فزعتُ وتراجعتُ إلى الخلفِ.
عندئذٍ، رفعَ حاجبيهِ ووقفَ ساكنًا.
"هل تشعرينَ أنَّكِ بخيرٌ؟، هل رأسُكِ يُؤلمُكِ؟" سألني إينوك كالمعتادِ، بوجهٍ غريبٍ غيرِ بشريٍّ.
فركتُ صدغَيَّ، يبدو أنني أُهَلْوِسُ.
"أشعرُ بسوءٍ، رأسي يُؤلمُني أيضًا."
ردًّا على إجابتي، فتحَ كايدن، الذي كانَ يقفُ بجوارِ إينوك، فمَهُ ليقولَ شيئًا، لكنْ،
— ثاد. ثاد. ثاد. ثاد.
كانَ هناكَ صوتُ خُطواتٍ مُكتومةٍ قادمةٍ من مكانٍ ما، ممَّا تسبَّبَ في اهتزازِ الأرضِ بخفَّةٍ.
تحوَّلتْ جميعُ الأعينِ نحوي في اتجاهِ الصوتِ.
قالَ إينوك "يبدو أنَّ الوحوشَ قادمةٌ."
التفتَ كايدن إليَّ "تَبًا، مارغريت، سأشرحُ لاحقًا، في الوقتِ الراهنِ، أرجو أن تتعاوني أولًا، سأستخدمُ تعويذة لختمِ المانا خاصَّتكِ."
"ماذا؟، لماذا؟"
"ذلكَ... لا وقتَ للشرحِ، آسفٌ."
أمسكَ كايدن بيدي بالقوَّةِ.
لقد صُدِمتُ لثانيةٍ لدرجةِ أنني نفضتُ يدَهُ وخطوتُ إلى الخلفِ.
نظرَ إليَّ كايدن بوجهٍ حائرٍ.
{"...عن طريقِ ختمِ مانا مارغريت مؤقتًا..."}
لا بدَّ أنَّهُ قالَ ذلكَ بالأمسِ.
ألمْ يكنْ حُلمًا؟
"حتى لو لم يكُنْ لديكَ وقتٌ، اشرحْ لي، لماذا تُريدُ ختمَ المانا خاصَّتي؟"
"ذلكَ... لإنها خطرٌة عليكِ."
هذهِ ليستْ إجابةً صادقةً، إنها مثلَ إعطاءِ الحلوى لطفلٍ، هذهِ مُجرَّدُ كلماتٍ فارغةٍ لِتهدئتي.
"لا أعتقدُ أنَّ هناكَ وقتًا طويلًا للانتظارِ."
اقتربَ مني روزيف ببطءٍ، ضربني صداعٌ مرَّةً أخرى، وتشوَّهَ وجهُ روزيف بشكلٍ مُروعٍ.
تَبًا، ما هذا؟، لماذا أستمرُّ في رؤيةِ الهراءِ؟
قطَّبتُ حاجبيَّ، وهززتُ رأسي وتراجعتُ، نظرَ إليَّ الرجالُ الثلاثةُ بوجوهٍ حائرةٍ.
"ماذا ستفعلونَ عندما تُختمُ المانا خاصَّتي؟"
{"...ربما يكونُ الشخصُ الأكثرُ خُطورةً في هذه الجزيرة هي مارغريت..."}
{"حسنًا إذًا، ماذا عن اختبار..."}
{لم يتأخَّر الوقت لمُحاولة قتل..."}
(الكلام غير مفهوم لان مارغريت ما تتذكر عدل)
إذا لم يكُنْ ما سمعتُهُ بالأمسِ حُلمًا، فربما يُحاولونَ اختباري الآنَ، وإذا حُكِمَ عليَّ بأنني خطيرةٌ، فقد يقتلونني.
نعم، ربما كنتُ أثقُ بهم كثيرًا، ألم يكُنْ هؤلاءِ الرجالُ لا يثقونَ بي ويكرهونَني من اللحظةِ الأولى التي التقيتُ بهم؟
ربما كنتُ ساذجةً جدًّا طوالَ هذا الوقتِ.
