بعد العاصفة التي اجتاحت القاعة الرياضية، وقف الجميع والذهول يعلو وجوههم؛ اليابانيون انسحبوا وهم يحملون كبرياءهم الجريح،
بينما بقى الكوريون يتساءلون عن مقدار قوة مين هو
خرج مين-هو وسونغ جين وو من المبنى، وتركا وراءهما كل الضجيج. كانت شوارع سيول غارقة في أضواء النهار، والنسيم البارد يداعب الوجوه وكأنه يحاول غسل بقايا نية القتل التي ملأت الأجواء قبل قليل.
سار الاثنان جنباً إلى جنب بصمت، خطواتهما كانت متزنة وكأن هالة واحدة تجمع بينهما.
كسر سونغ جين وو الصمت، ونظره معلق بالأفق
"هل ستذهب ؟ أقصد.. الغارة على جزيرة جيجو."
نظر مين-هو نحوه ببرود، ووضع يديه في جيوبه قائلاً:
"بالطبع سأذهب. ليس لدي الكثير من الأعمال للقيام بها، وقتل تلك الحشرات قد يكون وسيلة جيدة لتمضية الوقت ."
ساد الهدوء لبرهة، لم يقطعه سوى صوت السيارات العابرة. توقف مين-هو فجأة والتفت نحو جين وو، وقال بنبرة هادئة:
"ولكن.. يبدو أنك لن تذهب، أليس كذلك؟"
التفت جين وو نحو مين-هو، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، هادئة وصادقة، لم يعتد أحد على رؤيتها.ثم قال
"لقد سألتني في السابق عن سبب سعادتي.. أخبرتك حينها أن شيئاً جيداً قد حدث."
توقف جين وو أمام إحدى الشاشات الكبيرة التي تعرض أخبار الغارة، وتابع بصوت خفيض
"الأمر يتعلق بأمي. لسنوات طويلة، كانت تعاني من مرض 'النوم الأبدي'. كانت مجرد جسد بلا روح، ترقد في غيبوبة لا يستيقظ منها أحد. الصيادون، الأطباء، وحتى السحر.. الجميع قالوا إنها قضية خاسرة."
خفت صوته قليلاً وهو يتذكر الأيام المظلمة
"كنت أركض من زنزانة إلى أخرى، أقاتل الموت كل يوم فقط لأدفع تكاليف المستشفى، لعلّ معجزة تحدث. والآن.. تلك المعجزة حدثت فعلاً. لقد استيقظت ونادت باسمي وكأنها كانت نائمة لليلة واحدة فقط."
نظر جين وو إلى كفي يده، وتابع
"لقد قضيت وقتاً طويلاً جداً في الدماء والقتال أشعر أنني ابتعدت عن عائلتي كثيراً، ركضتُ خلف القوة حتى نسيت طعم العيش بسلام. أريد أن أقضي هذه الأيام "
" مع أمي وأختي، بعيداً عن صراخ الوحوش والدماء. أريد أن أعيش بهدوء، ولو لفترة قصيرة."
نظر مين-هو إلى جين وو بصمت. كان يفهم تماماً هذا الشعور فخلف كل تلك القوة المرعبة التي يمتلكها جين وو، كان هناك قلب بشري يبحث عن المأوى.
"الحياة الهادئة.. إنها رفاهية لا يملكها الكثيرون منا." قال مين-هو وهو يتابع سيره، "استمتع بها يا جين وو. سأهتم أنا بأمر النمل في جزيرة جيجو. اذهب وكن مع عائلتك،"
توقف سونغ جين وو ونظر إلى مين-هو بنظرة تحمل الكثير من الفضول. كانت ملامح مين-هو دائماً ما تخفي وراءها غموضاً يصعب اختراقه، وكأنه رجل جاء من العدم
"مين-هو.." نطق جين وو بهدوء، "هل تملك عائلة تنتظرك؟ أم أنك.. تسكن وحيداً؟"
ساد صمتٌ مفاجئ، صمتٌ بدا وكأنه ثقيلٌ لدرجة أنه كتم أصوات السيارات من حولهما. خفت وهج أعين مين-هو قليلاً، ونظر إلى السماء فوق سيول، ثم قال
"كلا.. أنا أعيش وحدي تماماً. لا أملك أي روابط، ولا أحد ينتظر عودتي."
