أحاطَ بـكايدن كهنةٌ يرتدونَ أرديةً ذاتَ قلانسَ، تعلوها شعارُ المعبد، كانوا يمسكونَ بكتابٍ قديمٍ مفتوحٍ، ويدندونَ شيئًا بغير انقطاعٍ.
ثم انفتحَ بابُ القبوِ، وولجَ منهُ شخصٌ، وفي مجالِ رؤيةِ كايدن الطفل، لمحَ كاهنًا مُسنًّا يبدو عليهِ التقدمُ في السنِّ للوهلةِ الأولى، كانتْ هيئتُهُ الأبهى من بينِهم جميعًا، ما يُوحي بأنَّهُ قد يكونُ رئيسَ أساقفةٍ أو حتى بابًا.
"كيفَ الحالُ؟، هل تظنونَ أنَّهُ يُضاهي السيِّدَ جيناس؟"
على إثرِ كلماتِ الشيخِ، أجابَ أحدُ الكهنةِ المُحيطينَ بـكايدن الطفل.
"نعم، يبدو أنَّ سحرَهُ يُوازي سحرَ السيِّدِ جيناس، ولذلكَ أرى أنَّ التوافقَ بينَهُما هو الأفضلُ."
"هممم، لقد توصَّلنا إلى اتفاقٍ مع عائلةِ رود، وإذا ذكرنا السيِّدُ جيناسُ في الأمرِ، فسنكتسبُ بعض الزخم أيضًا."
"إذا واصلنا العملَ، فأعتقدُ أنَّهُ سيغدو مثاليًّا، سيكونُ من الجيِّدِ أن نضعَهُما معًا في قائمةِ المُختبرِينَ النهائيِّين."
"حسنًا، سأجتهدُ وأُعِدُّ القائمةَ، ولأنَّ هذهِ الخُطَّةَ واسعةُ النطاقِ، فسيكونُ هو التجربةَ الأخيرةَ، اكتُبْ تقريرًا وانشرْهُ."
ربتَ الشيخُ، بابتسامةِ الرضا، على كتفِ الكاهنِ الذي أجابَهُ، ثم ألقى نظرةً إلى الأسفلِ نحو كايدن الطفل.
التقتْ عينا الشيخِ الزرقاوانِ بعينيْ كايدن الحمراوينِ.
بمجردِ التقاءِ النظرتينِ، استيقظ كايدن من ذكرياتِهِ على عجلٍ.
آه.
كانَ صدرُهُ ضيِّقًا، ولم يستطعِ التنفسَ جيدًا، وبينما كانَ يلهثُ بصعوبةٍ، رفعتِ المرأةُ الجالسةُ فوقَ الدائرةِ السحريَّةِ رأسَها بحذرٍ.
حتى وهو يتنفسُ بوجعٍ، قطَّبَ كايدن حاجبيهِ عندما التقتْ نظرتُهُ بعينيِ المرأةِ الحمراوينِ، لم يكنْ وجهُ تلكَ المرأةِ غريبًا.
'مَنْ تكونُ؟'
في تلكَ اللحظةِ، فتحتِ المرأةُ فمَها.
اهربْ.
في اللحظةِ ذاتِها، انفتحَ البابُ على مصراعيهِ خلفَهُ، وسُحِبَ كايدن، وقد أمسكَ بهِ شيءٌ مجهولٌ، إلى خارجِ الغرفةِ.
وفي لمحةِ بصرٍ، جُرَّ في ممرٍّ في الطابقِ الثالثِ وأُلقيَ بهِ من النافذةِ، وقد سقطَ جسدُهُ، وقد خارتْ قواهُ، سقوطًا لا يُوقَفُ من علوِّ الطابقِ الثالثِ.
"أوه سحقًا!"
وقبلَ اصطدامِهِ بالأرضِ بلحظاتٍ، انتشلهُ أحدهم بحدةٍ، وتدحرجَ كايدن على الأرضِ.
"تبًّا!"
سعالٌ.
نهضَ يترنَّحُ عبرَ الغبارِ المُتطايرِ وهو يفحص نفسَهُ، وإذا بشخصٍ يقفُ أمامَهُ.
