لحسنِ الحظِّ، اكتملتِ الدائرةُ السحريَّةُ قُبيلَ أن تخورَ قوايَ، وتغلغلتِ الدائرةُ المُكتملةُ حولَ كتفِ إينوك.
هوَيتُ أرضًا، أُراقبُ الجروحَ المُمزَّقةَ والمفتوحةَ وهي تلتئمُ تدريجيًّا.
"مارغريت!"
أمسكَ بي الرجلانِ في اللحظةِ ذاتِها.
"لا بأسَ، أنا مُتعبةٌ قليلًا فحسبُ، سأكونُ بخيرٍ بعدَ الاستراحةِ."
جلستُ مُسنِدةً ظهري إلى جذعِ شجرةٍ وتنهَّدتُ.
بعدَ لقائي بـإينوك وكايدن، انزاحَ عنِّي التوتُّرُ، وداهمني الإرهاقُ المُتراكمُ منذُ زمنٍ بعيدٍ دفعةً واحدةً، وعلاوةً على ذلكَ، بما أنني استخدمتُ المانا، تبدو التبعاتُ أشدَّ وطأةً.
جلستُ بوجهٍ مُرهَقٍ ونظرتُ إلى أسفلِ بطني، الذي شُفِيَ تمامًا وأصبحَ أملسَ، حتى ضلوعي التي ظننتُ أنَّها كُسِرَتْ لم تعدْ تُؤلِمُ.
تمتمتُ "يبدو أنَّكَ تستطيعُ التعافي بسرعةٍ غريبةٍ في هذهِ الجزيرةِ."
غطَّيتُ فمي وتثاءبتُ، إنني نعسانةٌ.
نظرَ إليَّ إينوك، وهو يرتدي قميصَهُ المُهترئَ، وأومأَ كايدن، الذي جلسَ بجانبي مرَّةً أخرى، برأسِهِ.
"حسنًا، لا ينمو شعري ولا لحيتي، وبالنظرِ إلى أنَّكَ لا تستطيعُ استخدامَ السحرِ حتى، فإنَّ الأمرَ أشبهُ بكونِ هذا فضاءً موجودًا في زمانٍ ومكانٍ مُختلفينِ تمامًا."
صحيحٌ أنَّهُ في زمانٍ ومكانٍ مُختلفينِ.
'أشعرُ بدوارٍ قليلًا.'
شعرتُ بدوارٍ للحظةٍ ولمستُ جبهتي، نظرَ إليَّ إينوك وكايدن في الوقتِ ذاتِهِ، وكأنَّهما كانا يُراقبانِ كلَّ حركةٍ من حركاتي بعنايةٍ.
"هل أنتِ بخيرٌ؟" سألَ كايدن.
نظرتُ إليهِ بصمتٍ.
بالتفكيرِ في الأمرِ، كم من الوقتِ قضينا في هذهِ الجزيرةِ؟
يبدو أنَّ أربعةَ أشهرٍ قد مرَّتْ بالفعلِ، متى سنتمكَّنُ من الهربِ؟
هل أضاعَ كايدن الحقيبةَ التي يحملُها معهُ عادةً؟
آه.
بطريقةٍ ما، أشعرُ بالكثيرِ من الحرارةِ تتصاعدُ في جسدي.
حسنًا، لقد مررتُ بشتى أنواعِ المتاعبِ وحدي بعدَ مجيئي إلى هذهِ الجزيرةِ، لكنني لم أُصَبْ بمرضٍ شديدٍ قطُّ، باستثناءِ عندما سرقَ دييغو فُستاني.
'كانَ ذلكَ غريبًا نوعًا ما.'
"مارغريت."
رفعتْ يدُ إينوك الكبيرةُ ذقني بعنايةٍ، سقطتْ عيناهُ الذهبيَّتانِ في مجالِ رؤيتي.
"أنتِ لستِ على ما يُرامُ."
فحصَ إينوك وجهي مُدققًا في لونِهِ، وضعَ كايدن أيضًا ظهرَ يدِهِ على جبهتي.
