الفصل 54
كانت الكلمات الملقاة على مسامعي مزيجًا لا يستسيغه عقل، ولا يقبله منطق.
عمدة مورنفيل قد فارق الحياة؟!
والأدهى من ذلك... أنني أنا من قتله؟!
ألجمتني الصدمة تمامًا، ووقعتُ في مأزق من الغرابة بمكان حتى إنني عجزتُ عن إبداء أي اعتراض أو شعور بالظلم.
وفيما أنا واقفٌ فاجرًا فمي ببلاهة، تناهى إلى مسامعي صوت دومينيك الناعم:
"سيد غونمـبام..."
كان يرمقني بنظرات ملأها الذهول والارتباك، وبدت عيناه وكأنها تنطق بكلمات تسمعها أذناي؛ كلمات من قبيل: 'هل كان إقناع العمدة الذيحدثتني عنه يعني تصفيتَه جسديًا؟'
'لستُ أنا من فعلها يا سيد دومينيك، أقسم لك!'
نظرتُ إليه أخيرًا وعيناي تقطران كمداً ومظلومية، وفي تلك اللحظة انفتحت نافذة خيارات النظام أمام ناظري:
_________________________
[لقد ألقى رجال شرطة مورنفيل القبض عليك!]
- تستسلم للاعتقال في هدوء صامت.
- تبدي اعتراضًا عنيفًا وتهرب من المكان.
- تطلب يد العون والمساعدة من الدكتور دومينيك.
- تطالب باستدعاء رئيسة الطائفة إيديل.
________________________
لم يكن الخيار بحاجة إلى إمعان فكر أو تروٍّ؛ إذ انتقيتُ الخيار الأول على الفور.
فما كان لفراري الآن أن يمحو تهمة الاغتيال التي طوقت عنقي، وإن لم أكن راغبًا في قضاء بقية أيامي في مورنفيل مطاردًا كطريد هارب،فخيرٌ لي أن أُعتقل أولًا ثم أعمل على دحض التهمة وإثبات براءتي.
أما طلب المساعدة من دومينيك، فلم يكن ليتعدى كونه وجهًا آخر لخيارات الفرار الطائشة.
وربما يتسنى لي لاحقًا أثناء التحقيق الاستشهاد به كشاهد عيان يثبت تحركاتي في الأيام الخلية، أما الآن فالوقت لم يكن مناسبًا.
وهكذا، استسلمتُ للاعتقال دون قيد أو شرط.
وها أنا الآن...
أقبع خلف قضبان زنزانة الحجز، جالسًا فوق مرتبة محشوة بالقش اليابس.
ورفعتُ يدي التي تكبلها الأصفاد الفولاذية لأضعها فوق جبهتي مثقل الهموم.
"آه..."
تنهيدة عميقة حارة انطلقت من صدري رغماً عني.
طوال فترة الاستجواب في مركز الشرطة، كنتُ حريصًا على تقديم تفسيرات صادقة وتفنيد التهم المنسوبة إليّ بشتى الطرق، بل إنني قدمتُدومينيك الذي رافقني طيلة الوقت كشاهد إثبات، غير أن مساعيي ذهبت أدراج الرياح؛ فقد تعامل رجال الشرطة مع دومينيك بأدب جمّولكنهم سلبوه حق الكلام تمامًا، مواصلين توجيه أصابع الاتهام نحوي فحسب، كمن يحاول قسر الحقائق وتطويعها لتلائم حكمًا مسبقًا جرىإعداده سلفًا.
بل إن تفاصيل مقتل العمدة التي تليت على مسامعي كانت كفيلة بأن تصيبني بالذهول والكمد؛ إذ عُثر على عمدة مورنفيل ليلة أمس فيمخدعه صريعًا إثر طعنة نافذة في قفاه بواسطة مخرز دقيق وشديد الحِدة.
ومات العمدة لساعته دون أن تسعفه القدرة على إطلاق صرخة استغاثة واحدة، ولم تترك الجثة خلفها أي أثر لجرح ظاهر؛ لقد كانت جريمةنُفذت بأسلوب احترافي لا يتأتى إلا لمن أحاط علمًا وتشريحًا بخلجات الجسد البشري.
'وكيف لي أن أأتي بمثل هذا الصنيع العجيب؟!'
كم وددتُ لو أمسكتُ بتلابيب ذلك الضابط الذي يسوقني سوقًا إلى حبل المشنقة وأهزّه هزًا عنيفًا لأوقظه من غفوته.
ولكن، عند ذلك الحد من التفكير، بدأت تلوح في أفقي معالم الهوية الحقيقية لمن وضع هذا الفخ ونصب لي هذا الشرك.
وعندما استقرت الحقيقة في عقلي وعرفتُ المدبر، آثرتُ الكف عن الجدال العقيم وتجرعتُ الصمت، دون أن أقِرّ بذنب لم تقترفه يداي؛ فغدتزنزانة الحجز مستقري الأخير.
'يا للمصيبة، سأجن حتمًا.'
إن مقتل العمدة قد ألقى بظلاله على خطة اللعبة وشلّ حركتي تمامًا.
وجلستُ فوق تلك المرتبة البالية أتدبر أمري وأبحث عن مخرج لهذا المأزق الخانق، على وقع شخير جاري في الزنزانة المقابلة الذي استسلملنوم عميق.
وكانت المعضلة الأكبر تكمن في إنقاذ الأضاحي البشرية؛ فما النفع من تخليص أولئك البؤساء إن لم أجد قوة تذود عنهم وتحميهم؟
فلو تركناهم داخل أسوار مورنفيل، لسارعت طائفة أتباع الفراغ باختطافهم مجددًا واقتيادهم لمذبح القرابين.
'حسبما أذكر، كان عدد الأضاحي المخصصة لطقوس اليوم الثالث ثلاثة رجال، أليس كذلك؟'
وفيما أنا مستغرق في التفكير حول البقعة الآمنة التي يمكنني مواراة هؤلاء الرجال الثلاثة فيها، تناهى إلى مسمعي صرير حاد وبغيضصادر عن مفصلات حديدية نخرها الصدأ.
التفتُّ برأسي مسترقًا النظر، ظانًا أن ضيفًا جديدًا من أرباب السوابق قد وفد إلى الزنزانة، فإذا بظل مديد يستطيل فوق الأرض؛ ظلٌّ تجاوزطولُه حدود ما يمكن لبشر أن يحوزه من قامة.
وصل صاحب الظل ووقف أمام زنزانتي مباشرة.
وبدا أن منظر البؤس الذي علاني قد ألجم لسان دومينيك، فوقف شاخصًا فيّ صامتًا لا ينبس ببنت شفة.
