الأفعوانُ الضخمُ الذي كانَ مُنحنيًا فوقَ الكهفِ تنبهَ لحركتي وكانَ على وشكِ أن يُديرَ رأسَهُ في هذا الاتجاهِ.
— كوااه!
أضاءَ إيونجي المُحيطَ من بعيدٍ بلهيبٍ هائلٍ، التفتَ الأفعوانُ نحوَهُ.
بينما كنتُ أُراقبُ إينوك ودييغو وهما يُصارعانِ الأفاعي الأخرى في الأفقِ، تسلَّقتُ الجسدَ الهائلَ للأفعوانِ الذي أمامي.
كانَ من الصعبِ بما فيهِ الكفايةِ التسلُّقُ بسببِ الحراشفِ الزَلِقةِ، ولكنْ بما أنَّهُ لم يتحرَّكْ كثيرًا، تمكَّنتُ من الوصولِ إلى أعلى رأسِهِ بأمانٍ.
جلستُ على ركبةٍ واحدةٍ فوقَ رأسِ الأفعوانِ، ونظرتُ إلى إينوك وصرختُ "إينوك!!، ابتعدْ!!"
التفتَ إليَّ إينوك، الذي كانَ يطعنُ رأسَ الأفعوانِ بجنونٍ بسيفِهِ، سحبَ سيفَهُ بسرعةٍ ونزلَ عن الأفعوانِ.
وجَّهتُ مسدَّسَ الإشارةِ نحو جذعِهِ، مُتجنِّبةً رأسَ دييغو، وسحبتُ الزنادَ.
— بُواه! بُوم!
تحطَّمَ جذعُ الأفعوانِ بعدَ أن أصابتْهُ الرصاصةُ المُشتعلةُ مُباشرةً، صرخَ ولوى جسدَهُ من الألمِ، ممزِّقًا ملابسَ دييغو العالقةَ في أسنانهِ، ممَّا تسبَّبَ في سقوطِهِ.
قبلَ أن أتمكَّنَ من التحقُّقِ ممَّا إذا كانَ دييغو لا يزالُ حيًّا أم ماتَ، تحرَّكَ الأفعوانُ الذي تسلَّقتُهُ.
إذا كانَ جيناس يُراقبُنا عبرَ أعينِ هذهِ الأفاعي—
وإذا كانَ هو حقًّا صانع هذهِ الجزيرةِ—
فيجبُ أن أُريهِ.
أيًّا كانَ ما يُريدُهُ، فلن يسيرَ الأمرُ كما يتمنَّى.
"تَبًا، لا أنوي أن أموتَ سُدىً بهذهِ الطريقةِ."
تسلَّقتُ بسرعةٍ رأسَ الأفعوانِ ونزلتُ إلى الأمامِ نحو فمِهِ، وفي اللحظةِ التي فتحَ فيها فمَهُ، وضعتُ قدمي على أسنانهِ السُّفلى، وأمسكتُ بأسنانهِ العُليا، ووجَّهتُ مسدَّسَ الإشارةِ داخلَ فمِهِ، وسحبتُ الزنادَ.
— بُواه!
— بُوم!
إلى جانبِ زئيرِ الألمِ، انطلقتُ بعيدًا بقوَّةِ الارتدادِ.
انفجرَ رأسُهُ وانتشرَ غازٌ أرجوانيٌّ ذو رائحةٍ عفنةٍ، ولم يكنْ لديَّ خيارٌ سوى استنشاقِهِ.
ومع ذلكَ، لم يكنْ لديَّ وعيٌ لِلجدالِ حولَ ذلكَ وأنا أسقطُ على الأرضِ.
تمكَّنَ شخصانِ من الإمساكِ بي بينما كنتُ أُغمضُ عينيَّ بشدَّةٍ، مُستعدَّةً لِاصطدامِ الأرضِ الصلبةِ، كانا إينوك وكايدن.
فتحَ الرجلانِ ذراعيهِما للإمساكِ بي ونظرا إليَّ في ذعرٍ، ظهري يُؤلمُني قليلًا، لكنني ما زلتُ على قيدِ الحياةِ.