قالَ "يبدو أنَّ لديكِ حمَّى، جبهتُكِ ككرةٍ من النارِ، الأمرُ خطيرٌ جدًّا."
أن يقولَ إنَّ الأمرَ خطيرٌ جدًّا يوحي بأنَّ حالتي سيِّئةٌ حقًّا، رمشتُ ببطءٍ وجلستُ متراخيةً على جذعِ الشجرةِ.
"لا بأسَ، سأكونُ بخيرٍ بعدَ قليلٍ من النومِ."
"هل لديكِ أيُّ إصاباتٍ أخرى؟، حسنًا، مثلَ التسمُّمِ."
أثارَ كايدن جلبةً وهو يفحصُ جسدي، شعرتُ بالإرهاقِ، ورمشتُ عينيَّ ببطءٍ وهززتُ رأسي.
"كلا، أنا بخيرٌ."
أتساءلُ عمَّا إذا كانَ إينوك يلومُ نفسَهُ لأنَّهُ يعتقدُ أنَّ السببَ هو مُعالجتي لهُ مرَّةً أخرى، أظنُّ أنني مُجهَدةٌ حقًّا.
تدلَّتْ جفوني بصعوبةٍ وكأنَّها مُثقَلةٌ بوزنٍ ثقيلٍ.
"أنا بخيرٌ... فقطْ... أظنُّ أنني مُجهَدةٌ حقًّا..."
"مارغريت؟!"
بعدَ نداءِ كايدن العاجلِ، فقدتُ الوعيَ.
* * *
عدتُ إلى وعيي تدريجيًا.
جسدي يتجمَّدُ برودةً، يبدو الأمرُ وكأنَّني أُلْقيتُ حافيةَ القدمينِ في حقلٍ من الثلجِ في مُنتصفِ الشتاءِ.
بصرفِ النظرِ عن مدى تغير درجة الحرارة، لم أشعر بهذا القدرِ من البردِ في هذه الجزيرة أبدًا.
"مارغريت، هل استيقظتِ؟، كيفَ تشعرينَ؟"
"تبًّا، إنَّها لا تزالُ باردةً، ألا يمكنُني استخدامَ المزيدِ من السحرِ وحسبُ؟"
"إذا استخدمتَ السحرَ مرَّةً أخرى، فقد تكونُ مارغريت في خطرٍ حقيقيٍّ."
جاءَ الحوارُ العاجلُ بينَ كايدن وإينوك ذهابًا وإيابًا، شعرتُ وكأنَّ ذراعينِ سميكتينِ ملفوفتانِ حولَ كتفيَّ وخصري.
رفعتُ جفوني المُرتعشةَ بصعوبةٍ، دخلَ وجهُ إينوك في مجالِ رؤيتي تدريجيًّا.
ارتجفتْ شفتايَ من البردِ، وبينما كانَ جسدي يرتعشُ أيضًا، شدَّتِ الذراعُ الملفوفةُ حولَ خصري.
"مارغريت، هل لا تزالينَ تشعرينَ بالبردِ؟" جاءَ صوتُ كايدن القَلِقُ من الخلفِ.
أمامي، سألني إينوك بصوتٍ قَلِقٍ "كيفَ حالُكِ؟"
'ما هذا الموقفِ؟'
على الرغمِ من أنني فتحتُ عينيَّ، لم يكنْ من السهلِ استيعابُ الموقفِ.
أمامَ أنفي، كانَ إينوك، وذراعُهُ حولَ كتفيَّ، ومن الخلفِ، يبدو أنَّ كايدن كانَ يعانقُ خصري.
لكنَّها كانتْ لحظةَ ارتباكٍ وجيزةٍ، إنَّ الجوَّ باردٌ جدًّا ورأسي يدورُ لدرجةِ أنني لا أستطيعُ تحمُّلَ ذلكَ.
"بارد..."
الآنَ تجمَّدَ فمي أيضًا، لذا ارتجفتُ فقطْ ولم تخرجْ سوى كلمة واحدة.