كانَ صبيًّا شعرُهُ مقصوصٌ حتى عنقِهِ.
شعرٌ فضيٌّ وعينانِ حمراوانِ، هيئةٌ ليستْ بغريبةٍ.
نظرَ الصبيُّ إلى كايدن ببرودٍ وفتحَ فمَهُ.
"كنتُ أشعر بالفضول تجاهك، وأخيرًا التقيتُ بكَ."
على الرغمِ من كونِهِ صبيًّا بوضوحٍ، فإنَّهُ يبدو -بطريقةٍ ما- مُسنًّا، وكأنَّهُ عاشَ دهرًا طويلًا، الصبيُّ، الذي كانَ يحدِّقُ في كايدن، اقتربَ منهُ ببطءٍ ويداهُ خلفَ ظهرِهِ.
"لكنْ لم يحن الوقتُ بعدُ."
ثم وضعَ إصبعَهُ على جبهةِ كايدن.
"اذهبْ."
دفعَ الصبيُّ جبهةَ كايدن بإصبعِهِ. وغُلِّفَ كايدن مرَّةً أخرى بضبابٍ كثيفٍ.
فاختفى الصبيُّ والكوخُ.
* * *
بعدما اختفت مارغريت وإينوك وكايدن الواحدُ تلوَ الآخرِ، سادَتِ يوانا حالةٌ تامَّةٌ من الهلع، انزوتْ في مكانِها وانفجرتْ بالبكاءِ.
"إذا ماتَ الجميعُ... إذا مُتُّم جميعًا مُجدَّدًا...!"
تمتمتْ بكلماتٍ غيرِ مفهومةٍ، ثم أخرجتِ المفتاحَ وأمسكتْ بهِ، وهي تنتحبُ، كانَ واضحًا أنَّ عقلَها ليسَ في حالةٍ جيِّدةٍ.
يوانا، التي بقيتْ على تلكَ الحالِ طوالَ اليومِ حتى غروبِ الشمسِ، هدأتْ أخيرًا عندما حلَّ الليلُ.
لكنْ منذُ ذلكَ الحينِ، تغيَّرتْ بالكاملِ، كانتْ كشخصٍ استعادَ ذاكرتَهُ المفقودةَ وأدركَ شيئًا بالغَ الأهميَّةِ.
'كما توقَّعتُ، إنَّها مُريبةٌ.'
نظرَ إليها أرثدال بتفحُّصٍ.
في الواقعِ، لم يكنْ لطفُ أرثدال تجاهَها مُجرَّدَ شعورٍ بالذنبِ لأنها آنسة في جزيرة مثلما كان دييغو.
'أعتقدُ أنَّ لديها سرًّا، لكني لا زلتُ لا أعرفُ ما هو.'
بالنظرِ إلى الأمرِ الآنَ، لم يبدُ أنَّهُ مُجرَّدُ حدسٍ حسَّاسٍ منهُ.
وعندئذٍ، سمعَ صوتَ قرقرةِ معدتِهِ.
'إنَّني جائعٌ جدًّا.'
"أشتاقُ إلى السيِّدةِ فلوني كثيرًا."
تنهَّدَ أرثدال بوجهٍ شاحبٍ، وأومأتْ يوانا، التي كانتْ جالسةً بجانبِهِ في سكونٍ، موافقةً.
"نعم، أنا أيضًا أشتاقُ إليها كثيرًا."
يوانا، التي كانتْ غارقةً في مشاعرِها لوقتٍ طويلٍ، عادتْ أخيرًا إلى مظهرِها المعتادِ.
"هل تحسَّنَ حالُكِ الآنَ؟، لم أكنْ أعلمُ أنَّكِ تُحبِّينَها إلى هذا الحدِّ."
نظرتْ إليهِ كأنَّها مُحتارةٌ من كلامِهِ.
"حتى لو سقطَ شخصٌ لا تُحبُّهُ في النهرِ، ألنْ تُصدمَ مع ذلكَ من الموقفِ؟"
"صحيحٌ."
