كانت إيزابيلا تلامس ما يثير اهتمامه بدقة.
راجية بكل إخلاص ألا يُفهَم كلامها وكأنها تتلاعب به.
كانت تعلم جيدًا أن الماركيز ماكا لا يحب من يكثر الحسابات والتفكير، بل يفضل من يقول ما يريد مباشرة دون مواربة.
وريثًا لطباع والده، كان ليكالدو أيضًا صريحًا في شخصيته.
'ولهذا السبب بالتحديد لم يكن منسجمًا مع فايتشي، الذي يتقن التخفي خلف الأقنعة وإخفاء نواياه الحقيقية.'
كان ليكالدو يصف فايتشي بأنه شخص يعيش بتعقيد لا طائل منه، في حين أن فايتشي كان يرى ليكالدو شابًا ساذجًا لا يجيد السياسة.
حدّق أندريا طويلًا في إيزابيلا دون أن ينطق بكلمة.
ثم فجأة، ألقى عليها سؤالًا آخر:
"ألا ترين أنه من المنطقي أكثر أن أضمّك إلى العائلة كزوجة لوريثي ليكالدو بدلًا من مجرد كفالة؟"
"قد يكون الأمر كذلك... لكن..."
راقبت إيزابيلا ملامح أندريا بعناية قبل أن تضيف:
"لكنك لن تفعلها، أليس كذلك؟"
"تبدين واثقة تمامًا من ذلك."
"لأن الجميع يعلم أن سموّك يؤمن بالزواج عن حب."
في عالم النبلاء، حيث تسيطر زيجات المصالح، كانت عائلة ماكا من القلة الذين يقدّسون الزواج القائم على الحب.
حتى أندريا الجالس أمامها، كان قد تزوّج حبًا من الماركيزة الراحلة.
"لكن في بعض الظروف، لا بد من اتخاذ قرارات تخالف ما نؤمن به."
"صحيح، لا أحد يستطيع أن يعيش حياته دومًا كما يشتهي."
خصوصًا في الوضع الحرج الذي تمرّ به عائلة الماركيز، كان من الضروري تقوية التحالفات السياسية.
ومع ذلك...
"من الطبيعي أن تتبدّل الآراء مع تغيّر الزمن، لكن أليس ذلك مدخلًا للتأمل ومراجعة الذات، لا ذريعة للتخلي عن المبادئ التي قامت عليها هذه العائلة؟"
"......"
"إذا بدأنا التنازل بهذه الطريقة، فقد لا نعرف متى نتوقف، وننتهي إلى فقدان مبادئنا تمامًا."
"........."
"لذا... استغلّني إن شئت."
عندما عرضت عليه أن يستخدمها وسيلة لحماية قناعاته، شهق الماركيز أنفاسًا طويلة ببطء.
رمق نووم الممدّد بإهمال على سطح المكتب بنظرة ساكنة، ثم غرق في تفكير عميق.
كان مقترح إيزابيلا أشبه بإغراء عسليّ المذاق... لدرجة أنه جعل الشك يتسلل إلى نفسه 'هل هذا الكأس الحلو مسموم؟'
شعر نووم بنظرات الماركيز فرفع رأسه، ولما التقت عيناه بعيني أندريا، حرّك مؤخرته بلطافة.
فالعلاقة بين الأرواح وأسيادها وثيقة، ومشاعر الأرواح انعكاس لمشاعر أصحابها.
بمعنى آخر، كانت إيزابيلا تُبدي مودة خفية تجاه أندريا من خلال نووم.
ورغم ذلك، لم يصدر من أندريا أي ردّ فعل واضح.
عندها أضافت إيزابيلا:
"أليست هذه الكفالة في الأصل وسيلة لتحقيق ذلك؟"
كان السبب الحقيقي وراء كفالة الماركيز لعشرات دور الأيتام، رغم كونه عملًا خيريًا في الظاهر، هو البحث عن حالات استثنائية كحالة إيزابيلا.
وعندما لامست إيزابيلا هذا الهدف الحقيقي بكلمات دقيقة، أصبح نظر أندريا أكثر حدّة.
لكنها حافظت على هدوئها وابتسمت ببساطة وكأنها لم تقل شيئًا.
فابتسم أندريا وقال ساخرًا:
"بملامحك البريئة تلك... ما أنتِ إلا ثعلبة ماكرة."
كثيرون يُخدعون بمظهر إيزابيلا البريء ويظنونها فتاة طيبة وساذجة.
وبالفعل، كانت كذلك في يوم من الأيام.
لكنها، بعد أن خاضت ما خاضته بين النبلاء في حياتها السابقة، لم تعد بريئة أبدًا.
بل أصبحت تستغل مظهرها اللطيف لخفض حذر الآخرين منها.
قال أندريا وهو يستند إلى ظهر الكرسي:
"إذن، أجيبي على هذا أيضًا... لماذا اخترتِ عائلة ماكا تحديدًا؟"
ابتسمت إيزابيلا.