شعر سونغ جين وو بوخزٍ من الندم، وكأنه لمس جرحاً غائراً دون قصد. أدرك أن القوة الهائلة التي يحملها هذا الشاب قد دفع ثمنها حقا نضر جين وو إلى الأرض للحظات، وكأنه يلوم نفسه على هذا السؤال
ولكن، بدلاً من الاعتذار التقليدي، التفت جين وو نحو مين-هو وقال
"ما رأيك إذن أن تأتي إلى منزلي لتناول العشاء"
اتسعت عينا مين-هو، وظهرت عليه علامات الصدمة الحقيقية لأول مرة منذ لقائهما. تجمد في مكانه ونظر إلى جين وو بذهول "إلى منزلك؟"
ابتسم جين وو ابتسامة هادئة وتابع: "حسناً، لطالما أرادت أمي أن أشكل صداقات مع أحدهم، بدلاً من قضاء كل وقتي في العمل أنا متأكد أنها ستفرح كثيراً لو جئت معي وتناولت العشاء"
تغيرت تعابير وجه مين-هو بالكامل وحل مكانها ارتباكٌ بشري بسيط. مسح مؤخرة رأسه بيده، وارتسمت على ثغره ابتسامة خفيفة وصادقة
"حسناً.. لا بأس، طالما لن أكون مصدر إزعاج لعائلتك."
ضحك جين وو بخفة، ووضع يده على كتف مين-هو قائلاً: "كلا أنت مرحب بك في أي وقت. هيا بنا نذهب"
سار الاثنان في هدوء الليل نحو شقة عائلة سونغ. كان مين-هو يشعر بنبضات قلبه تتسارع، من هذا "الموقف" الذي لم يتدرب عليه أبداً كيف يتصرف البشر العاديون مع عائلته أحد اصدقائهم وماذا يقول ؟
عندما وصلا إلى الباب، توقف جين وو وأخرج مفاتيحه، ثم التفت نحو مين-هو الذي كان يبدو متصلباً وكأنه يستعد للهجوم.
"مين-هو، استرخِ." قال جين وو ضاحكاً وهو يفتح الباب.
"لقد عدت!" هتف جين وو وهو يدخل.
بمجرد أن خطى مين-هو خطوته الأولى داخل المنزل، استقبلته رائحة طعام دافئ، رائحة "بيت" ودفء حقيقي لم يعيشه طوال حياته السابقة والحالية فجأة، ركضت فتاة شابّة، وهي سونغ جين-آه، أخت جين وو الصغرى.
"أخي! لقد تأخرت.. أوه؟" توقفت جين-آه مكانها وهي تنظر بذهول إلى الشاب الطويل ذو الشعر الأسود والملامح الوسيمة الواقف خلف أخيها. "من هذا؟ هل هو عارض أزياء؟"
ارتبك مين-هو تماماً، وحاول أن يحني رأسه باحترام مبالغ فيه، وقال بصوت متقطع قليلاً: "أهلاً.. أنا.. أنا كانج مين-هو، صديق جين وو."
في تلك اللحظة، خرجت امرأة من المطبخ، كانت ملامحها تشع طيبة وصفاءً رغم شحوبها الناتج عن سنوات المرض. إنها السيدة بارك كيونغ-هاي،
والدة جين وو. تجمدت نظراتها على مين-هو لثانية، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة جداً.
"أوه، جين وو أحضر ضيفاً معه! أهلاً بك يا بني،" قالت السيدة بارك وهي تمسح يديها بمئزرها.
"شكراً لكِ سيدتي.. وأعتذر على الإزعاج في وقت متأخر كهذا،" قال مين-هو وهو يفرك رقبته بإحراج، ونظراته تزيغ بين أرجاء الغرفة، وكأنه يبحث عن مخرج طوارئ من هذا الخجل
ابتسم سونغ جين وو وهو يرى التصلب الغريب الذي أصاب جسد مين-هو، والتفت نحو والدته قائلاً: "أمي، هذا كانج مين-هو. إنه صديقي و مين هو هذه امي الذي اخبرتك عنها سابقاً"
ثم أشار نحو الفتاة المشاكسة التي كانت تراقب المشهد بعينين متسعتين: "وهذه أختي الصغرى المزعجة، جين-آه."
انحنى مين-هو وكأنه يؤدي تحية عسكرية، وقال بصوت خشن من شدة التوتر: "أهلاً بكِ آنسة جين-آه.. وتشرفتُ جداً بلقائكِ يا سيدة بارك."
ضحكت السيدة بارك بلطف وهي ترى انحناءة مين-هو الرسمية المبالغ فيها، وقالت: "يا إلهي يا بني، لا داعي لكل هذا اعتبر هذه المكان منزلك "
أما جين-آه، فلم تكتفِ بالتحية من بعيد، بل بدأت تدور حول مين-هو بفضولٍ لا يهدأ. اقتربت منه بشدة حتى شعرت بأنفاسه، ورفعت رأسها لتتفحص ملامحه الحادة وشعره الأسود المنسدل.
"واو.. أخي، هل أنت متأكد أنه يعمل معك فقط " قالت جين-آه وهي تضيق عينيها لتدقق في بشرة مين-هو، "إنه يبدو أوسم من الممثلين الذين أراهم في المسلسلات! ملامحه منحوتة لدرجة مرعبة."