أرثدال، الذي تعاطفَ مع كلماتِها ولم يكنْ لديهِ ما يقولُهُ أكثرَ، صمتَ.
أرادَ أن يسألَها شيئًا، لكنَّهُ لم يعرفْ من أينَ يبدأُ، ولذلكَ، لم يستطعْ أن يقولَ شيئًا في النهايةِ.
"هل الثلاثةُ لا يزالونَ أحياءً؟"
"أنا متأكِّدٌ من إنهم أحياءً."
"أعتقد ذلك أيضًا."
"لكنْ يجبُ أن نتحقَّقَ بأعينِنا."
عندَ كلماتِ أرثدال، وسَّعتْ يوانا عينيها بوجهٍ مُستنيرٍ.
"أوَّلًا، فلننظر إلى الخريطةِ مرَّةً أخرى، من الأفضلِ أن نتحقق من الاتجاهِ الذي يجبُ أن نسيرَ فيهِ."
بدتْ يوانا مُتعبةً جدًّا، لكنْ عندما فرقعَ أرثدال بأصابعِهِ بوجهٍ صارمٍ، أسرعتْ وأخرجتِ الخريطةَ من جيبِها وناولَتْهُ إيَّاها.
بسطَ أرثدال الخريطةَ على الأرضِ، كانَ على من سقطوا أن يتسلَّقوا ليجِدوا الطريقَ الوحيدَ الآخرَ لعبورِ الجزيرةِ الشماليَّةِ.
'سيكونُ من الأفضلِ أن نتَّجهَ غربًا على طولِ النهرِ.'
وبينما كانَ أرثدال يضعُ خطَّتَهُ ذهنيًّا، سألتْهُ يوانا.
"ألا تستطيعُ أن تصطادَ طائرًا، سموَّ الأمير؟، إنَّني جائعةٌ."
"...الآنَ كان دوركِ لكي تجدي شيئًا لنا لنأكُله."
"إذا اصطدتَ طائرًا لعشائِنا الليلةَ سمو الأمير، فسأبحثُ عن طعامٍ غدًا."
توسَّلتْ يوانا بوجهِها البريءِ المعتادِ وابتسمتْ، بالطبعِ، لم تنجحْ تلكَ الابتسامةُ مع أرثدال.
"لنْ أُنخدَعَ، انهضي، لنبحثْ عن بعضِ الفاكهةِ معًا، ففي نهايةِ المطافِ، لا يستطيعُ أيٌّ منَّا طهو اللحمِ."
عندئذٍ فقطْ نهضتْ يوانا، تذمَّرتْ وهي ترمقُ ضفَّةَ النهرِ.
"ليتَني أستطيعُ اصطيادَ سمكةٍ."
عندَ تمتمةِ يوانا، ندمَ أرثدال ندمًا مريرًا على تجاهلِهِ طلبَ مارغريت أن تُعلِّمَهُ صيدَ السمكِ.
'كانَ يجبُ أن أتعلَّمَها حينها.'
كانَ ندمًا متأخِّرًا جدًّا.
ومع ذلكَ، كانَ ندمًا يمكنُهُ أن يشعرَ بهِ لأنَّهُ كانَ لا يزالُ في الجزيرةِ الجنوبيَّةِ، وقبلَ مُلاقاةِ الوحوشِ المُتطوِّرةِ.
لاحقًا، عندما وصلَ أرثدال إلى الجزيرةِ الشماليَّةِ والتقى بوحوشٍ جديدةٍ، أدركَ أنَّهُ كانَ يجبُ أن يتعلَّمَ صيدَ السمكِ، وأنَّ الوقتَ لم يكنْ وقتَ ندمٍ.
* * *
وقفتُ أمامَ النهرِ المركزيِّ -النهرُ في منتصفِ الجزيرةِ- وتفحَّصتُ التضاريسَ لِأستبينَ أينَ نحنُ.
"أعتقدُ أنَّ هذا بالقربِ من المكانِ الذي استيقظتُ فيهِ."
