من الغريبِ أنَّ الضبابَ، بعد التقائي بـكايدن، بدأ ينجلي ببطءٍ، كأنَّهُ قد أدَّى مهمَّتَهُ.
"هل أصابَكَ مكروهٌ؟، أينَ يكمنُ الأذى؟، هل واجهتَ وحشًا؟"
على سؤالي، رفعَ كايدن رأسَهُ وابتسمَ لي.
"من الجميلِ أن أرى مارغريت تقلقُ هكذا."
لم يُجبْ، بل تكلَّمَ بما لا طائلَ منهُ، فحدقتُ بهِ دونَ أن أُتابعَ السؤالَ، وفتحَ إينوك، الذي كانَ يراقبُ مكتوفَ الذراعينِ، فمَهُ.
"كنتُ قَلِقًا لأنَّ الضبابَ كانَ كثيفًا جدًّا. هل أنتَ بخيرٌ حقًّا، أيها الساحر؟"
التفتَ كايدن عندئذٍ إلى إينوك وحكَّ مؤخرةَ رأسِهِ بتعبيرٍ مُعقَّدٍ.
"هل لنا أن نجلسَ ونتحدَّثَ؟"
جلسنا معًا للتحادثِ وتفاديَ أنظارِ الوحوشِ، وُجِّهنا لأن نُديرَ الموقفَ أولاً، ثم نذهبَ لإيجادِ مكانٍ أكثرَ أمنًا.
"حدِّثنا عنكَ أولًا، يا كايدن، ماذا جرى؟، لقد التقيتُ بـإينوك بعدَ أن خف الضبابِ، هل كنتَ وحيدًا في الضبابِ طوالَ اليومِ؟"
على كلماتي، نظرَ كايدن إليَّ وإلى إينوك بوجهٍ حائرٍ.
"هل مرَّ يومٌ كاملٌ؟، لم أدركْ حتى كم من الوقتِ انقضى."
هزَّ رأسَهُ بوجهٍ مُرهَقٍ وأغمضَ عينيهِ بشدَّةٍ.
قطَّبَ أنفَهُ كأنَّما يسترجعُ ذكرياتِهِ لبعضِ الوقتِ، ثم شرحَ لنا بهدوءٍ ما حدثَ خلالَ هذا اليومِ.
"واصلتُ تتبُّعَ الكوخِ طوالَ الوقتِ، لكنْ في لحظةٍ ما، اختفى عن الأنظارِ، ومع ذلكَ، كانَ الكوخُ يُطلِقُ هالةً غريبةً جدًّا، ورغمَ أنني لم أستطعْ رؤيتَهُ، تمكَّنتُ تقريبًا من تحديدِ الاتجاهِ الذي أسيرُ نحوَهُ."
لقد أحسَّ بطاقةٍ غريبةٍ من الكوخِ؟
يبدو أنَّ هذا في سياقٍ مُشابِهٍ لكيفيَّةِ إحساسِ أرثدال بتدفُّقِ الـمانا، وهذا ليسَ مُدهشًا، فـكايدن يمتلكُ حواسَّ ممتازةً وحدسًا عاليًا.
قد تكونُ الطاقةُ الغريبةُ التي أحسَّ بها هي طاقةُ جيناس.
"—ولذا حاولتُ أن أستمرَّ في ذلكَ الاتجاهِ، لكنَّ الضبابَ استمرَّ في حجبِ رؤيتي، كانَ الأمرُ وكأنَّ شخصًا ما يُحاولُ منعي من العثورِ على الكوخِ."
تذكَّرتُ ما قالَهُ جيناس وهو يدفعُني خارجَ الكوخِ؛ لقد جاءَ ضيفٌ غيرُ مدعوٍّ.
"شعرتُ بالتأكيدِ أنَّ شخصًا ما كانَ يعترضُ طريقي لكيلا آتي، وعندما استعدتُ وعيي، كنتُ أمامَ الكوخِ، ظننتُ أنَّكِ ستكونينَ هناكَ في الكوخِ."