وفي تلك اللحظة، انفتحت نافذة خيارات جديدة:
_______________________
لقد وفد الدكتور دومينيك لزيارتك في زنزانة الحجز.
- تتظاهر بدور المسكين وتستدر عطفه وشفقته.
- تصب جام غضبك عليه متسائلًا لِمَ تركهم يعتقلونك.
- تطالبه بأن ينتشلك ويخرجك من هنا حالًا دون إبطاء.
- تطالب باستدعاء زعيمة الطائفة إيديل.
_______________________
يبدو أن النظام بات يلحّ عليّ إلحاحًا لـ استدعاء إيديل.
وبعد برهة من التردد والمفاضلة، وقع اختياري على الأختيار الأول.
وفور ذلك، انقبضت أسارير وجهي تلقائيًا واكتست ملامحي بمسحة من الحزن والكمد، واشتعلت مآقي عيني بالحرارة، لتنطلق من بينشفتي نبرة متهدجة مغصوبة بالدموع:
"سيد دومينيك..."
بدا مشهدي لمن يراه كمشهد بائس تملكه الذعر والخوف جراء إلقائه خلف القضبان، حتى إذا ما أبصر وجهًا مألوفًا يعرفه، تنفس الصعداءواستشعر الأمان أخيرًا.
'ليس سيئًا على الإطلاق!'
وتابعتُ تمثيل دور المسكين والضعف بكل ما أوتيتُ من عزم، نزولًا عند رغبة الخيار الذي انتقاه النظام.
"يا إلهي... سيد غونمـبام..."
وضع دومينيك كفه فوق القضبان الحديدية السوداء الصلبة، وتابع قائلًا:
"إن عقلي لا يستوعب كيف لهم أن يلقوا بك في بقعة موحشة كهذه! سأخرجك من هنا حالا ودون إبطاء."
رغم أنني لم أنتقِ الخيار الثالث، إلا أن كلماته جاءت متطابقة معه تمامًا.
وإن كان المتحدث هو دومينيك، فلا ريب عندي أنه قادر على إنفاذ وعده وتحويل كلماته إلى واقع ملموس.
غير أنني وجدتُ نفسي مضطرًا لرفض عرضه:
"لا داعي لذلك، أنا بخير."
"ولِمَ تأبى طلب المساعدة من رفيقك ومرافقك؟"
"لأن فراري من هنا لن يمحو التهمة عن عاتقي، بل سيضيف إلى سجلي جناية جديدة وهي الهروب من وجه العدالة."
خطوتُ نحو الأمام حتى غدوتُ ملاصقًا للقضبان، ورفعتُ بصري مستطلعًا وجه دومينيك، ثم أفضتُ إليه بهوية الجاني الحقيقي وفقًالتخميني:
"إن اليد الخفية التي نسجت لي هذه التهمة ورمتني بجريمة القتل هي الآنسة إيديل؛ ولا بد أنها هي من تخلصت من العمدة."
فإيديل هي من تقضي أيامها في إعداد الأضاحي وبتر أطراف القرابين وتجهيزها للطقوس، لذا فمثل غرس المخرز بدقة وتشريح الجسد أمرلا تعجز عنه؛ بل هو من صميم اختصاصها.
وكنتُ على يقين تام بأنها الفاعلة.
عقد دومينيك حاجبيه وضاق تلمس عينيه:
"الآنسة إيديل... تفعل هذا بك يا سيد غونمـبام؟"
"أجل، يبدو أنها تحاول اقتيادي إلى مقرّ الطائفة وإرغامي على الانضمام إليها رغمًا عني."
ما إن استمع دومينيك لكلماتي حتى استوعب أبعاد المخطط وجلى له الأمر؛ إذ تبين أن إيديل قد عمدت إلى محاصرتي وضغطي في زاويةحرجة، لتعرض عليّ لاحقًا صك البراءة وتخليصي من حبل المشنقة، بشرط أن أطأ عتبة طائفتها مستسلمًا.
كنتُ أعلم مسبقًا أن إيديل تتسم بالإلحاح الشديد وتميل إلى التعلق والتملك، لكنني لم أتوقع قط أن تبلغ بها المرأة هذاالحد خلال يومين فقط!
'بل في غضون يوم واحد إن توخينا الدقة.'
ولعل الخطأ الأكبر الذي اقترفته كان استعراض مهارة البعث أمام ناظريها؛ فمن منظورها، لا يمكن التفريط بكيان حظي بمعجزة كهذه وتركهيطوف خارج أسوار الطائفة الدينية.
"ألم تكن الآنسة إيديل قد غدت حليفة ورفيقة لك يا سيد غونمـبام؟ تمامًا كما هو حالي معك؟"
"هذا صحيح."
رسمتُ على شفتي ابتسامة باهتة وخاوية تخاطب دومينيك الذي بدا عليه العجز عن الفهم، وقلتُ:
"لا ريب أن الآنسة إيديل مقتنعة تمام الاقتناع بأن ما تفعله إنما هو محض خير لي ومصلحة تصب في نفعي."
وهنا يكمن الفخ الأكبر لنظام الحلفاء في لعبة كال أوڤو؛ إذ إن الشخصيات الغير لاعبة التي تنضم كحلفاء للاعب تصبح مدفوعة بنوايا طيبةللغاية ومستعدة لبذل قصارى جهدها لخدمته، بيد أن معيار "الخير والمصلحة" يظل محكومًا بمنظور تلك الشخصية ورؤيتها الخاصة؛ فإذارأت في فعل ما خيرًا للاعب، فلن تتورع عن الإقدام عليه حتى وإن كان يقود اللاعب مباشرة نحو نهاية سيئة، تمامًا كما يحدث معي في هذهالساعة.
وعلى أية حال، فقد غدا الموقف بائسًا ومحطمًا بلا أدنى شك.
ورغم كثرة المرات التي جرى اعتقالي فيها أثناء سلوكي مسار الصحفي سابقًا، إلا أن رميي بتهمة اغتيال عمدة مورنفيل كان حدثًا مباغتًاأواجهه للمرة الأولى.
"سيد دومينيك، حتى وإن كُتب لي الخروج من هذه الزنزانة، فالمعضلة الأكبر تكمن فيما يلي ذلك من خطوات؛ فلقد قضت خطتي الأصليةبالاستعانة بسلطة العمدة ونفوذه لتأمين الحماية للأضاحي بعد تحريرهم، والآن تهاوت تلك الخطة واستحالت بوفاته."
لقد غدا التملص من نفوذ الطائفة وسلطانها أمرًا بعيد المنال داخل المدينة، كما أن تهريب الأضاحي خارج حدود مورنفيل ليس بالأمر الهين؛فالمدينة تقبع في وهدة تحوطها الوديان السحيقة من كل حدب وصوب، ولا سبيل لمغادرتها إلا عبر القطار، وهناك في محطة القطار سيكونرجال الطائفة في الانتظار لاعتقالنا.