لم يُعرَفْ بعدُ ما حدثَ لِـدييغو، لكنَّ الآخرينَ يبدونَ بأمانٍ.
'لحسنِ الحظِّ.'
بالطبعِ، هما المَحظوظانِ، ولستُ أنا.
بدا أنَّ الدخانَ الأرجوانيَّ ذو الرائحةِ العفنةِ يطفو حولي، رأسي دوارٌ ومعدتي تشعرُ بالغثيانِ.
في النهايةِ، أُغميَ عليَّ بينَ ذراعي إينوك وكايدن.
* * *
عندما استيقظتُ، كانتِ الشمسُ حارقةً في الظهيرةِ.
كنتُ مُستلقيةً على الأوراقِ الناعمةِ، وطرفُ رداءِ كايدن ملفوفٌ بلُطفٍ حولَ كتفيَّ، يبدو أنني انهرتُ في النهايةِ من التعبِ المُتراكمِ، لم أستطعِ النهوضَ لأنَّ جسدي كانَ ثقيلًا كالقطنِ المُبلَّلِ بالماءِ.
'رأسي يُؤلمُني بشدَّةٍ.'
أشعرُ بالدوارِ من صداعٍ نابضٍ، عقلي أيضًا ضبابيٌّ.
هناكَ رائحةٌ كريهةٌ تأتي من مكانٍ ما.
'ما هذهِ الرائحةُ مرَّةً أخرى؟'
كانتْ بوضوحٍ نفسَ الرائحةِ التي استنشقتُها قبلَ أن يُغمى عليَّ مُباشرةً.
أشعرُ وكأنَّ دخانًا ضبابيًّا يملأُ الهواءَ، ورائحتُهُ مثلُ الفطرِ المُتعفِّنِ.
كنتُ أتساءلُ عمَّا إذا كانَ الجميعُ بخيرًا، لكنني كنتُ أكثرَ توقًا للتخلُّصِ من هذا الصداعِ المُزعجِ، في نهايةِ المطافِ، أغمضتُ عينيَّ لأحصلَ على المزيدِ من النومِ.
عندئذٍ، جاءَ ضجيجٌ خفيفٌ من خلفي، يبدو أنَّ الجميعَ جالسونَ خلفي.
"مارغريت، هل استيقظت؟"
"لا أظنُّ ذلكَ."
جاءتْ أصواتُ كايدن وإينوك واحدًا تلوَ الآخرِ، إلى جانبِ صوتِ الحفيفِ، كانَ هناكَ أيضًا صوتُ طقطقةِ الحطبِ.
"ماذا عن السير دييغو؟"
"لم يستعِدْ وعيَهُ بعدُ."
أجابَ روزيف على سؤالِ إينوك، بعدَ أن سقطَ دييغو على الأرضِ، لم أتمكَّنْ من التأكُّدِ ممَّا إذا كانَ حيًّا أم لا، لكنَّهُ يبدو في حالةٍ خطيرةٍ.
أردتُ أن أستيقظَ وأسمعَ التفاصيلَ، لكنَّ جفوني وجسدي ثقيلانِ، لذلكَ لا يمكنُني سوى الاستماعِ إلى مُحادثتِهم.
سألَ روزيف "ما الذي حدثَ بحقِّ خالث الجحيمِ؟"
شرحَ إينوك بهدوءٍ "أثناءَ فحصنا حولَ الحاجزِ، صادفتُ أنا والسير دييغو مجموعةً من الأفاعي، بدا أنَّها تبحثُ عن شيءٍ ما، هذا ليسَ موطنَها الأصليَّ، لكنني أُخمِّنُ أنَّ ذلكَ لم يَعُدْ مُهمًّا بما أنَّها تطوَّرتْ."
قالَ روزيف "كنتُ أُفكِّرُ في الأمرِ لفترةٍ طويلةٍ، لكنْ يبدو أنَّ الوحوشَ عُدوانيَّةٌ بشكلٍ خاصٍّ تجاهَ الآنسة الشابَّةِ فلوني، أتساءلُ عمَّا إذا كانتْ هي السببَ في تجمُّعِ الوحوشِ، ليسَ لأنني ألومُها، فالأمرُ محضُ فضولٍ، لماذا هي؟"
سادَ صمتٌ طويلٌ على سؤالِ روزيف وحامَ فقطْ صوتُ احتراقِ الحطبِ في الهواءِ.