ارتبك مين-هو تماماً، ومع اقتراب جين-آه المفاجئ وتركيزها الشديد على وجهه، تفاعلت حواسه القتالية بشكل غريزي. وفي لحظة ضياعٍ كاملة من الإحراج والتوتر،
لمعت عيناه فجأة وانبثقت الشارينغان ذات التوموي الثلاثة بتوهجها الأحمر القرمزي دون أن يقصد.
توقفت جين-آه مكانها، وبدلاً من أن تخاف أو تتراجع، اتسعت عيناها بذهول وانحنت أكثر لتنظر داخل عينيه. "جميل.." همست جين-آه بذهول، "أخي، انظر! عينيه تتحولان للون الأحمر! هل يضع عدسات لاصقة سحرية؟ أريد واحدة مثلها"
صعق مين-هو وأغلق عينيه بسرعة وهو يغطي وجهه بيده، والتعرق يتصبب من جبينه. "أنا.. أنا اعتذر! إنها.. إنها حساسية! نعم، حساسية من الأضواء القوية!" صرخ مين-هو بصوت مرتفع قليلاً من شدة الخجل.
ضرب جين وو كفه بجبهته وهو يراقب مين هو وهو ينهار أمام عائلته بينما قالت السيدة بارك بقلق: "أوه، يا مسكين! جين-آه، ابتعدي عنه قليلاً، تعال يا مين-هو، اجلس قبل أن يبرد الطعام."
سحبوه إلى طاولة الطعام، وجلس مين-هو وهو يحاول تجنب النظر مباشرة إلى أي شخص بدأت السيدة بارك بملء طبقه بكميات هائلة من الطعام.
"كل جيداً يا مين-هو، يبدو أن العمل في شركتكم متعب جداً،" قالت الأم وهي تضع قطعة كبيرة من الكيمتشي فوق أرزه.
"شكراً لكِ.. العمل.. نعم، إنه يتطلب الكثير من الجري والتعامل مع 'الزبائن' الصعبين،" تمتم مين-هو وهو يحاول الإمساك بالأعواد الخشبية بيد ترتجف.
وفجأة، وبينما كان يحاول رفع لقمة كبيرة من الأرز، انزلقت من بين أعواده وسقطت مباشرة في كوب الحساء، مما أدى إلى تطاير قطرات الحساء على قميصه الأسود الفاخر.
"أوه!" صرخ مين-هو بصدمة، وحاول مسحها بسرعة بمنديل، لكنه من شدة ارتباكه وقوته غير المتحكم بها، مزق المنديل إلى أشلاء صغيرة تناثرت فوق الطبق.
انفجرت جين-آه بالضحك: "أخي، صديقك هذا قوي جداً لدرجة أنه مزق المنديل بالخطأ"
"جين-آه! تأدبي!" وبختها الأم، ثم التفتت لمين-هو بابتسامة حنونة: "لا بأس يا بني، جين وو كان يكسر الأطباق في بداياته أيضاً. يبدو أنكم تعملون بجد في تلك المكاتب."
نظر مين-هو إلى جين وو نظرة استغاثة، لكن جين وو كان مشغولاً بمحاولة كتم ضحكته وهو يرى مين-هو الذي ارعب الوحوش وكبار قادة النقابات قبل ساعات، يعجز عن التعامل مع قطعة كيمتشي ومنديل ورقي.
"إذاً يا مين-هو،" سألت الأم بلطف، "هل لديك حبيبة؟ فتى وسيم مثلك لا بد أن الفتيات يلاحقنه في كل مكان."
هنا، فقد مين-هو السيطرة تماماً. كاد يغص بلقمته، وتحول وجهه إلى لون أحمر ينافس لون الشارينغان. "حـ.. حبيبة؟ كلا بالطبع أنا.. أنا أقضي كل وقتي في.. في 'المكتب'.. مع الوحـ.. أقصد مع زملائي!"
استمر العشاء في جو من المرح والضحك، حيث كانت جين-آه تحاول استخراج أي معلومة محرجة عن أخيها من مين-هو، بينما كان مين-هو يحاول فقط البقاء على قيد الحياة حتى نهاية الوجبة دون أن يدمر الطاولة بالخطأ
عندما انتهى العشاء، وقف مين-هو عند الباب، منحكماً علبة الكيمتشي التي أعطتها إياه الأم. انحنى مجدداً وقال بصدق: "شكراً لكِ جداً سيدة بارك.. لقد شعرتُ اليوم بشيء لم أشعر به ابدا"
نضرت له جين-آه قائلة: "وداعاً أيها الوسيم ذو العيون الحمراء عد لزيارتنا مجددا"
خرج مين-هو مع جين وو إلى الرصيف، وأخذ نفساً عميقاً من هواء الليل. التفت نحو جين وو وقال بجدية مضحكة: "جين وو.. قتال الوحوش أسهل بكثير من تناول العشاء مع أختك كيف تستطيع أن تعيش معها بحق الجحيم"
ضحك جين وو بصوت عالٍ وهو يهز كتفه ثم أكمل طوال الطريق وهو يسخر على مين هو بسبب ماحدث