عندئذ، سألني دومينيك بنبرة هادئة ورصينة:
" إذا تكفّلنا بحماية الأضاحي وأوجدنا حلًا لتلك المعضلة، فهل سيبقى لديك ما يمنعك من مغادرة هذه الزنزانة، يا سيدغونمـبام؟"
أعملتُ عقلي بسرعة فائقة وأدرتُ الأفكار في رأسي؛ فبالفعل، إن جرى تأمين سلامة الأضاحي، فلن يضيرني الهروب من السجن شيئًا، إذيتسنى لي مواصلة جمع الأدلة المتبقية وأنا أحمل صفة طريد هارب؛ ولطالما خضتُ تجربة مطاردتي كمطلوب للعدالة في مسار الصحفيسابقًا ونجحتُ في حصد الأدلة تحت ظلال الملاحقة.
"نعم، عندها لن يكون هناك مانع من الخرو..."
انقطعت كلماتي قبل أن أتمها، واتسعت عيناي بدهشة؛ فقبل أن يستقر حديثي في مسامعه، بدأت تلك القضبان الحديدية الصلبة التي كاندومينيك يستند إليها تهتز وتتلوى بعنف وضراوة!
راحت القضبان تمتد وتنكمش بشكل عشوائي، فتارة تبرز منها نتوءات حادة كالأشواك القاطعة وتارة تخمد، حتى انطلقت فجأة أحد تلكالأشواك مستطيلةً بسرعة فائقة نحو الداخل!
"…..!"
لامس طرف الشوكة الحاد وجنتي، فاجتاحني ألم لاذع وحارق.
سسين.
وتراجعت الشوكة المستطيلة وارتدت إلى مكأنها بالسرعة ذاتها، تاركة وراءها قطرات من الدماء القانية تلطخ طرفها الحاد.
وأخيرًا، استقرت القضبان الحديدية بعد أن بدلت هيئتها بالكامل؛ إذ تباعدت عن بعضها بشكل واسع، صانعة فجوة فسيحة تتسع لمرور رجلكامل من خلالها.
"أعتذر منك بشدة يا سيد غونمـبام. إن تشكيل الهياكل وتغيير أحجامها يختلف بعض الشيء عما اعتدت عليه، وقد دفعتنيالعجلة إلى ارتكاب هذا الخطأ ."
أخذ دومينيك يتفقد وجهي ويسوق الاعتذار تلو الآخر بنبرة ملأها الأسف.
فأجبته مسرعًا وأنا أتحسس وجنتي بطرف كفي متظاهرًا بمسح الدماء:
"لا عليك ، فالأمر مجرد خدش طفيف لا يستحق الذكر . شكرًا لك على تخليصي وإخراجي من هنا."
وكان هدفي الحقيقي من فرك وجنتي هو إخفاء تلك القشعريرة التي سرت في أوصال جسدي وتملكت ملامحي جراء ما رأيت.
خطوتُ خارج القضبان، وهَممنا بمغادرة ردهة الحجز في صمت مطبق وتكتم شديد، ولكن في تلك اللحظة...
جذبني دومينيك من خلفي بحركة مباغتة ومذعورة ليورايني وراء ظهره.
وفي الوقت ذاته، وفد إلينا الزائر الثاني لليلة.
ولجت إلى ردهة الحجز امرأة بخطوات متسارعة وقصيرة؛ كانت ترتدي فستانًا سابغًا يغطي عنقها بالكامل، وتعتمر قبعة عريضة الحوافيتدلى منها حجاب من الحرير الناعم يحجب ملامحها، فيما طوقت كفيها بقفازات حريرية وهي تمسك بمظلة شمسية في يدها.
رفعت المرأة حجاب قبعتها بخفة ووئام، وشخصت بعينيها القانيتين نحو الأعلى لتتأمل دومينيك، وقالت بنبرة رقيقة:
"أهذا أنت... أيها الدكتور دومينيك؟"
وقعت عيناها بعد ذلك مباشرة على الزنزانة القابعة أمامها، فإذ بها خاوية تمامًا.
"آه..."
انطلقت من شفتي إيديل صيحة تعجب مباغتة، ثم تساءلت بنبرة كساها الذعر والخوف:
"أيها الدكتور! أين ذهب السيد أوريـون يانغ؟"
كان مشهدها وهي تقف هناك، كمن أتى يهرول على أحر من الجمر خوفًا وقلقًا عليّ، مشهدًا يثير الشجن ويدفئ القلوب؛ هذا طبعًا إنتنحينا جانبًا عن حقيقة أنها هي ذاتها اليد الآثمة التي ألقت بي خلف هذه القضبان!
وعندما لم تلقَ جوابًا من دومينيك، بدأت تعض شفتيها بقلق وارتياب شديدين، وراحت تهمس وتتمتم في جنون:
"أين عساه أن يكون قد ذهب...؟ الأجواء في الخارج تنضح بالخطر... إلى أين يمكنه المضى بمفرده...؟ آه، أوريـون يانغ... يجب أن أكونبجانبك لأحميك..."
كان صوت مناجاتها المنبعث في عزلة المكان يحمل نبرة تقشعر لها الأبدان.
أما أنا، الذي كنتُ أقبع وراء ظهر دومينيك متخذًا من قاماته المديدة ساترًا يتيح لي مشاهدة العرض من مقاعد الصف الأول، فقد تملكنيقليل من الوجل والرهبة جراء هذا المشهد.
تركها دومينيك على حالها دون أن يتدخل، حتى أخذت تقضم أطراف قفازاتها الحريرية في هوس، ممزقةً نسيج الحرير الناعم بأطرافأسنانها بدلًا من أظافرها حتى غدا مهترئًا ممزقًا.
وفي تلك اللحظة، استعادت إيديل رشدها فجأة، واسترقت نظرة خاطفة وراء ظهر دومينيك.
"مهلًا... أيها الدكتور دومينيك، هناك في الخلف..."
'لقد كُشِف أمري!'
رغم أن عتمة الزنزانة كانت حالكة، إلا أن اختبائي خلفه بمثل هذه الركاكة والارتجال جعل من المستحيل ألا تلمحني عيناها.
وكنتُ في تلك البرهة أُعمل عقلي مسرعًا، مهيئًا نفسي ومعدًا طائفة من الحجج والأكاذيب لألقيها على مسامعها فور مواجهتها.
وهممتُ بالخروج من مخبئي والتقدم نحوها، غير أن يد دومينيك امتدت فجأة لتقطع عليّ الطريق وتمنعني من الحركة.