بعدَ فترةٍ، فتحَ كايدن فمَهُ أولًا "مارغريت مُثيرةٌ للشكِّ بالفعلِ، في البدايةِ، اعتقدتُ أنَّها قد تكونُ جاسوسةً تتظاهر أنها مارغريت."
"هذا يبدو مُحتملًا، من المؤكَّدِ أنَّ الآنسة الشابَّةَ فلوني قد تغيَّرتْ بما يكفي لِتُعتبرَ شخصًا آخرَ."
أصغيتُ إلى كلماتِ روزيف وكايدن، وحبستُ أنفاسي بهدوءٍ.
توقَّعتُ أن يشكُّوا بي، لذا في مرحلةٍ ما، حاولتُ الهربَ وحدي.
ومع ذلكَ، اعتقدتُ أنَّ مرحلةَ الشكِّ قد مرَّتْ مُنذُ فترةٍ طويلةٍ ونحنُ نعيشُ معًا...
أظنُّ أنني كنتُ مُهمِلةً جدًّا.
بعدَ أن تحدَّثَ روزيف بأفكارِهِ، خفضَ كايدن صوتَهُ أكثرَ.
بسببِ ذلكَ، لا يمكنُني سماعُ صوتِهِ بشكلٍ صحيحٍ، من الصعبِ فهمُ سيرِ الحديثِ لأنَّ المُحادثةَ تنقطعُ على فتراتٍ، وهذا كان مُحبطٌ للغايةِ.
"عندما يحينُ الوقتُ... من الواضحِ أنَّ مارغريت هي المفتاحُ..."
الكلماتُ التي سمعتُها كانتْ شُؤمًا.
"من المُريبِ أنَّها تستطيعُ استخدام أدواتِ السحرِ بِحُريَّةٍ... لأكونَ صادقًا، حتى اللغاتُ الشرقيَّةُ..."
"...ربما يكونُ الشخصُ الأكثرُ خُطورةً في هذه الجزيرة هي مارغريت..."
جفَّ فمي من المُحادثةِ المُتقطِّعةِ.
"...عن طريقِ ختمِ مانا مارغريت مؤقتًا..."
"اختبارٌ..."
وسيرُ المُحادثةِ الذي تلا ذلكَ لا يُصدَّقُ ببساطةٍ.
أشعرُ وكأنَّ عقلي قد توقَّفَ عن العملِ.
هل هذهِ مُحادثةُ أشخاصٍ أعرفُهم؟، هل أنا أحلُمُ الآنَ؟
لا، لا بدَّ أنني أسأتُ السمعَ، لا يمكنُ للرجالِ الذينَ أظهروا ثقةً لا حدودَ لها بي أن يختبروني فجأةً بسببِ الشكِّ ويقولوا إنَّهم سيقتلونني.
لا بدَّ أنني أسمعُ خطأً، بكلِّ وضوحٍ.
"كيفَ تختمُ المانا..."
لكنَّ المُحادثاتِ التي تلتْ ذلكَ لم تُؤدِّ إلَّا إلى تفاقمِ قلقي، الآنَ، لم يَعُدْ واضحًا حتى مَنْ قالَ ماذا.
ارتجفتْ شفتاي، استمرَّتْ رائحةُ الفطرِ المُتعفِّنِ تملأُ أنفي وأصبحَ عقلي غائمًا.
"المُساعدةُ السحريَّةُ التي قدَّمها لها وليُّ العهدِ آرثدال..."
"...لِاستدراجِ الوحوشِ... بعدَ التحقُّقِ من نجاحِ الاختبارِ... فقط اقتُلها..."
انتظرْ، ماذا؟
ما الذي أستمعُ إليهِ الآنَ؟، هل يقولونَ إنَّهم سيستخدموني لِاستدراجِ الوحوشِ وقتلي؟
"...أتَّفِقُ مع الساحر... نختمُ... مارغريت... عندما تستيقظُ غدًا... لِنُحاولْ."
