١

كانت الساعة الثانية فجراً حين قررت أن أخرج إلى هذا العالم. ليس لأنني كنت مشتاقاً لرؤيته، بل لأنني سمعت صوتها. صوت أمي وهي تهمس طوال الأشهر الماضية: "تعال، ننتظرك".

انقبضت عضلات أمي للمرة الأخيرة، وتوسع عنق الرحم كما يتسع الباب لمن سيُستقبل بحفاوة. كان أبي هناك، يقف خلف الطبيبة يحاول ألا يغمى عليه. كان يحب أمي كثيراً، هذا ما عرفته لاحقاً. كان يحبها لدرجة أنه ظل ثلاث ساعات متواصلة يمسك بيدها حتى تورمت أصابعه، وكان كلما تأوهت من وجع المخاض، كان يتمتم: "أنا هنا، أنا معك".

انشق الهواء البارد على وجهي. صرخت. كان صراخي قوياً لدرجة أن الطبيبة ضحكت: "هذا الصبي سيصبح صوته عالياً، سيخطب الناس أو يؤذن في المسجد".

لفوني بقطعة قماش ناعمة. دافئة. كانت أمي قد اشترتها بنفسها من سوق الحميدية، وغسلتها بصابون الأطفال، وجففتها على سطح البيت تحت شمس تشرين.

ثم وضعوني على صدرها.

هناك، على صدر أمي، توقفت عن البكاء. كان قلبها يدق بسرعة فرحاً. كانت رئتاها تتنفسان الصعداء. كانت يداها ترتجفان وأصابعها تلتف حول ظهري وكأنني كنز خشيت أن يضيع. رفعت عيناي لأراها. كنت حديث عهد بالرؤية، كل شيء ضبابي، لكنني رأيت ابتسامتها. ابتسامة واسعة، صافية، تشبه ابتسامة من وجد أخيراً ما كان يبحث عنه طويلاً.

قالت بصوت مبحوح: "آدم... مرحباً يا آدم".

أبي اقترب، قبل جبهتي، ثم جبهتها. قال: "الحمد لله على سلامتكما". كانت قبلته خفيفة، لكنها حملت كل معاني الكون.

في الخارج، كان المطر يهطل على نوافذ المستشفى. كان تشرين الثاني بارداً ذلك العام، لكنني لم أشعر بالبرد. كنت بين ذراعيها.

٢

في البيت، كانت الغرفة تنتظرني. غرفة صغيرة، زرقاء، فيها سرير أبيض صغير، وخزانة ملونة، ورفوف مليئة بألعاب لم أكن أعرف كيف ألعب بها بعد. على الجدار، علقت أمي لوحة لشمس برتقالية تبتسم، وتحتها كتبت بخطها الجميل: "إلى آدم، قطعة من قلبي".

لم أكن أعرف القراءة بعد، لكنني كنت أشعر بالكلمات.

في الليل، كانت أمي تأتي لتُرضعني. كان حليبها دافئاً، حلواً، يشبه طعم الأمان. كانت تحدثني وأنا أرضع: "سأعلمك كل شيء يا آدم... أسماء العصافير... أغاني المطر... طريقة صنع عجينة المعمول... وسأشتري لك كل القصص التي تحبها".

كنت أغمض عينيّ وأنا أستمع، وأظن أن هذه هي الحياة: دفء، حليب، همسات، ووعد بغد أجمل.

أما أبي، فكان يعود من العمل متعباً، لكنه كان يقترب من سريري كل مساء، يدخل سبابته في قبضة يدي الصغيرة، ويقول: "هذا هو الرجل الوحيد الذي يسمح لي بأن أضع إصبعه في يده". ثم يضحك، وأمي تضحك، وأنا لا أفهم ما المضحك لكنني أضحك معهم.

في الصور التي التقطوها في الأشهر الأولى، أرى طفلاً يبتسم. ابتسامة حقيقية. ابتسامة من لا يعرف بعد أن الحياة قد تخبئ له مفاجآت.

٣

كبرت.

صرت أمشي. صرت أركض. صرت أقول "ماما" و"بابا" وأنا واثق أن هاتين الكلمتين ستظلان تحميانني إلى الأبد.

في الصباح، كانت أمي توقظني برائحة الزعتر والزيتون. كنا نتناول الفطور معاً على طاولة المطبخ الصغيرة. أبي كان يقرأ الجريدة، وأمي تصب الشاي، وأنا ألطخ وجهي بزيت الزيتون.

في المساء، كان أبي يحملني على كتفيه ونتجول في الحي. كنت أمسك برأسه وأنا أضحك، والمارة يبتسمون لنا. كان أبي يشير إلى كل شيء: "هذه شجرة توت... هذا مسجد الشيخ أمين... هذا دكان أبو سامر اللي ببيع الحلوى".

في تلك الليالي، كنت أظن أن العالم جميل جداً، وأنني محظوظ جداً لأنني ولدت هنا، في هذا البيت، لهذين الاثنين.

٤

وفي صباح أحد أيام آذار، استيقظت على صوت غير معتاد. صوت بكاء. لكنه ليس بكائي. كان بكاءً رفيعاً، حاداً، قادماً من غرفة الوالدين.

ركضت حافي القدمين. فتحت الباب. رأيت أمي مستلقية على السرير، وبجانبها شيء صغير جداً، ملفوف ببطانية بيضاء.

نظرت إليّ أمي وقالت: "تعال يا آدم... تعال شوف أخوك".