"آنسة إيديل."
"نـ.. نعم؟"
انتفض جسد إيديل جراء المفاجأة، ورفعت بصرها لتتطلع نحو دومينيك الذي انحنى بجسده نحوها ببطء شديد.
واتسعت عيناها شيئًا فشيئًا بفعل الهيبة المحيطة به.
ثبّت دومينيك نظراته في عينيها، وقال بنبرة خفيضة تسكنها السكينة:
"لا داعي لهذا الاضطراب والوجل، ولا مبرر للقلق الذي يتملككِ."
طوقت حدقتا عيناه الزرقاوان كيان إيديل بالكامل، فما كان منها إلا أن فتحت شفتيها بذهول مطبق، ليوجه إليها حديثه مستطردًا:
"إن الانفعال والجموح لا يفيد في شيء، بل يعمي البصيرة ويُفسد حكمة القرار. آنسة إيديل، ألا تزالين تذكرين تلك الأيام الخوالي عندماكنتِ تتلقين العلاج تحت إشرافي؟"
"... أجل، أيها الدكتور."
وفي الحال، خمد ذلك البريق المستعر الذي كان ينضح بالجنون في عينيها، وغامت نظراتها لتصبح باهتة وخاوية من أي أثر للحياة.
تابَع دومينيك حديثه وهو يتأمل محيطه:
"من المؤسف حقًا ألا نجد هنا أريكة مريحة لترسي عليها جسدكِ."
"......"
"هل لكِ أن تخطي نحو الأمام لتقتربي مني قليلاً؟"
"... أجل."
وتقدمت إيديل نحو الأمام بخطوات مسلوبة الإرادة كمن وقع تحت تأثير تعويذة سحرية، حتى انعدمت المسافة بينها وبين دومينيك، ولم يعديفصل بينهما سوى شبر واحد أو يقل.
واسترسل دومينيك في حديثه بنبرة وئيدة متزنة:
"إن السيد غونمـبام... عذرًا، أقصد السيد أوريـون يانغ، سيتسنى لكِ العثور عليه حتمًا؛ فأنتِ يا آنسة إيديل تبذلين دائمًا قصارى جهدكِوتتفانين في مساعيكِ. بيد أنه لا يربض في هذه البقعة حاليًا، ولن تجديه في مصحتي الطبية أيضًا."
ثم تابع بهدوء أشد:
"ما رأيكِ لو صببتِ جل اهتمامكِ وتركيزكِ اليوم على تهيئة طقوس الطائفة الدينية؟ وإذا ما أقمنا الشعائر هذه المرة بأسلوب يغاير المعتادوينحرف عن المألوف قليلاً، فسيساهم ذلك بلا شك في تخفيف وطأة التوتر العاطفي والضغط النفسي الذي يثقل كاهلكِ."
كان صوته يتسلل إلى أعماقها بنعومة بالغة، مخترقًا طبلة أذنها ليستقر في أغوار روحها وسويداء قلبها.
"على سبيل المثال... قد يكون من الرائع والمحبب أن نقدم "أتباع" الطائفة ومؤمنيها كقرابين وأضاحٍ بشرية في شعائر الليلة؛ فالفناء فيسبيل الحاكم وبلوغ مرتبة الأضحية المقبولة هو الأمل الأسمى والغاية المنشودة لكل تابع مخلص. وبما أنكِ تحوزين رتبة زعيمة الطائفة، فمنواجبكِ المقدس أن تحققي لهؤلاء الأطهار رغبتهم الدفينة وتوصيلهم إلى مبتغاهم."
ثم تساءل دومينيك بنبرة حالمة يكسوها الخمول والنعاس:
"هل استوعب عقلكِ ما أرمي إليه يا آنسة إيديل؟"
ارتسمت على شفتي إيديل ابتسامة عفوية تفيض بالبراءة، وأجابت قائلة:
"سأتولى إعداد طقوس مهيبة وحافلة تليق بالمقام يا سيدي وطبيبي."
بدت في تلك اللحظة كأمة خاضعة يملؤها ولاء مطلق لا تشوبه شائبة؛ وأكاد أوقن أنها كانت لتبدي الموافقة والامتثال لأي أمر يصدر عنشفتي دومينيك، حتى وإن كان الفحوى والطلب... أن تزهق روحها وتفارق الحياة في الحال وفي هذه البقعة بالذات.
اجتاحتني قشعريرة باردة سرت في أوصالي؛ فرغم أنني أستعين بقدرات دومينيك الخارقة لتسهيل مسيرتي وتخطي العقبات، إلا أنني لمأكن لأقوى على دفع ذلك النفور الفطري والاشمئزاز الذي يتملكني في كل مرة أشهد فيها مثل هذه القوة المريبة.
وقفتُ أراقب جسد إيديل وهو يبتعد ويغادر الردهة متلاشيًا في الممر، والتفتّ إليّ دومينيك فجأة فاعتلت ملامح وجهه علامات الدهشةوالإنقباض.
"سيد غونمـبام، هل أنت على ما يرام؟ أرى حبات العرق تتدفق من وجهك بغزارة! تفضل، خذ هذا المنديل."
تناولتُ منه المنديل الذي كان يضاهي في حجمه حجم منشفة كاملة، ورحتُ أفرك به وجهي بعنف وقسوة، ليعود إليّ رُشدي شيئًا فشيئًاوتستقر خوالج نفسي.
عقّب دومينيك قائلًا:
"يبدو أن ما صدر عن الآنسة إيديل قد تسبب في فزعك وإثارة ذعرك بشكل كبير. ولكن لا تقلق، لن تتكرر مثل هذه الحوادث مستقبلاً؛ فقدتبادلتُ معها أطراف الحديث وأحكمتُ توجيهها كما ينبغي."
"... لك مني جزيل الشكر."
انطلقت كلمات الثناء من بين شفتي بصوت متحشرج ومتهدج، فرسم دومينيك على ثغره ابتسامة وادعة؛ إذ غلب على ظنه أن حالتي هذه لمتكن سوى نتاج الإرهاق والإنهاك الشديد الذي تملكني جراء مكوثي خلف قضبان السجن ثم خروجي منه، ولحسن الحظ أن هذا هو التفسيرالذي استقر في خياله.
وتابع دومينيك حديثه وهو يطوي المنديل الذي أعدته إليه ليضعه في جيبه، وتساءل بنبرة غلب عليها الفضول:
"ولكن قل لي يا سيد غونمـبام، ما هذه الشارة المثبتة في بطانة ثيابك من الداخل؟"
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦الفصل 54
كانت الكلمات الملقاة على مسامعي مزيجًا لا يستسيغه عقل، ولا يقبله منطق.