استمرَّتِ القصَّةُ وتوالتْ، من حكايةِ المرأةِ ذاتِ الشعرِ الفضيِّ التي التقاها في غرفة الملاذ الآمن إلى الصبيِّ ذي الشعرِ الفضيِّ الذي قابَلَهُ بعدَ أن جُرَّ خارجَ الكوخِ.
دَهشتُ لدرجةِ أنني عجزتُ عن الكلامِ.
من الواضحِ أنَّ غرفة الملاذ الآمن كانتْ مُغلقةً، لكنَّ كايدن قالَ إنَّهُ فتحَ البابَ، علاوةً على ذلكَ، كانَ ثمَّةَ شخصٌ فيها حقًّا.
تنهَّدَ كايدن "لم أشعرْ بأنَّ الوقتَ كانَ طويلًا إلى هذا الحدِّ، لكنني مُندهشٌ من أنَّ يومًا قد مرَّ بالفعلِ."
بدا عليهِ الذهولُ قليلًا، كانَ من غيرِ المألوفِ جدًّا أن يتفاعلَ هكذا، نظرتُ إليهِ بصمتٍ وفتحتُ فمي.
"...ربما كانَ من الجيِّدِ أنَّ شخصًا ما مَنعَكَ من العثورِ على الكوخِ."
نظرَ إليَّ كايدن بوجهٍ حائرٍ، ونظرَ إليَّ إينوك أيضًا، الذي كانَ لا يزالُ يستمعُ إلى الحوارِ مطويَّ الذراعينِ.
كنتُ سأخبرُهما عن جيناس عندما نجد بـكايدن، والآنَ هو الوقتُ المناسبُ.
"لقد قضيتُ الليلةَ أيضًا في ذلكَ الكوخِ مع ساحرٍ تجاوزَ عمرُهُ ألفَ عامٍ، وأظنُّ أنَّ الصبيَّ الصغيرَ الذي قابلتَهُ هو الساحرُ الذي كنتُ معَهُ."
"ساحرٌ تجاوزَ عمرُهُ ألفَ عامٍ؟، عمَّا تتحدَّثينَ؟"
فتحَ كايدن عينيهِ واسعًا بعدمِ تصديقٍ، نعم، أنا أيضًا لا أستطيعُ أن أُصدِّقَ.
"قد لا تُصدِّقُ، لكنَّها الحقيقةُ، واسمُهُ هو جيناس إيغران."
"مهلا، ماذا؟، جيناس إيغران؟!"
فوجئَ كايدن أكثرَ من ذي قبلِ ووثبَ من مقعدِهِ، فُزعتُ في الوقتِ ذاتِهِ، وعندما مِلتُ إلى الوراءِ، مدَّ إينوك يدَهُ ووضعَ كفَّهُ على ظهري ليدعمَني.
"ما الأمرُ، أيها الساحر؟" سألَ إينوك وهو يُقطِّبُ حاجبيهِ.
غطَّى كايدن فمَهُ وصمتَ لوقتٍ طويلٍ بوجهٍ مُفكِّرٍ، ثم أخرجَ شيئًا فجأةً من جيبِهِ.
كانتْ في يدِهِ قلادةٌ تتوارثُها أجيالُ مُلَّاكِ برجِ السحرِ—تلكَ القلادةُ التي ارتطمَتْ بعظمِ وجنتي عندَ لقائي الأوَّلِ بهِ.
نظرتُ إليهِ بوجهٍ حائرٍ.
"ماذا؟"
"مالكُ هذهِ القلادةِ كانَ ساحرًا يُدعى جيناس إيغران."
"...ماذا؟"
"......إنَّهُ سَلَفُ عائلتي، جيناس إيغران رود، ساحرٌ عظيمٌ وأوَّلُ رئيسٍ لـماركيزيَّةِ رود، تبًّا، ولهذا شعرتُ أنني رأيتُهُ في مكانٍ ما."
"ماذا؟!"
صرختُ مُندهشةً لتصريحاتِ كايدن الصادمةِ التي توالتْ الواحدةُ تلوَ الأخرى.
عندئذٍ فقطْ أدركتُ لماذا يمتلكُ جيناس شعرًا فضيًّا وعينينِ حمراوينِ، يبدو أنَّها كانتْ وراثةَ عائلةِ رود.