أصبحتِ الرائحةُ العفنةُ أقوى قليلًا، تركتُ جبهتي، وشعرتُ بالرائحةِ الدوارةِ المُثيرةِ للاشمئزازِ تمنحُني دوارَ الحركةِ.
شعرت بالغضبِ لأنَّ رأسي كانَ يُؤلمُني، وتدفَّقتْ مشاعرُ الظلمِ والحزنِ مثلَ سدٍّ مكسورٍ، لم يقتصرِ الأمرُ على ضعفِ حُكمي، بل استمررتُ في سماعِ ورؤيةِ هلوساتٍ غريبةٍ.
"ما الأمرُ مارغريت؟، انتظري، ما هذه التصرفات؟، أظنُّ أنَّ هناكَ سوءَ فهمٍ."
نظرَ إليَّ كايدن بوجهٍ حائرٍ، أطلقتُ تنهيدةً، وعقدت حاجبيَّ على شعورِ التعبِ الذي كانَ يتسلَّلُ إليَّ.
"لا يمكنُني تصديقُ أيِّ شيءٍ تقولُهُ الآنَ، كانَ عليكَ أن تشرحَ الأمرَ مُباشرةً قبلَ أن يكونَ هناكَ أيُّ سوءِ فهمٍ."
"الأمرُ ليس هكذا يا مارغريت..."
خطا كايدن خطوةً أقربَ إليَّ، وفي تلكَ اللحظةِ، تغيَّرَ وجهُهُ إلى شكلٍ ضارٍ مثلِ الآخرينَ، نبتتْ قُرونٌ على رأسِهِ، واستطالَ وجهُهُ إلى الأمامِ مثلَ الحصانِ، وانفتحَ فمُهُ كاشفًا عن أسنانٍ حادَّةٍ كالأنياب.
فزعتُ وتراجعتُ إلى الخلفِ.
اقتربَ الرجالُ الذينَ بدوا وكأنَّهم يرتدون أقنعةَ الوحوشِ ببطءٍ، أخرجتُ مسدَّسَ الإشارةِ ووجَّهتُهُ إليهم لِإبعادِهم عنِّي.
رفعَ الرجال الثلاثة ذوي الوجوه المُخيفة بشكلٍ مُرعِبٍ أيديهِم في الوقتِ ذاتِهِ.
عندَ رؤيةِ ذلكَ، التقطتُ حقيبتي التي سقطتْ على الأرضِ ببطءٍ، وتسلَّقَ إيونجي بسرعةٍ إلى حزامِ الحقيبةِ.
— كُونغ.
— ثاد.
من مكانٍ ما، دوَّى زئيرٌ هائلٌ مرَّةً أخرى، صوتُ خُطواتٍ بطيئةٍ، وكأنَّهُ يبحثُ عن شيءٍ ما، جعلني مُتوترةً جدًّا، بدا مُشابهًا لِصوتِ سيرِ وحشٍ من نوعِ الاورانغوتان.
"مارغريت، هل أنتِ بخيرٌ؟، أنفكِ ينزف."
عندما اقتربَ الوحشُ الذي يملك صوتِ إينوك، وجَّهتُ نحوَهُ قذيفةَ إشارةٍ.
"ألم تزل سُميَّه الغاز السامَّ بعدُ؟" صرخَ الوحشٌ الذي يملك صوتِ كايدن، ارتفعَ صوتُهُ أعلى قليلًا من ذي قبلُ.
غازٌ سامٌّ؟، هل أنا مُسمَّمةٌ؟، رأسي يُؤلمُني كثيرًا وأشعرُ بسوءٍ حقًّا، لكنني لا أشعرُ وكأنني مُسمَّمةٌ.
أملتُ رأسي بوجهٍ حائرٍ وفركتُ أنفي، كما قالَ إينوك، أنفي ينزفُ حقًّا.
أطلقتُ ضحكةً جوفاء.
هل جسدي ينهارُ؟، لا يوجدُ شيءٌ غريبٌ في ذلكَ، أشعرُ وكأنَّ عقلي وجسدي قد وصلَا إلى حُدودِهِما القصوى.
ربما كانتِ الفرضيَّةُ التي توصَّلتُ إليها في اليومِ الآخرِ صحيحةً، قد يكونُ كلُّ هذا تجربةً تدفعُنا إلى الحدِّ الأقصى في حالتِنا العاجزةِ.