كانت تتوقع هذا السؤال.
"لأنني أعيش في... "
"لا تقولي إن السبب هو أن قريتك تقع ضمن حدود إقطاعيتي، رجاءً."
لكن قبل أن تنهي جملتها كما خططت، قاطعها أندريا واستبقها بالكلمات التي كانت على وشك قولها.
"فتاة ذكية مثلك لا يمكن أن تكون بهذه السذاجة."
كان تقدير أندريا لها عاليًا.
فقد بدأت بلفت انتباهه عبر نووم، وهو تصرف لم يكن عاديًا.
وسمع أيضًا أنها استدعت الخادم داليان بتصريحٍ غامض يمكن تفسيره بعدة طرق.
بل إنها كانت على يقين من أن عائلة ماكا، التي تؤمن بالزواج عن حب وترفض الارتباطات المدبّرة، لن تنظر إليها كخيارٍ لزوجة مستقبلية، وقد بنت خطّتها على هذا الأساس.
ذكية إلى حد يصعب تصديقه من فتاة ريفية بسيطة.
ابتسم أندريا بسخرية جانبية.
شعرت إيزابيلا بارتباك صغير، فسرعان ما غيّرت إجابتها وهي تراقب تعابير وجهه:
"... لأن سموّ الأمير فايتشي زار منطقتي من قبل."
في الحقيقة، كانت تنوي استخدام هذه المعلومة كورقة أخيرة، تحفظها للنهاية.
لكنها اضطرت للكشف عنها الآن، ولم ترتبك لذلك.
'كنت أظن أنني تعلّمت بما يكفي من الأوحال النبيلة، لكن يبدو أنني لا أستطيع مجاراة من وُلد فيها منذ البداية.'
ابتلعت خيبة أملها وأنهت حديثها:
"وقد مضى على تلك الزيارة ثلاثة أشهر."
"لم يبلغني أحد أن الأمير زار أراضيّ."
قالها أندريا وهو ينظر نحو داليان.
هزّ داليان رأسه، مشيرًا إلى أنه لم يكن يعلم شيئًا عن ذلك أيضًا.
أميرٌ يزور سرًّا قرية صغيرة على أطراف الإقطاعية لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثمئة...
أمرٌ مليء بالشبهات.
"لنفترض، كما تقولين، أن الأمير وصل بالفعل إلى قرية كوم."
لكنّ الماركيز لم يُعلق على تلك النقطة.
"وما علاقة ذلك بما نناقشه الآن؟"
سواء كانت قصتها صادقة أم لا، ما كان يهمه حقًا هو السبب الذي دفعها لطرحها في هذا الوقت بالذات.
"لقد اكتشف أن لديّ ميولًا كمستحضِرة أرواح."
"اكتشف ذلك؟"
"رأيت إغنيس وهو في حالة تَخفٍّ."
"همم..."
حين اعترفت إيزابيلا بالحقيقة كما هي، أطلق أندريا نفَسًا خافتًا يحمل في طياته بعض الدهشة، إذ لم يكن يتوقع ما قالته.
فالأرواح المتعاقدة في حالة التخفّي لا تُرى عادةً للآخرين.
لكن... هناك استثناء.
من يملكون نسبة توافق روحي أعلى من المستحضِر نفسه، يمكنهم رؤيتها حتى في وضع التخفي.
بعبارة أخرى، إذا رأى الأمير إغنيس وعيونهما التقت، فهذا يعني أنه أدرك أن إيزابيلا تملك تآلفًا يرقى لاستدعاء روح من الدرجة المتوسطة أو أعلى.
"وتريدينني أن أصدق أن الأمير، بعد أن تأكد من أنك تملكين تلك القدرة النادرة، غادر بهدوء دون أن يفعل شيئًا؟"
قالها أندريا وهو يشير إلى الثغرة الأهم في القصة، وأضاف ساخرًا بصوت خافت:
"ذلك الطماع؟ مستحيل."
عندما يظهر مستحضِر أرواح غير اعتيادي بين العوام، يتصارع النبلاء للظفر به.
فكيف لشخص مثل فايتشي أن يعثر على فتاة تملك هذه القدرة ثم يتركها وشأنها من دون أن يتحرك؟
خصوصًا وهو يملك من النفوذ ما يكفي ليأخذها بالقوة دون أن يجرؤ أحد على معارضته.
هذا التصرف لم يكن منطقيًا بأي حال.
بل بدا من الأسهل أن يفترض أنها تكذب.
'ما كنتُ لأتوقع منك أن تطلقي كذبة يسهل كشفها أمامي.'
لكن المدهش أن أندريا لم يبدُ مقتنعًا بأنها تكذب.
بل أظهر تصرفًا وكأنه يختار تصديقها... على الأقل في الوقت الحالي.