بينما كنتُ أرتعشُ وأرتجفُ، ضغطَ الرجلانِ عليَّ مُتقاربَينِ محاولين تدفئتي.
تخلىَ الرجلانِ عن حربَّهما وعانقاني من الأمامِ والخلفِ للحفاظِ على درجةِ حرارةِ جسدي.
"إيونجي، هل يمكنكَ أن تُشعِلَ المزيدَ من النارِ؟"
رفعتُ رأسي بصعوبةٍ على صوتِ كايدن، ثم رأيتُ إيونجي وهو ينفخُ باجتهادٍ في الخشبِ بجانبِنا.
عملَ إيونجي بجدٍّ على فعلِ ما طلبَهُ كايدن، لكنَّهُ قفزَ مُجدَّدًا بوجهٍ مُنزعجٍ وكأنَّهُ يسألُ عن السببِ.
ثم، عندما التقتْ عيونُنا، تململَ وتلوَّى، ثم أشعلَ الحطبَ باجتهادٍ مرَّةً أخرى.
"ألا تظنُّ أنَّ جسدَ مارغريت أصبحَ أكثرَ برودةً؟، بهذا المِعيارِ..."
"لا تقُلْ شيئًا سيِّئًا."
"تبًّا."
أسندتُ خدي على صدرِ إينوك الدافئِ، وهو يعانقُني من الخلفِ، دفنَ كايدن وجهَهُ في كتفي وقبَّلَهُ بشفتيهِ، لم أشعرْ سوى بدفءِ أنفاسِهِ على كتفي، لكنني لم أستطعِ تقديرَ اللمسةِ المُزعجةِ لشفتيهِ.
لحسنِ الحظِّ، يتمتَّعُ الرجلانِ بالكثيرِ من الحرارةِ في جسديهما، لذلكَ لم أشعرْ بالبردِ كما كنتُ من قبلُ.
'على أيَّةِ حالٍ... يا لهُ من موقفٍ مُحرجٍ.'
أشعرُ وكأنني أُريدُ الاختباءَ في جُحرِ فأرٍ.
ومع ذلكَ، لا بدَّ أنَّ هذهِ الطريقةَ لها تأثيرٌ في رفعِ درجةِ حرارةِ الجسمِ.
من الواضحِ مَنْ اقترحَ هذهِ الطريقةَ، لكنَّ استعدادَ إينوك للقيامِ بذلكَ مُدهشٌ نوعًا ما.
كافحتُ لِأستجمِعَ قوايَ، يجبُ أن أقولَ شيئًا، ضغطتُ على أسناني وشددتُ شفتيَّ المرتعشتينِ.
"ما هذا— أحم."
حاولتُ أن أقولَ شيئًا، ولكنْ خرجَ صوتٌ أجشُّ بشكلٍ مُضحكٍ، فغطَّيتُ فمي لثانيةٍ ونظَّفتُ حنجرتي، يا للإحراجِ.
"مارغريت؟، هل أنتِ بخيرٌ؟"
"كيفَ حالُ جسدِكِ؟"
جلسَ كايدن وإينوك في الوقتِ ذاتِهِ ونظرا إلى وجهي بالتناوبِ، بمجردِ أن تركاني، غشيني البردُ في لحظةٍ.
"مارغريت."
ناداني إينوك مرَّةً أخرى بصوتٍ ودودٍ، أمسكتُ بذراعِهِ وأنا أرتعشُ.
نظرَ إليَّ بوجهٍ حائرٍ.
'ماذا يجبُ أن أفعلَ؟، هل يجبُ أن أقولَ مثلَ هذا الشيءِ المُحرجِ أم لا؟'
بينما كنتُ أُفكِّرُ في الأمرِ عشراتِ المرَّاتِ، أطلقتُ صرخةً بلا صوتٍ بينما شعرتُ بالبردِ القارسِ حتى العظامِ من الرياحِ الهابَّةِ، لا زلتُ أرتدي سترةَ إينوك ورداءَ كايدن، لكنَّ ذلكَ لا يزالُ غيرَ كافٍ.