اقتربت بخوف وفضول. رأيت وجهاً صغيراً جداً، بعينين مغمضتين، وأنف كحبة الكرز، وشعر أسود خفيف.

سألت: "ما اسمه؟"

قالت أمي: "لسه ما سميناه. شو رأيك؟"

فكرت قليلاً، ثم قلت: "يوسف".

ضحكت أمي. ضحك أبي من خلفي. قال أبي: "منين جبت الاسم؟"

قلت: "بحب الاسم".

منذ تلك اللحظة، أصبحت الظل الذي يتبع يوسف.

٥

في الأيام الأولى، كنت أقضي ساعات وأنا أجلس بجانب سريره أراقبه. كان يحرك يديه فجأة، أو يصدر أصواتاً غريبة، أو يفتح عينيه لثوان ثم يغلقهما. كل حركة كانت تدهشني.

كنت أحاول أن أجعله يضحك. كنت أُصدر أصواتاً مضحكة، أُقلّد القطط والكلاب، أحرك لعبة الخشخيشة أمام وجهه. في بعض الأحيان، كان يبتسم. ابتسامة عابرة، سريعة، لكنها كانت تكفي لأن تجعل يومي جميلاً.

أمي قالت لي مرة: "هو بيحبك، يوسف. أنت أكبر وأغلى واحد عنده".

صدقتها. لماذا لا أصدقها؟ كنت أرى كيف تنظر إليه، وكيف تنظر إليّ. كانت تنظر إلينا بنظرة واحدة: نظرة أم تملك كنزين.

٦

كبر يوسف. صار يمشي. صار يتكلم. أول كلمة نطقها كانت "آد"، يعني آدم. أمي قالت: "شفت؟ أول كلمة قالها اسمك". شعرت بالفخر. شعرت بأنني مسؤول عنه، بأنني حارسه الشخصي.

كنا نلعب معاً. كنت أصنع له بيوتاً من المكعبات وهو يهدمها. كنت أدفعه على الأرجوحة في الحديقة، وكان يصرخ: "أكتر، أكتر". كنت أشاركه الحلوى، وأعطيه القطعة الأكبر.

في الشتاء، كنا نجلس أمام التلفاز، يضع رأسه على صدري، ونشكر أفلام الكرتون. كنت أشرح له القصة، وأترجم له ما لا يفهمه. كان يثق بي كثيراً. كان إذا خاف من مشهد، يغمض عينيه ويقول: "آدم يحميني".

وكنت أحميه. حقاً، كنت أحميه.

٧

في أحد الأيام، كنت في السادسة ويوسف في الرابعة، ركض يوسف فجأة باتجاه الشارع وهو يلاحق كرة. رأيت سيارة مسرعة. لم أفكر. ركضت خلفه، أمسكته من قميصه وشددته للوراء بقوة. وقعنا كلانا على الرصيف. يوسف بكى. أنا بكيت. أمي خرجت مسرعة، ضمتنا كلينا، كانت تبكي وتضحك في نفس الوقت: "شكراً يا آدم... شكراً... أنت بطل".

في تلك الليلة، جاء أبي إلى سريري قبل النوم، وقبلني وقال: "أنا فخور بك. أنت أخ كبير وقد مسؤول". نمت وأنا أشعر بأن صدري واسع جداً، وأن قلبي مليء بالفرح.

٨

مرت السنوات. يوسف كبر وصار رفيق دربي. كنا نذهب للمدرسة معاً، نلعب كرة القدم في الحارة معاً، نتشارك الأسرار معاً. في الليل، كنا نتسلل إلى سرير بعضنا، نتحدث عن المستقبل: "لما أكبر رح أشتري بيت كبير، ونسكن كلنا فيه، أنت وأمي وأبي". يوسف كان يقول: "وأنا رح أشتري سيارة حمراء، وآخدكم في رحلات".

كنا نخطط لعالم لا يعرف الخيبات.

٩

لكن...

لا أعرف متى بدأ التغير. ربما كان تدريجياً، كتسلل الظل في نهار صيفي. ربما بدأ بلعبة انتهت بشجار. ربما بدأ بكلمة قالها أحدهم. ربما بدأ عندما كبرنا قليلاً، واكتشفنا أن الحياة ليست مجرد مكعبات وأراجيح وكرتون.

لا أعرف متى بالضبط تحول الحب إلى شيء آخر.

لكني أتذكر أنني، في أحد الأيام، جلست على سريري أنظر إلى يوسف وهو يلعب بغضب، وتساءلت: "متى أصبحت تنظر إليّ هكذا؟". وفي اللحظة نفسها، رأيت انعكاس وجهي في المرآة، وتساءلت: "متى أصبحت أنظر إليه هكذا؟".

لم أكن أعرف أن بعض التغيرات تأتي كالسرطان: صامتة، عميقة، لا تشعر بها إلا بعد فوات الأوان.

١٠

لكن ذلك كله سيأتي لاحقاً.

أما الآن، في هذا الفصل من حياتي، كنت لا أزال ذلك الطفل الذي يؤمن بأن العائلة هي الملاذ الآمن، وأن الحب يكفي دائماً، وأن الأخ الأصغر هو هدية السماء.

كنت أبتسم كثيراً في تلك الأيام. ابتسامات حقيقية، تملأ وجهي وتجعل عينيّ تلمعان.

لم أكن أعرف أنني سأحتاج كل هذه القوة لأبتسم لاحقاً.

لكنني كنت أتدرب. دون أن أدري.

---

يتبع...

2026/02/20 · 7 مشاهدة · 1122 كلمة
نادي الروايات - 2026