ولكنْ، ما الذي يجنيهِ المُجرِّبُ من فعلِ ذلكَ؟
'أيًّا كانَ، من الصعبِ التخمينُ الآنَ، أُريدُ فقطْ الراحةَ الآنَ.'
أغلقتُ عينيَّ وفتحتُهُما ببطءٍ ونظرتُ إلى الرجالِ الثلاثةِ مرَّةً أخرى.
"لقد بذلتُ قصارى جُهدي حقًّا حتى الآنَ."
استمرَّت ضحكتي الجوفاء.
"فكَّرتُ مرَّاتٍ لا تُحصى في الهربِ والنجاة وحدي."
تصاعدت نبضات قلبي، مع تصاعدِ العواطفِ، بدأَ قلبي يتسارعُ، وارتفعتْ حُمَّى إلى رأسي.
أخذتُ أنفاسًا عميقةً وبطيئةً وحاولتُ تهدئة نفسي.
ثم، نظرتُ إلى الرجالِ الثلاثةِ، وواصلتُ بهدوءٍ،
"لكنكم أنتم كنتم رجالاً كرهتموني، احتقرتموني، شككتم بي، وجعلتموني أُعاني، ولم تكُنْ هناكَ أي عاطفةٌ بيننا من البدايةِ."
أخذتُ نفسًا عميقًا مع ارتفاعِ المشاعرِ الساخنةِ في قلبي، وعينيَّ بدأتْ تمتلئ بالدموع.
بشكلٍ غريبٍ، لم أستطعِ التحكُّمَ في عواطفي، وفي النهايةِ، تدفَّقتِ الدموعُ.
"مارغريت."
"لا تتحرَّكوا."
مسدَّسُ الإشارةِ المُوجَّهُ إلى الوحشِ الذي يملك صوتِ إينوك كانَ مُوجَّهًا هذهِ المرَّةَ نحو الوحشِ الذي يملك صوتِ كايدن.
مسحتُ الدموعَ التي سالتْ على خديَّ.
السببُ في أنني حسَّاسةٌ جدًّا الآنَ هو نتيجةُ مُحاولتي إخضاعَ وحشِ الأفعوانِ وإنقاذَ الجميعِ، مُنذُ أن استيقظتُ على هذهِ الجزيرةِ، ألم أكُنْ أتصرَّفُ من أجلِهم؟
بعدَ كلِّ أنواعِ المُعاناةِ، الآنَ لديَّ حتى هلوساتٌ، شعرت بإحساسٍ عميقٍ بالتشكُّكِ وأنا أتذكَّرُ العملَ الشاقَّ الذي تحمَّلتُهُ من أجلِهم.
"أظنُّ أنَّ الوقتَ قد حانَ لننفصل حقًّا، لا تهُمُّني ما هي نواياكُم، ولكنني لا أُحبُّ أن يُستغلَّني أحدٌ."
"مارغريت، لقد أسأتِ الفهمَ."
"لقد قلتُ لكَ، كانَ عليكَ أن تشرحَ الأمرَ مُباشرةً قبلَ أن يكونَ هناكَ أيُّ سوءِ فهمٍ."
"كلا، لم يكُنْ لديَّ وقتٌ لشرحِ ذلكَ—"
— كُونغ!
اندفعَ وحشٌ نحوَنا عبرَ الشجيراتِ.
شعرتُ بالدماءِ تسيلُ من أنفي مرَّةً أخرى، فمسحتُها بظهرِ يدي وتراجعتُ.
ركضَ الوحشُ نحوَنا، وخفضتُ مطرقةَ مسدَّسِ الإشارةِ على عجلٍ وسحبتُ الزنادَ.
— بُواه!
انفجرَ جسدُ الوحشِ بمُجرَّدِ إصابتِهِ، لكنَّ المشكلةَ هي الوحوشُ التي تتبعُهُ.
يبدو أنَّ إينوك وكايدن وروزيف مشغولونَ بالتعاملِ مع الوحوشِ التي تُحاولُ الاقترابَ.
في غضونِ ذلكَ، استدرتُ بسرعةٍ وهربتُ.
"مارغريت!"