عمدة مورنفيل قد فارق الحياة؟!
والأدهى من ذلك... أنني أنا من قتله؟!
ألجمتني الصدمة تمامًا، ووقعتُ في مأزق من الغرابة بمكان حتى إنني عجزتُ عن إبداء أي اعتراض أو شعور بالظلم.
وفيما أنا واقفٌ فاجرًا فمي ببلاهة، تناهى إلى مسامعي صوت دومينيك الناعم:
"سيد غونمـبام..."
كان يرمقني بنظرات ملأها الذهول والارتباك، وبدت عيناه وكأنها تنطق بكلمات تسمعها أذناي؛ كلمات من قبيل: 'هل كان إقناع العمدة الذيحدثتني عنه يعني تصفيتَه جسديًا؟'
'لستُ أنا من فعلها يا سيد دومينيك، أقسم لك!'
نظرتُ إليه أخيرًا وعيناي تقطران كمداً ومظلومية، وفي تلك اللحظة انفتحت نافذة خيارات النظام أمام ناظري:
_________________________
[لقد ألقى رجال شرطة مورنفيل القبض عليك!]
- تستسلم للاعتقال في هدوء صامت.
- تبدي اعتراضًا عنيفًا وتهرب من المكان.
- تطلب يد العون والمساعدة من الدكتور دومينيك.
- تطالب باستدعاء رئيسة الطائفة إيديل.
________________________
لم يكن الخيار بحاجة إلى إمعان فكر أو تروٍّ؛ إذ انتقيتُ الخيار الأول على الفور.
فما كان لفراري الآن أن يمحو تهمة الاغتيال التي طوقت عنقي، وإن لم أكن راغبًا في قضاء بقية أيامي في مورنفيل مطاردًا كطريد هارب،فخيرٌ لي أن أُعتقل أولًا ثم أعمل على دحض التهمة وإثبات براءتي.
أما طلب المساعدة من دومينيك، فلم يكن ليتعدى كونه وجهًا آخر لخيارات الفرار الطائشة.
وربما يتسنى لي لاحقًا أثناء التحقيق الاستشهاد به كشاهد عيان يثبت تحركاتي في الأيام الخلية، أما الآن فالوقت لم يكن مناسبًا.
وهكذا، استسلمتُ للاعتقال دون قيد أو شرط.
وها أنا الآن...
أقبع خلف قضبان زنزانة الحجز، جالسًا فوق مرتبة محشوة بالقش اليابس.
ورفعتُ يدي التي تكبلها الأصفاد الفولاذية لأضعها فوق جبهتي مثقل الهموم.
"آه..."
تنهيدة عميقة حارة انطلقت من صدري رغماً عني.
طوال فترة الاستجواب في مركز الشرطة، كنتُ حريصًا على تقديم تفسيرات صادقة وتفنيد التهم المنسوبة إليّ بشتى الطرق، بل إنني قدمتُدومينيك الذي رافقني طيلة الوقت كشاهد إثبات، غير أن مساعيي ذهبت أدراج الرياح؛ فقد تعامل رجال الشرطة مع دومينيك بأدب جمّولكنهم سلبوه حق الكلام تمامًا، مواصلين توجيه أصابع الاتهام نحوي فحسب، كمن يحاول قسر الحقائق وتطويعها لتلائم حكمًا مسبقًا جرىإعداده سلفًا.
بل إن تفاصيل مقتل العمدة التي تليت على مسامعي كانت كفيلة بأن تصيبني بالذهول والكمد؛ إذ عُثر على عمدة مورنفيل ليلة أمس فيمخدعه صريعًا إثر طعنة نافذة في قفاه بواسطة مخرز دقيق وشديد الحِدة.
ومات العمدة لساعته دون أن تسعفه القدرة على إطلاق صرخة استغاثة واحدة، ولم تترك الجثة خلفها أي أثر لجرح ظاهر؛ لقد كانت جريمةنُفذت بأسلوب احترافي لا يتأتى إلا لمن أحاط علمًا وتشريحًا بخلجات الجسد البشري.
'وكيف لي أن أأتي بمثل هذا الصنيع العجيب؟!'
كم وددتُ لو أمسكتُ بتلابيب ذلك الضابط الذي يسوقني سوقًا إلى حبل المشنقة وأهزّه هزًا عنيفًا لأوقظه من غفوته.
ولكن، عند ذلك الحد من التفكير، بدأت تلوح في أفقي معالم الهوية الحقيقية لمن وضع هذا الفخ ونصب لي هذا الشرك.
وعندما استقرت الحقيقة في عقلي وعرفتُ المدبر، آثرتُ الكف عن الجدال العقيم وتجرعتُ الصمت، دون أن أقِرّ بذنب لم تقترفه يداي؛ فغدتزنزانة الحجز مستقري الأخير.
'يا للمصيبة، سأجن حتمًا.'
إن مقتل العمدة قد ألقى بظلاله على خطة اللعبة وشلّ حركتي تمامًا.
وجلستُ فوق تلك المرتبة البالية أتدبر أمري وأبحث عن مخرج لهذا المأزق الخانق، على وقع شخير جاري في الزنزانة المقابلة الذي استسلملنوم عميق.
وكانت المعضلة الأكبر تكمن في إنقاذ الأضاحي البشرية؛ فما النفع من تخليص أولئك البؤساء إن لم أجد قوة تذود عنهم وتحميهم؟
فلو تركناهم داخل أسوار مورنفيل، لسارعت طائفة أتباع الفراغ باختطافهم مجددًا واقتيادهم لمذبح القرابين.
'حسبما أذكر، كان عدد الأضاحي المخصصة لطقوس اليوم الثالث ثلاثة رجال، أليس كذلك؟'
وفيما أنا مستغرق في التفكير حول البقعة الآمنة التي يمكنني مواراة هؤلاء الرجال الثلاثة فيها، تناهى إلى مسمعي صرير حاد وبغيضصادر عن مفصلات حديدية نخرها الصدأ.
التفتُّ برأسي مسترقًا النظر، ظانًا أن ضيفًا جديدًا من أرباب السوابق قد وفد إلى الزنزانة، فإذا بظل مديد يستطيل فوق الأرض؛ ظلٌّ تجاوزطولُه حدود ما يمكن لبشر أن يحوزه من قامة.
وصل صاحب الظل ووقف أمام زنزانتي مباشرة.
وبدا أن منظر البؤس الذي علاني قد ألجم لسان دومينيك، فوقف شاخصًا فيّ صامتًا لا ينبس ببنت شفة.
وفي تلك اللحظة، انفتحت نافذة خيارات جديدة:
_______________________
لقد وفد الدكتور دومينيك لزيارتك في زنزانة الحجز.