" جيناس ساحرٌ ماتَ منذُ ألفِ عامٍ، كيفَ يمكنُهُ أن يكونَ هنا؟" سألني كايدن هذهِ المرَّةَ.
هززتُ كتفيَّ "لا أعلمُ، على أيَّةِ حالٍ، أخبرني بأنَّهُ عاشَ في هذهِ الجزيرةِ لألفِ عامٍ، وأنَّهُ لا يستطيعُ الهربَ، لا أعرفُ ما إذا كانَ بإمكاني تصديقُ ما قالَهُ."
"لقد كانَ عالقًا هنا؟، ذلكَ الساحرُ العبقريُّ؟" سألَ كايدن.
أومأتُ برأسي وأخبرتُهما بما مررتُ بهِ في الكوخِ.
لقد سحبني شخصٌ ما من النهرِ، ثم التقيتُ بـجيناس، وأحضرني إلى الكوخِ لِعلاجِ حالتي، ثم حتى وجدتُ بابًا وغرفة الملاذ الآمن الغريبينِ في كوخِ جيناس.
الآنَ بعدما تذكَّرتُ، عندما التقيتُ بـجيناس لأوَّلِ مرَّةٍ، كانَ يمسكُ ببعضِ ثمارِ جوزِ الهندِ، ولكنْ ألم يقلْ إنَّهُ يستطيعُ العيشَ دونما طعامٍ؟
في ذلكَ الوقتِ، تكلَّمَ كايدن، الذي كانَ غارقًا في التفكيرِ، إليَّ.
"لكنَّ جيناس الذي تتحدَّثينَ عنهُ يبدو مُختلفًا تمامًا عن جيناس الذي سمعتُ عنهُ في عائلتي."
"أيُّ نوعٍ من الأشخاصِ هو جيناس الذي تعرفُهُ أنتَ؟"
"أولًا، جيناس ليسَ كالطفلِ، سمعتُ أنَّهُ رجلٌ بالغٌ ومُختلٌّ يستمتعُ بالقتلِ، هناكَ أيضًا وثيقةٌ تقولُ إنَّهُ ربما كانَ شيطانًا بسببِ افتقارِهِ الشديدِ للمشاعرِ الإنسانيَّةِ."
"..."
من المؤكَّدِ أنَّ جيناس الذي يتحدَّثُ عنهُ كايدن مُختلفٌ جدًّا عن جيناس الذي التقيتُ بهِ.
"هل هناكَ أيُّ احتمالٍ بأنَّهُ شخصٌ آخرُ يحملُ الاسمَ نفسَهُ؟"
عندما سألَ إينوك كايدن، هزَّ كايدن رأسَهُ بقرارٍ حازمٍ.
"قلتِ إنَّهُ من سلالةِ إيغران، وإنَّهُ ساحرٌ غيَّرَ تكوينَ جسدِهِ لكي يتمكَّنَ من العيشِ دونَ طعامٍ، في ذلكَ الوقتِ، كانَ جيناس هو الساحرُ الوحيدُ القادرُ على تنفيذِ هذا النوعِ من السحرِ عالِي المُستوى."
سألَ إينوك مرَّةً أخرى بصوتٍ هادئٍ "إذنْ هل الضبابُ المُحيطُ بالكوخِ صُنعُ ذلكَ الساحرِ؟، لكنْ لا يمكنُ استخدامُ السحرِ في هذهِ الجزيرةِ."
عندَ كلماتِ إينوك، تأمَّلتُ ما أخبرني بهِ جيناس.
"أليسَ من الممكنِ تغييرُ جسدِكَ؟، إذا كانَ كايدن مُحقًّا، فإنَّ لديهِ في الأصلِ جسدَ شخصٍ بالغٍ، وقد يكونُ قادرًا على استخدامِ المانا وهو في جسدِهِ البالغِ، لقد قالَ شيئًا مثلَ: 'لا أستطيعُ استخدامَ المانا بهذا الجسدِ'."