بهذا، انتهتِ المُحادثةُ.
أُريدُ فقطْ أن أعتبرها سوءَ فهمٍ وأسألَهم عمَّا كانوا يتحدَّثونَ عنهُ.
ومع ذلكَ، أشعرُ وكأنَّ الجمرةَ الصغيرةَ جدًّا التي بقيتْ بداخلي قد اشتعلتْ قليلًا.
'القانونُ الثابتُ.'
مهما انحرفتِ القصَّةُ، فإنَّ القاعدةَ هي أنَّ الحبكةَ في النهايةِ تسيرُ كـالأصلِ.
ربما كانَ مُقدَّرًا لي أن يقتلني الأبطالُ بطريقةٍ او بأخرى.
'...لا، استعيدي وعيَكِ.'
عقلي مُشوشٌ، لكنَّ كايدن وإينوك اللذينِ أعرفُهما لا يمكنُ أن يكونا هكذا، أبدًا.
إنَّهما رجلانِ أظهرا إيمانًا وثقةً قويَّةً بي حتى يومِ أمسِ، نعم، هذا لا يمكنُ أن يحدثَ.
'ومع ذلكَ، إذا دُفعتَ إلى بيئةٍ مُتطرِّفةٍ وشعرتَ حتى بتهديدٍ لحياتِكَ، ألنْ يضطربَ حُكمُكَ على الفورِ؟'
أستمرُّ في التعرُّضِ لِمثلِ هذهِ الأفكارِ المشؤومةِ.
'لِنرَ ما سيحدث غدًا ولِأسألْهم مُباشرةً.'
إينوك وكايدن اللذانِ أعرفُهما سيضحكانِ بالتأكيدِ على هذا الهراءِ، وقد يعانقانني، ويقولانِ ألَّا أقلقَ.
عندما فكَّرتُ في ذلكَ، شعرتُ بمزيدٍ من الارتياحِ بكثيرٍ، وغفوتُ بهدوءٍ.
* * *
في الصباحِ التالي.
ما زلتُ أُعاني من صداعٍ، عندَ طرفِ أنفي، استمرَّتِ الرائحةُ الكريهةُ التي شممتُها بالأمسِ.
نظرتُ حولي، لكنْ لم أتمكَّنْ من العثورِ على مصدرِ الرائحةِ.
'هل هو مُجرَّدُ شعورٍ؟'
تثاءبتُ وأملتُ رأسي، قد تكونُ حوّاسي أصبحتْ حسَّاسةً وحلمتُ حُلمًا غريبًا الليلةَ الماضيةَ.
'نعم، كلُّ ما سمعتُهُ بالأمسِ لا بدَّ أنَّهُ حُلمٌ.'
حاولتُ التفكيرَ بهذهِ الطريقةِ، لكنَّ الجوَّ كانَ غيرَ عاديٍّ.
كانَ إينوك في الأصلِ شخصًا كانَ من الصعبِ الحُكمُ على نواياهُ بناءً على تعبيرِهِ وحدهُ، لكنْ كانَ من الواضحِ أنَّ روزيف وكايدن كانا يشكَّانِ بي.
روزيف الذي يُحدِّقُ بي باهتمامٍ، كايدن الذي يُراقبُني بهوسٍ، ودييغو الذي لا يزالُ مُستلقيًا وعيناهُ مُغلقتانِ وجسدُهُ ملفوفٌ بالضماداتِ.
لا أشعرُ أنَّ هذا هو الجوُّ المُناسبُ للسؤالِ عن المُحادثةِ التي سمعتُها الليلةَ الماضيةَ.
"مارغريت، هل أنتِ بخيرٌ؟"
اقتربَ مني إينوك، في تلكَ اللحظةِ، إلى جانبِ صداعٍ فظيعٍ، تشوَّشتْ رؤيتي.
وعلى رأسِ إينوك الذي كانَ ينظرُ إليَّ، نبتتْ فجأةً قُرونٌ غريبةٌ، تشوَّهَ وجهُهُ بشكلٍ كبيرٍ، وتمزقت شفتاهُ وهي تشد خدَّيهِ وهو يبتسمُ ابتسامةً مُروِّعةً.