- تتظاهر بدور المسكين وتستدر عطفه وشفقته.
- تصب جام غضبك عليه متسائلًا لِمَ تركهم يعتقلونك.
- تطالبه بأن ينتشلك ويخرجك من هنا حالًا دون إبطاء.
- تطالب باستدعاء زعيمة الطائفة إيديل.
_______________________
يبدو أن النظام بات يلحّ عليّ إلحاحًا لـ استدعاء إيديل.
وبعد برهة من التردد والمفاضلة، وقع اختياري على الأختيار الأول.
وفور ذلك، انقبضت أسارير وجهي تلقائيًا واكتست ملامحي بمسحة من الحزن والكمد، واشتعلت مآقي عيني بالحرارة، لتنطلق من بينشفتي نبرة متهدجة مغصوبة بالدموع:
"سيد دومينيك..."
بدا مشهدي لمن يراه كمشهد بائس تملكه الذعر والخوف جراء إلقائه خلف القضبان، حتى إذا ما أبصر وجهًا مألوفًا يعرفه، تنفس الصعداءواستشعر الأمان أخيرًا.
'ليس سيئًا على الإطلاق!'
وتابعتُ تمثيل دور المسكين والضعف بكل ما أوتيتُ من عزم، نزولًا عند رغبة الخيار الذي انتقاه النظام.
"يا إلهي... سيد غونمـبام..."
وضع دومينيك كفه فوق القضبان الحديدية السوداء الصلبة، وتابع قائلًا:
"إن عقلي لا يستوعب كيف لهم أن يلقوا بك في بقعة موحشة كهذه! سأخرجك من هنا حالا ودون إبطاء."
رغم أنني لم أنتقِ الخيار الثالث، إلا أن كلماته جاءت متطابقة معه تمامًا.
وإن كان المتحدث هو دومينيك، فلا ريب عندي أنه قادر على إنفاذ وعده وتحويل كلماته إلى واقع ملموس.
غير أنني وجدتُ نفسي مضطرًا لرفض عرضه:
"لا داعي لذلك، أنا بخير."
"ولِمَ تأبى طلب المساعدة من رفيقك ومرافقك؟"
"لأن فراري من هنا لن يمحو التهمة عن عاتقي، بل سيضيف إلى سجلي جناية جديدة وهي الهروب من وجه العدالة."
خطوتُ نحو الأمام حتى غدوتُ ملاصقًا للقضبان، ورفعتُ بصري مستطلعًا وجه دومينيك، ثم أفضتُ إليه بهوية الجاني الحقيقي وفقًالتخميني:
"إن اليد الخفية التي نسجت لي هذه التهمة ورمتني بجريمة القتل هي الآنسة إيديل؛ ولا بد أنها هي من تخلصت من العمدة."
فإيديل هي من تقضي أيامها في إعداد الأضاحي وبتر أطراف القرابين وتجهيزها للطقوس، لذا فمثل غرس المخرز بدقة وتشريح الجسد أمرلا تعجز عنه؛ بل هو من صميم اختصاصها.
وكنتُ على يقين تام بأنها الفاعلة.
عقد دومينيك حاجبيه وضاق تلمس عينيه:
"الآنسة إيديل... تفعل هذا بك يا سيد غونمـبام؟"
"أجل، يبدو أنها تحاول اقتيادي إلى مقرّ الطائفة وإرغامي على الانضمام إليها رغمًا عني."
ما إن استمع دومينيك لكلماتي حتى استوعب أبعاد المخطط وجلى له الأمر؛ إذ تبين أن إيديل قد عمدت إلى محاصرتي وضغطي في زاويةحرجة، لتعرض عليّ لاحقًا صك البراءة وتخليصي من حبل المشنقة، بشرط أن أطأ عتبة طائفتها مستسلمًا.
كنتُ أعلم مسبقًا أن إيديل تتسم بالإلحاح الشديد وتميل إلى التعلق والتملك، لكنني لم أتوقع قط أن تبلغ بها المرأة هذاالحد خلال يومين فقط!
'بل في غضون يوم واحد إن توخينا الدقة.'
ولعل الخطأ الأكبر الذي اقترفته كان استعراض مهارة البعث أمام ناظريها؛ فمن منظورها، لا يمكن التفريط بكيان حظي بمعجزة كهذه وتركهيطوف خارج أسوار الطائفة الدينية.
"ألم تكن الآنسة إيديل قد غدت حليفة ورفيقة لك يا سيد غونمـبام؟ تمامًا كما هو حالي معك؟"
"هذا صحيح."
رسمتُ على شفتي ابتسامة باهتة وخاوية تخاطب دومينيك الذي بدا عليه العجز عن الفهم، وقلتُ:
"لا ريب أن الآنسة إيديل مقتنعة تمام الاقتناع بأن ما تفعله إنما هو محض خير لي ومصلحة تصب في نفعي."
وهنا يكمن الفخ الأكبر لنظام الحلفاء في لعبة كال أوڤو؛ إذ إن الشخصيات الغير لاعبة التي تنضم كحلفاء للاعب تصبح مدفوعة بنوايا طيبةللغاية ومستعدة لبذل قصارى جهدها لخدمته، بيد أن معيار "الخير والمصلحة" يظل محكومًا بمنظور تلك الشخصية ورؤيتها الخاصة؛ فإذارأت في فعل ما خيرًا للاعب، فلن تتورع عن الإقدام عليه حتى وإن كان يقود اللاعب مباشرة نحو نهاية سيئة، تمامًا كما يحدث معي في هذهالساعة.
وعلى أية حال، فقد غدا الموقف بائسًا ومحطمًا بلا أدنى شك.
ورغم كثرة المرات التي جرى اعتقالي فيها أثناء سلوكي مسار الصحفي سابقًا، إلا أن رميي بتهمة اغتيال عمدة مورنفيل كان حدثًا مباغتًاأواجهه للمرة الأولى.
"سيد دومينيك، حتى وإن كُتب لي الخروج من هذه الزنزانة، فالمعضلة الأكبر تكمن فيما يلي ذلك من خطوات؛ فلقد قضت خطتي الأصليةبالاستعانة بسلطة العمدة ونفوذه لتأمين الحماية للأضاحي بعد تحريرهم، والآن تهاوت تلك الخطة واستحالت بوفاته."
لقد غدا التملص من نفوذ الطائفة وسلطانها أمرًا بعيد المنال داخل المدينة، كما أن تهريب الأضاحي خارج حدود مورنفيل ليس بالأمر الهين؛فالمدينة تقبع في وهدة تحوطها الوديان السحيقة من كل حدب وصوب، ولا سبيل لمغادرتها إلا عبر القطار، وهناك في محطة القطار سيكونرجال الطائفة في الانتظار لاعتقالنا.