جاءتْ صرخةٌ من خلفي، لكنْ لم يكُنْ لديَّ وعيٌ لِأخذِ حالتِهم في الاعتبارِ.
نعم، أعتقدُ أنَّ الوقتَ قد حانَ للذهابِ إلى المخبأِ وحدي.
كانَ قلبي يتسارعُ، كنتُ لاهثةً ورأسي لا يزالُ يدورُ.
لكنني استمررتُ في الركضِ دونَ توقُّفٍ.
ونجحتُ بالأبتعاد عن إينوك والآخرينَ.
لم أُدركْ إلَّا لاحقًا أنني تسمَّمتُ بغازِ أفعوانِ السامِّ.
* * *
الليلةُ التي سبقتِ الحادثةَ...
بعدَ هزيمةِ وحشِ الأفعوانِ وحملِ مارغريت الفاقدةِ للوعيِ داخلَ الحاجزِ، نظرَ إينوك إلى الحاجزِ بوجهٍ قَلِقٍ.
"مارغريتُ فاقدةٌ للوعيِ، ولا أعرفُ كم سيدومُ الحاجزُ."
تبعَ كايدن، الذي حملَ دييغو على ظهرِهِ ودخلَ الحاجزَ، إينوك لتفقُّدِ الحاجزِ.
"لكنْ لم يمضِ وقتٌ طويلٌ مُنذُ أن قوَّيتُهُ، لذا يجبُ أن يكونَ قادرًا على الصمودِ حتى الصباحِ."
بينما كانا يُشاهدانِ الوحوشَ تندفعُ نحوَ الحاجزِ بوجوهٍ مُتوترةٍ، أحضرَ روزيف على عجلٍ مجموعةَ إسعافاتٍ أوليَّةٍ وبدأَ في علاجِ مارغريت ودييغو.
كانتْ هناكَ جُثَّتانِ ضخمتانِ لِأفعوانينِ أمامَ الحاجزِ، وكانتِ الوحوشُ ذاتُ المظاهرِ الغريبةِ تتجوَّلُ حولَ الحاجزِ، وهي تشمُّ وكأنَّها تبحثُ عن شيءٍ ما.
فتحَ كايدن، الذي كانَ يقفُ داخلَ الحاجزِ وينظرُ إليهم، فمَهُ بهدوءٍ "يبدو أنَّهم يبحثونَ عن مارغريت، أليسَ كذلكَ؟"
أومأَ إينوك وكأنَّهُ ليسَ أمرًا جللًا "ألا يفعلونَ ذلكَ دائمًا؟"
نظرَ كايدن إلى إينوك بعيونٍ مُعقَّدةٍ.
'ربما أُفكِّرُ بعقلانيَّةٍ أكثرَ ممَّا يفعلُ إينوك،' فكَّرَ كايدن.
إينوك أعمى عن مارغريت لأنه مجنونٌ بها، لذلكَ لا يمكنُهُ الحُكمُ عليها بموضوعيَّةٍ.
'أنا لستُ عندَ هذا المستوى بعدُ، سأموتُ من أجلِ مارغريت، لكنني لستُ مجنونًا بها مثلَ إينوك، لذلكَ، أظنُّ أنَّهُ قد يكونُ من الأفضلِ لي أن أتَّخذَ حُكمًا عقلانيًّا بشأنِ مارغريت في المُستقبلِ.'
تجوَلتِ الوحوشُ حولَ الحاجزِ لبعضِ الوقتِ ثم اختفتْ تدريجيًّا، حينَها فقطْ، توقَّفَ إينوك وكايدن عن النظرِ إلى الخارجِ وتحقَّقا من حالةِ مارغريت.
لحسنِ الحظِّ، لم يبدُ أنَّ مارغريت مُصابةٌ، لكنَّ بشرتَها لم تكُنْ جيِّدةً، وضعَ روزيف يدَهُ على خدِّ مارغريت لِفحصِها وأطلقَ تنهيدةً.
"يبدو أنَّها تسمَّمتْ بغازِ الأفعوانِ السامِّ، هذا مُشابهٌ للأعراضِ عندَ التسمُّمِ بغازِ الأفعوانِ في الجزيرةِ الجنوبيَّةِ."