لكن الكائن لم يتوقف إذ أصبح صوته أكثر عمقًا 'هو هو إذن… الشائعات كانت صحيحة...اللعنة التي تظهر مرة واحدة كل عصر' حدق في تشين بعمق أكبر.
لكن فجأة—تغيرت نبرته مجددًا 'همم…؟' توقف للحظة ثم قال ببطء شديد:'و قلبك…'
ارتجف سطح المرآة ثم قال:'واحد...ثلاثة...ستة...تسعة…'توقف ثم أكمل بصوت أثقل 'تسعة أختام.'
للحظة قصيرة—
اهتز الفراغ حول المرآة حتى الكائن نفسه بدا و كأنه يفكر بعمق. ثم قال بهدوء: 'غريب....غريب جدًا.'صمت قليلاً ثم أضاف: 'لم أرَ شيئًا كهذا… حتى في ذلك العصر!'
رفع تشين حاجبه قليلًا لكن الكائن لم يشرح بل تمتم فجأة:
'بنية باطلة…أعين ملعونة...قلب مختوم' عند سماع الكلمة، ضاقت عينا تشين.
'و…' توقف الكائن قليلًا ثم قال ببطء شديد:'ذلك الشيء.'
الكائن تابع: ' ما هي حقيقتك أيها المتحدي؟ كيف لحياة فانية إمتلاك قوى كهذه.... يبدو أن السلف كان محقا أنذاك' ثم ساد صمت قصير لكن فجأة— اهتز القصر بالكامل!!الأرض تحت قدمي تشين بدأت تتوهج بنقوش قديمة. الهواء أصبح أثقل عشرات المرات ثم وجه الكائن كلامه نحو تشين ببطء: 'لكن هناك شيء واحد… يجب أن تعرفه' توقفت كلماته ثم أكمل: 'ما اجتزته حتى الآن…ليس فقط محن لإختبارك 'ثم أضاف بصوت منخفض: 'بل مجرد قشرة للجحيم الحقيقي.' توهجت النقوش أكثر. و ظهر خلف الكائن شيء ضخم… مظلم… شاهق...بدا كبرج…لكن ليس برجًا عاديًا.
كان ضخمًا لدرجة أن قمته تختفي داخل ظلام لا نهائي، جدرانه ملتوية… كأنها مصنوعة من عظام عالم ميت ،و سلاسل هائلة تلفه بالكامل، لكن أكثر ما كان مرعبًا—الصمت الذي يحيط به.
قال الكائن بصوت بطيء:
'ذلك…هو برج الفوضى.' ارتجف الهواء! 'ليس سجنًا...و ليس مكانًا للنوم.' توقفت كلماته. ثم قال بصوت منخفض جعل القاعة ترتجف:'بل مكان…تُدفن فيه الأشياء التي لا يجب أن توجد.' تحرك الظل فوق العرش قليلاً 'كيانات...ملوك...أشياء… حتى السماء ترفض ذكرها.'
توهجت العين مرة أخرى ثم نظر إلى تشين 'لكن ذلك ليس شأنك الآن'
ساد صمت ثقيل.
ثم قال أخيرًا:'ما تبقى أمامك… هو محنة الروح.' انطفأت معظم النقوش فجأة
ثم أضاف ببطء:'و عندما تنتهي منها…سيقرر النظام.'
توقف.
ثم قال بلا تفسير: 'إن كنت… لائقًا أم لا.'
لم يشرح و لم يضف شيئًا لكن كلماته سقطت في القاعة مثل حكم قديم ثم بدأ جسده الضبابي يتلاشى ببطء داخل المرآة.
قبل أن يختفي تمامًا…قال آخر جملة بهدوء… لكن بلمسة من الإجلال الغامض.
'تشين…لم أرَ منذ زمن طويل… شخصًا يحمل مثل هذا المصير.'توهجت عينه للمرة الأخيرة 'دعنا نرى…' ثم اختفى الصوت و عادت المرآة إلى الصمت لكن في اللحظة التالية—اهتز قلب تشين مرة واحدة داخل صدره.و كأن الأختام التسعة داخله… استجابت لشيء ما.
و في مكان بعيد… لا يمكن الوصول إليه،كان برج الفوضى واقفًا وسط ظلام كوني.
صامتًا...مهيبًا و مرعبًا.