"آه، ألا تستطيعانِ أن تفعلا ما فعلتُماهُ قبل قليل؟"
"ماذا؟"
على كلامي، نظرَ إليَّ إينوك وكايدن بوجهينِ حائرينِ، ارتجفتُ من البردِ، وأنا أُقطِّبُ حاجبَيَّ، أيُّها البطلانِ، لماذا لا تفهمان؟
"إنَّ الجوَّ باردٌ، لذا أرجوكما عانقاني."
تكلَّمتُ بوضوحٍ أكبرَ من ذي قبلِ.
سادَ صمتٌ للحظةٍ بعدما قلتُ ذلكَ.
'سأموتُ من الإحراجِ.'
بدأ الإحراجُ يتصاعدُ في الصمتِ المُستمرِّ.
'ما كانَ يجبُ أن أقولَ ذلكَ، تبًّا.'
في تلكَ اللحظةِ، قاطعَ كايدن الصمتَ وصرخَ وامسك كتفي ليقلبني لأنظر له.
"مهلاً، مارغريت، هل يمكنكِ أن تُخبريني بذلكَ وأنتِ تنظرينَ إليَّ؟"
"...أعتقد انني لم أسمعكِ جيدًا."
ثم جاءَ صوتُ تنهُّدِ إينوك.
بدا وكأنَّهما لم يستطيعا تجاهل ما قلته، لكنني لم أكنْ في مزاجٍ يسمحُ لي بالاهتمامِ بذلكَ، لذلكَ، في النهايةِ، كبحتُ دموعي وحسبُ.
"آه، أرجوكما!، فقطْ عانقاني!، أنا باردةٌ!"
أبدى الرجلانِ وجوهًا مُتفاجئةً لصرختي التي ملأها الانزعاجُ، ثم انفجرَ كايدن ضاحكًا.
حينها بدأ وعيي يعود تدريجيًا، على الرغمِ من أنَّ الجوَّ كانَ لا يزالُ باردًا.
يبدو أنَّنا لا نزالُ داخلَ الحاجزِ، كنتُ مُستلقيةً على الأرضِ وورقةٌ كبيرةٌ كانت موجودة كسجادة على الأرض.
استلقى إينوك أمامي مرَّةً أخرى، ووضعَ ذراعَهُ حولَ كتفيَّ، وربَّتَ على مؤخَّرةِ رأسي، أسندتُ خدي على صدرِهِ الدافئِ وحاولتُ التخلُّصَ من إحراجي، بطريقةٍ ما، أشعرُ وكأنَّ حرارتي ترتفعُ بسبب الخجل.
ثم عانقني كايدن من الخلفِ، وهو يفركُ وجهَهُ كالقِطِّ على كتفي ويضحكُ.
"آه، هذا جيِّدٌ جدًّا، لقد طلبتْ مني مارغريت أن أُعانقَها."
"مارغريت غيرُ مُرتاحةٍ، لا تلمسْها كثيرًا."
بطريقةٍ ما، كانَتْ كلُّ جملةٍ ينطقُ بها إينوك شرسةً وغاضبة، كانَ الأمرُ وكأنَّ الغضبَ الذي كانَ يكبتُهُ قد تسرَّبَ للحظةٍ.
من الخلفِ، سمعتُ كايدن وهو يتذمَّرُ.
أتساءلُ عمَّا إذا كانا يتجادلانِ هكذا طوالَ الوقتِ الذي فقدتُ فيهِ الوعيَ، هل هذا هو السببُ في أنَّهما يعانقانني ليدفئونني؟
لم يُلْقِ إينوك بالًا لهُ وربَّتَ بلُطفٍ على مؤخَّرةِ رأسي.
'ما هذا؟، هل يخوضانِ حربَ؟'
على أيَّةِ حالٍ، الأمرُ جيِّدٌ لأنَّ الجوَّ أصبح دافئٌ، بفضلِهما، نجوتُ اليومَ.