ألقى إينوك، الذي كانَ يقفُ مُتيقِّظًا، نظرةً سريعةً إليَّ.
"هل يمكنُنا إيجادُ الكوخِ؟"
"همم... يجبُ أن نستمرَّ في السيرِ شمالًا وظهرُنا مُقابلٌ للنهرِ."
"إذنْ فلنتَّجهْ في ذلكَ الاتجاهِ، بما أنَّهُ لا توجدُ جبالٌ عاليةٌ، لا أظنُّ أنَّنا سنضلُّ الطريقَ."
أومأتُ برأسي وقرَّرتُ أن أعودَ معَهُ في الاتجاهِ الذي كانَ يُفترضُ أن يكونَ فيهِ كوخُ جيناس.
وأُحيطنا مرَّةً أخرى بالضبابِ الكثيفِ.
"إينوك."
ناديتُ إينوك، الذي كانَ يسيرُ في المقدِّمةِ، بتعبيرٍ متوتِّرٍ، ونظرَ إليَّ.
"ما رأيُكَ أن نسيرَ يدًا بيدٍ؟، لا ينبغي أن نفترقَ كما حدثَ مع كايدن."
مددتُ يدي إليهِ، إينوك، الذي كانَ يحدِّقُ فيها، أمسكَ بيدي ببطءٍ.
لقد أمسكتُ بيدِهِ ببساطةٍ، ولكنْ بطريقةٍ ما شعرت بالأرتياح عندما مسك بيدي، كانَ ذلكَ مُطمئنًا جدًّا.
"شكرًا لكَ."
حدَّقَ بي إينوك للحظةٍ وابتسمَ بلُطفٍ.
بينما كنتُ على وشكِ السيرِ مُجدَّدًا في الضبابِ مع إينوك، سمعتُ صوتًا مألوفًا.
"مارغريت؟"
"كايدن؟!"
نظرتُ حولي بدهشةٍ.
تمامًا عندما ظننتُ أنني لمحتُ شعرًا فضيًّا عبرَ الضبابِ، وجدتُ نفسي بينَ ذراعيْ شخصٍ ما.
"مارغريت."
كانَ صوتُ كايدن.
تخلَّى إينوك عن يدي بطبيعةِ الحالِ، ولكنْ على عكسِ توقُّعي بأنَّهُ سيغضبُ، تراجعَ إينوك خطوةً واحدةً بشكلٍ غيرِ متوقَّعٍ ودونَ كلمةٍ، يبدو أنَّهُ كانَ يُراعي كايدن بطريقتِهِ الخاصَّةِ.
"كايدن."
ربتُّ على ظهرِ كايدن بلُطفٍ، لأنَّ جسدَهُ كانَ يرتعشُ، وهذا أيضًا ردُّ فعلٍ غيرُ عاديٍّ منهُ.
"أنتِ بأمانٍ، كم هذا مريح، كم هذا مريح..."
تمتمَ بالشيءِ نفسِهِ مرارًا وتكرارًا وعانقَني بشدَّةٍ حتى كدَتْ أن أختنقَ بأنفاسي.
"ظننتُ حقًّا أنني سأُجنُّ خوفًا ممَّا قد يحدثُ لكِ..."
شدّ كايدن عناقه مرَّةً أخرى لأنَّ قلقَهُ لم يزُلْ، وفركَ خدَّهُ على عنقي.
"هل أنتَ بخيرٌ الآنَ؟، أينَ كنتَ؟"
بعدَ أن دفنَ وجهَهُ في كتفي دونَ أن ينبسَ بكلمةٍ لبعضِ الوقتِ وأخذَ نفسًا عميقًا، رفعَ كايدن رأسَهُ ونظرَ إليَّ بعينينِ دامعتينِ.
"كنتُ في الضبابِ منذُ اختفاءِ سموِّ الأميرِ."
وشدّ العناق مرَّةً أخرى.
"اشتقتُ إليكِ، مارغريت."
بطريقةٍ ما، بدا كايدن وكأنَّهُ يكبتُ دموعَهُ، فربَّتُّ عليهِ بلُطفٍ حتى هدأَ.