عندئذ، سألني دومينيك بنبرة هادئة ورصينة:
" إذا تكفّلنا بحماية الأضاحي وأوجدنا حلًا لتلك المعضلة، فهل سيبقى لديك ما يمنعك من مغادرة هذه الزنزانة، يا سيدغونمـبام؟"
أعملتُ عقلي بسرعة فائقة وأدرتُ الأفكار في رأسي؛ فبالفعل، إن جرى تأمين سلامة الأضاحي، فلن يضيرني الهروب من السجن شيئًا، إذيتسنى لي مواصلة جمع الأدلة المتبقية وأنا أحمل صفة طريد هارب؛ ولطالما خضتُ تجربة مطاردتي كمطلوب للعدالة في مسار الصحفيسابقًا ونجحتُ في حصد الأدلة تحت ظلال الملاحقة.
"نعم، عندها لن يكون هناك مانع من الخرو..."
انقطعت كلماتي قبل أن أتمها، واتسعت عيناي بدهشة؛ فقبل أن يستقر حديثي في مسامعه، بدأت تلك القضبان الحديدية الصلبة التي كاندومينيك يستند إليها تهتز وتتلوى بعنف وضراوة!
راحت القضبان تمتد وتنكمش بشكل عشوائي، فتارة تبرز منها نتوءات حادة كالأشواك القاطعة وتارة تخمد، حتى انطلقت فجأة أحد تلكالأشواك مستطيلةً بسرعة فائقة نحو الداخل!
"…..!"
لامس طرف الشوكة الحاد وجنتي، فاجتاحني ألم لاذع وحارق.
سسين.
وتراجعت الشوكة المستطيلة وارتدت إلى مكأنها بالسرعة ذاتها، تاركة وراءها قطرات من الدماء القانية تلطخ طرفها الحاد.
وأخيرًا، استقرت القضبان الحديدية بعد أن بدلت هيئتها بالكامل؛ إذ تباعدت عن بعضها بشكل واسع، صانعة فجوة فسيحة تتسع لمرور رجلكامل من خلالها.
"أعتذر منك بشدة يا سيد غونمـبام. إن تشكيل الهياكل وتغيير أحجامها يختلف بعض الشيء عما اعتدت عليه، وقد دفعتنيالعجلة إلى ارتكاب هذا الخطأ ."
أخذ دومينيك يتفقد وجهي ويسوق الاعتذار تلو الآخر بنبرة ملأها الأسف.
فأجبته مسرعًا وأنا أتحسس وجنتي بطرف كفي متظاهرًا بمسح الدماء:
"لا عليك ، فالأمر مجرد خدش طفيف لا يستحق الذكر . شكرًا لك على تخليصي وإخراجي من هنا."
وكان هدفي الحقيقي من فرك وجنتي هو إخفاء تلك القشعريرة التي سرت في أوصال جسدي وتملكت ملامحي جراء ما رأيت.
خطوتُ خارج القضبان، وهَممنا بمغادرة ردهة الحجز في صمت مطبق وتكتم شديد، ولكن في تلك اللحظة...
جذبني دومينيك من خلفي بحركة مباغتة ومذعورة ليورايني وراء ظهره.
وفي الوقت ذاته، وفد إلينا الزائر الثاني لليلة.
ولجت إلى ردهة الحجز امرأة بخطوات متسارعة وقصيرة؛ كانت ترتدي فستانًا سابغًا يغطي عنقها بالكامل، وتعتمر قبعة عريضة الحوافيتدلى منها حجاب من الحرير الناعم يحجب ملامحها، فيما طوقت كفيها بقفازات حريرية وهي تمسك بمظلة شمسية في يدها.
رفعت المرأة حجاب قبعتها بخفة ووئام، وشخصت بعينيها القانيتين نحو الأعلى لتتأمل دومينيك، وقالت بنبرة رقيقة:
"أهذا أنت... أيها الدكتور دومينيك؟"
وقعت عيناها بعد ذلك مباشرة على الزنزانة القابعة أمامها، فإذ بها خاوية تمامًا.
"آه..."
انطلقت من شفتي إيديل صيحة تعجب مباغتة، ثم تساءلت بنبرة كساها الذعر والخوف:
"أيها الدكتور! أين ذهب السيد أوريـون يانغ؟"
كان مشهدها وهي تقف هناك، كمن أتى يهرول على أحر من الجمر خوفًا وقلقًا عليّ، مشهدًا يثير الشجن ويدفئ القلوب؛ هذا طبعًا إنتنحينا جانبًا عن حقيقة أنها هي ذاتها اليد الآثمة التي ألقت بي خلف هذه القضبان!
وعندما لم تلقَ جوابًا من دومينيك، بدأت تعض شفتيها بقلق وارتياب شديدين، وراحت تهمس وتتمتم في جنون:
"أين عساه أن يكون قد ذهب...؟ الأجواء في الخارج تنضح بالخطر... إلى أين يمكنه المضى بمفرده...؟ آه، أوريـون يانغ... يجب أن أكونبجانبك لأحميك..."
كان صوت مناجاتها المنبعث في عزلة المكان يحمل نبرة تقشعر لها الأبدان.
أما أنا، الذي كنتُ أقبع وراء ظهر دومينيك متخذًا من قاماته المديدة ساترًا يتيح لي مشاهدة العرض من مقاعد الصف الأول، فقد تملكنيقليل من الوجل والرهبة جراء هذا المشهد.
تركها دومينيك على حالها دون أن يتدخل، حتى أخذت تقضم أطراف قفازاتها الحريرية في هوس، ممزقةً نسيج الحرير الناعم بأطرافأسنانها بدلًا من أظافرها حتى غدا مهترئًا ممزقًا.
وفي تلك اللحظة، استعادت إيديل رشدها فجأة، واسترقت نظرة خاطفة وراء ظهر دومينيك.
"مهلًا... أيها الدكتور دومينيك، هناك في الخلف..."
'لقد كُشِف أمري!'
رغم أن عتمة الزنزانة كانت حالكة، إلا أن اختبائي خلفه بمثل هذه الركاكة والارتجال جعل من المستحيل ألا تلمحني عيناها.
وكنتُ في تلك البرهة أُعمل عقلي مسرعًا، مهيئًا نفسي ومعدًا طائفة من الحجج والأكاذيب لألقيها على مسامعها فور مواجهتها.
وهممتُ بالخروج من مخبئي والتقدم نحوها، غير أن يد دومينيك امتدت فجأة لتقطع عليّ الطريق وتمنعني من الحركة.
"آنسة إيديل."