"إذنْ لماذا يتظاهرُ بأنَّهُ طفلٌ؟، هل هذا لحمايةِ جسدِهِ الأصليِّ؟، لكنْ إذا كانَ لا يستطيعُ استخدامَ المانا في ذلكَ الجسدِ، فكيفَ صنعَ أشياءً كالضبابِ؟"
تمتمَ كايدن وتاهَ في التفكيرِ بوجهٍ مُرتبكٍ.
"كايدن، لماذا كانَ البابُ مفتوحًا في غرفة الملاذ الآمن التي قلتَ إنَّكَ دخلتَها؟، أنا لم أستطعِ الدخولَ لأنَّ البابَ كانَ مُغلقًا، وعليهِ مكتوبٌ بوضوحٍ مختومٌ."
"لا أعلمُ لماذا فُتِحَ البابُ، لكنْ بدا صحيحًا أنَّ المكانَ كانَ مختومًا، كانتْ هناكَ امرأةٌ مُقيَّدةٌ في منتصفِ دائرةٍ سحريَّةٍ."
"هل كانَ ذلكَ أيضًا من فعلِ ذلكَ الساحرِ الذي يُدعى جيناس؟" سألَ إينوك.
ردًّا على سؤالِ إينوك، فركَ كايدن صدغيهِ وضيَّقَ حاجبيهِ.
"لا أعرفُ، بمجردِ أن قالتِ المرأةُ لي أن أهربَ، أُلْقيتُ خارجَ الكوخِ، التقيتُ بالصبيٍّ القصير ذو الشعر الفضيٍّ بعدَ ذلكَ مُباشرةً، وبناءً على ما قالتْهُ مارغريت، فإنَّ ذلكَ الصبيَّ الصغيرَ هو جيناس."
أمرتْهُ بالهربِ؟
مِمَّاذا؟، ومِنْ مَنْ؟
"آه، الآنَ تذكَّرتُ، لقد قالَ جيناس إنَّ لديهِ أختًا أكبرَ سنًّا، واسمُها أناتا..."
"أناتا؟، هل أناتا شانيل رود موجودةٌ هنا أيضًا؟" سألني كايدن مُندهشًا.
"تحدَّثَ عنها جيناس كما لو كانتْ ميتةً، ولكنْ إذا كانتِ المرأةُ التي رأيتَها في غرفة الملاذ الآمن تملكُ شعرًا فضيًّا وعينينِ حمراوينِ، فقد تكونُ هي أناتا، إنَّها تملكُ السِماتِ الظاهريَّةَ المُميِّزةَ لعائلةِ رود."
لماذا خُتِمَتْ أناتا هناكَ؟، ولماذا أخفى جيناس تلكَ الحقيقةَ؟، هل يمكنُ أن يكونَ جيناس هو الذي ختمَ أناتا؟
هناكَ الكثيرُ من الأسئلةِ التي لا إجابةَ لها.
"مارغريت."
بينما كنتُ غارقةً في التفكيرِ، سمعتُ صوتَ إينوك، رفعتُ رأسي ونظرتُ إليهِ.
"هل قلتِ إنَّ هناكَ 'غرفة الملاذ الآمن' في الداخلِ، ومكتوبٌ على بابِها 'مختومٌ'؟"
أومأتُ برأسي تأكيدًا.
مسحَ إينوك ذقنَهُ وقطَّبَ جسرَ أنفِهِ وكأنَّهُ يستذكرُ شيئًا.
ثم قالَ بصوتٍ خفيضٍ.
"...لقد كانَتْ عادةً في سلالةِ إيغران، وهناك قولٌ مأثورٌ مفادُهُ أنَّكَ إذا صنعتَ غرفة الملاذ الآمن وختمتَ شخصًا حيًّا، فإنَّ روحَهُ تغدو روحًا حاميةً."
بدا إينوك هادئًا وثابتًا، وكأنَّهُ لم ينزعجْ بشكلٍ خاصٍّ وسطَ القصصِ الصادمةِ التي تهاطلتْ.
واصلَ بهدوءٍ "ربما لم يكنْ مصدرُ الضبابِ الذي أحاطَ بالكوخِ هو سحرَ جيناس، بل سحرَ تلكَ الروحِ المختومةِ."