"فهل تخبرينني بهذا الآن، حتى أُسرع وأضمّك إلى بيتي قبل أن يسبقني هو؟"
صوته بدا أكثر حدّة، وإن كان بفارق طفيف.
ربما ظن أن إيزابيلا توازن بينه وبين فايتشي، وتنتظر من يختارها أولًا.
وخاصة أن العلاقة بين ليكالدو وفايتشي كانت متوترة، لذا كان من الطبيعي أن يكون رد فعله حادًّا.
"لا، ليس هذا ما أعنيه."
بادرت إيزابيلا بتوضيح موقفها بسرعة:
"أنا فقط أطلب منك حمايتي من ألاعيبه."
"حمايتك؟"
"نعم."
فالأمير لم يأخذها معه فورًا، رغم معرفته بقدراتها.
"لو أنه كان ينوي خطفي، لكان فعلها في حينها. لكنّ صمته منذ ذلك الحين... يُخيفني. أشعر أنه ينسج شيئًا من خلف الستار."
والآن، هي تعرف السبب.
لقد أدرك أنه لو تحرّك بسرعة، فسيُثير نفورها، لذلك آثر الحذر، وخطّط للاستيلاء عليها من الداخل.
لا بجسدها، بل بعقلها.
'سرقة رسالة ثيو لم تكن سوى بداية شبكة العنكبوت التي بدأ نسجها حولي...'
فقد بدأت علاقتها بثيو تنهار بسبب تلك الرسالة، وتذكُّر تلك اللحظة فجّر في داخلها مشاعر موجعة.
عضّت على شفتيها لتكبح ارتجاف فكّها، ثم واصلت:
"لا أعلم حجم الفخ الذي يُعدّه لي، لكنني واثقة أنني كامرأة من العامة، لن أتمكن من النجاة وحدي."
وهي لم تقل هذا عن فراغ.
لقد عاشت حياتها السابقة وسط هذا الوحل، ومع ذلك لم تستطع أن ترى كل شيء بوضوح.
لهذا قررت هذه المرة أن تغادر قرية كوم باكرًا، لتتجنب واحدًا من أفخاخه وهي "اللقاء المصادف المصطنع."
أندريا لم يتفوّه بكلمة واحدة طيلة حديثها.
كان يمرّر إصبعه على طرف ذقنه، ويتأملها بعينين تراقبان أدق التفاصيل.
حتى إذا أنهت حديثها، تحركت شفتاه القرمزيتان أخيرًا ببطء.
"لكن... أليس من الممكن أن تري في ذلك فرصة لترتقي اجتماعيًا؟"
"... الارتقاء الاجتماعي تقول..."
انهار صوت إيزابيلا قليلًا، كأنما انطفأت فيه الروح.
كثيرون يفكرون بهذا الشكل.
لكن الواقع؟ لحظة انكشاف قدرات الشخص الاستثنائي تكون بداية الجحيم.
تهديدات، رشاوي، وخطف.
كل الأساليب القذرة مباحة لدى النبلاء حين يتعلّق الأمر بمستحضِر نادر.
وفي هذا الصراع الطبقي... لا أحد يتأذى سوى أولئك البؤساء.
وفي النهاية، من ينجو منهم لا يخرج إلا بحالٍ من اثنتين وهي إما أن يستسلم كليًّا، أو يفقد عقله.
أما النساء؟ فغالبًا ما يكنّ ضحايا زواج إجباري، أو اغتصاب، ويُعاملن كأدوات لإنجاب ورثة ذوي طاقة عالية.
"فلمَ ترفضين فرصةً كهذه، وهي تُعدّ ذهبًا في أعين غيرك؟"
رغم أنها كانت تفهم أن هذا هو التفكير المنطقي في نظر أندريا، فإن السؤال أثار في قلبها مرارة لا توصف.
"لأني لا أريد حياة تبدو وكأنها انتصار، لكنها في جوهرها تُسلب فيها كرامة الإنسان."
قالتها بصوت متهدج.
"لست مستعدة للتخلي عن إنسانيتي فقط لأرتقي طبقيًا، ولا أريد أن أتحوّل إلى آلة لإنجاب الورثة."
ربما لأن ذكريات حياتها السابقة عادت لتؤلمها من جديد، خرج صوتها هذه المرة مشوبًا بالحزن.
وأن تقول مثل هذا أمام ماركيز... لم يكن تصرفًا حكيمًا.
لكنها قالت ما تؤمن به حقًا.
ربما كان ذلك هو ما جعل كلماته التالية مختلفة.
"إذن، دعيني أُعيد سؤالي السابق."
__________
ترجمة : سنو
فتحت جروب روايات في التيليجرام يمديكم هنيك تقرأو الروايات بدون نت🌟!
اكتبو في البحث تبع التيلي :
@snowestellee
واتباد :
@punnychanehe
واتباد الاحتياطي:
punnychanehep