"نـ.. نعم؟"
انتفض جسد إيديل جراء المفاجأة، ورفعت بصرها لتتطلع نحو دومينيك الذي انحنى بجسده نحوها ببطء شديد.
واتسعت عيناها شيئًا فشيئًا بفعل الهيبة المحيطة به.
ثبّت دومينيك نظراته في عينيها، وقال بنبرة خفيضة تسكنها السكينة:
"لا داعي لهذا الاضطراب والوجل، ولا مبرر للقلق الذي يتملككِ."
طوقت حدقتا عيناه الزرقاوان كيان إيديل بالكامل، فما كان منها إلا أن فتحت شفتيها بذهول مطبق، ليوجه إليها حديثه مستطردًا:
"إن الانفعال والجموح لا يفيد في شيء، بل يعمي البصيرة ويُفسد حكمة القرار. آنسة إيديل، ألا تزالين تذكرين تلك الأيام الخوالي عندماكنتِ تتلقين العلاج تحت إشرافي؟"
"... أجل، أيها الدكتور."
وفي الحال، خمد ذلك البريق المستعر الذي كان ينضح بالجنون في عينيها، وغامت نظراتها لتصبح باهتة وخاوية من أي أثر للحياة.
تابَع دومينيك حديثه وهو يتأمل محيطه:
"من المؤسف حقًا ألا نجد هنا أريكة مريحة لترسي عليها جسدكِ."
"......"
"هل لكِ أن تخطي نحو الأمام لتقتربي مني قليلاً؟"
"... أجل."
وتقدمت إيديل نحو الأمام بخطوات مسلوبة الإرادة كمن وقع تحت تأثير تعويذة سحرية، حتى انعدمت المسافة بينها وبين دومينيك، ولم يعديفصل بينهما سوى شبر واحد أو يقل.
واسترسل دومينيك في حديثه بنبرة وئيدة متزنة:
"إن السيد غونمـبام... عذرًا، أقصد السيد أوريـون يانغ، سيتسنى لكِ العثور عليه حتمًا؛ فأنتِ يا آنسة إيديل تبذلين دائمًا قصارى جهدكِوتتفانين في مساعيكِ. بيد أنه لا يربض في هذه البقعة حاليًا، ولن تجديه في مصحتي الطبية أيضًا."
ثم تابع بهدوء أشد:
"ما رأيكِ لو صببتِ جل اهتمامكِ وتركيزكِ اليوم على تهيئة طقوس الطائفة الدينية؟ وإذا ما أقمنا الشعائر هذه المرة بأسلوب يغاير المعتادوينحرف عن المألوف قليلاً، فسيساهم ذلك بلا شك في تخفيف وطأة التوتر العاطفي والضغط النفسي الذي يثقل كاهلكِ."
كان صوته يتسلل إلى أعماقها بنعومة بالغة، مخترقًا طبلة أذنها ليستقر في أغوار روحها وسويداء قلبها.
"على سبيل المثال... قد يكون من الرائع والمحبب أن نقدم "أتباع" الطائفة ومؤمنيها كقرابين وأضاحٍ بشرية في شعائر الليلة؛ فالفناء فيسبيل الحاكم وبلوغ مرتبة الأضحية المقبولة هو الأمل الأسمى والغاية المنشودة لكل تابع مخلص. وبما أنكِ تحوزين رتبة زعيمة الطائفة، فمنواجبكِ المقدس أن تحققي لهؤلاء الأطهار رغبتهم الدفينة وتوصيلهم إلى مبتغاهم."
ثم تساءل دومينيك بنبرة حالمة يكسوها الخمول والنعاس:
"هل استوعب عقلكِ ما أرمي إليه يا آنسة إيديل؟"
ارتسمت على شفتي إيديل ابتسامة عفوية تفيض بالبراءة، وأجابت قائلة:
"سأتولى إعداد طقوس مهيبة وحافلة تليق بالمقام يا سيدي وطبيبي."
بدت في تلك اللحظة كأمة خاضعة يملؤها ولاء مطلق لا تشوبه شائبة؛ وأكاد أوقن أنها كانت لتبدي الموافقة والامتثال لأي أمر يصدر عنشفتي دومينيك، حتى وإن كان الفحوى والطلب... أن تزهق روحها وتفارق الحياة في الحال وفي هذه البقعة بالذات.
اجتاحتني قشعريرة باردة سرت في أوصالي؛ فرغم أنني أستعين بقدرات دومينيك الخارقة لتسهيل مسيرتي وتخطي العقبات، إلا أنني لمأكن لأقوى على دفع ذلك النفور الفطري والاشمئزاز الذي يتملكني في كل مرة أشهد فيها مثل هذه القوة المريبة.
وقفتُ أراقب جسد إيديل وهو يبتعد ويغادر الردهة متلاشيًا في الممر، والتفتّ إليّ دومينيك فجأة فاعتلت ملامح وجهه علامات الدهشةوالإنقباض.
"سيد غونمـبام، هل أنت على ما يرام؟ أرى حبات العرق تتدفق من وجهك بغزارة! تفضل، خذ هذا المنديل."
تناولتُ منه المنديل الذي كان يضاهي في حجمه حجم منشفة كاملة، ورحتُ أفرك به وجهي بعنف وقسوة، ليعود إليّ رُشدي شيئًا فشيئًاوتستقر خوالج نفسي.
عقّب دومينيك قائلًا:
"يبدو أن ما صدر عن الآنسة إيديل قد تسبب في فزعك وإثارة ذعرك بشكل كبير. ولكن لا تقلق، لن تتكرر مثل هذه الحوادث مستقبلاً؛ فقدتبادلتُ معها أطراف الحديث وأحكمتُ توجيهها كما ينبغي."
"... لك مني جزيل الشكر."
انطلقت كلمات الثناء من بين شفتي بصوت متحشرج ومتهدج، فرسم دومينيك على ثغره ابتسامة وادعة؛ إذ غلب على ظنه أن حالتي هذه لمتكن سوى نتاج الإرهاق والإنهاك الشديد الذي تملكني جراء مكوثي خلف قضبان السجن ثم خروجي منه، ولحسن الحظ أن هذا هو التفسيرالذي استقر في خياله.
وتابع دومينيك حديثه وهو يطوي المنديل الذي أعدته إليه ليضعه في جيبه، وتساءل بنبرة غلب عليها الفضول:
"ولكن قل لي يا سيد غونمـبام، ما هذه الشارة المثبتة في بطانة ثيابك من الداخل؟"
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦
~ ترجمة بـوني🪻~
الفصول تنزل اول بقروب التيليجرام
https://t.me/+caYDNYwaUzZiNDBk
✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦ ✧ ✦