لم تكن جزيرة جيجو في تلك اللحظة مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، بل تحولت إلى نقطة المركز في ثقب أسود يبتلع كل مفاهيم المنطق. فوق القمة المركزية للجزيرة،

حيث كانت السماء قد اصطبغت بلونٍ غريب يمزج بين حمرة الغسق وسواد الحبر، ساد هدوء في المكان كان صمتاً "ثقيلاً"، من النوع الذي يجعل آذان البشر تنزف من شدة الضغط الجوي.

وقف كانج مين-هو فوق حافة صخرية مدببة، معطفه الأسود يرفرف بهدوء لا يتناسب مع جحيم الدماء الذي خلفه وراءه. لم تكن نية قتله منتشرة في المكان، بل كانت مكثفة حول جسده كغلافٍ رقيق من العدم،

مما جعل الفراغ من حوله يبدو وكأنه يتألم. وأمامه، على بعد خطوات معدودة، وقف ملك النمل. كان الوحش يرتجف، ليس خوفاً، بل بسبب "النشوة الغريزية"؛ لقد وجد أخيراً المفترس الذي سيحدد مكانه في الهرم الوجودي.

"أنت.." نطق الملك بصوتٍ بدا وكأنه احتكاك معدن ببعضها البعض "انت هو الملك الحقيقي للبشر"

لم يجب مين-هو بالكلمات. بدلاً من ذلك، فتح عينيه ببطء. في تلك اللحظة، شعر كل كائن حي على الجزيرة —من الصيادين المختبئين إلى أصغر نملة— ببرودة مفاجئة تسري في عمودهم الفقري.

كانت المانجيكيو شارينغان تشع بنمطها المعقد، وكأنها تروس في ساعة كونية تقرر وقت فناء هذا المكان.

بدأ القتال دون إشارة. لم يرمش ملك النمل، لكنه اختفى.

تحول جسد الملك إلى طاقة نقية من الحركة، متجاوزاً حدود الصوت بمراحل. ظهر فجأة في "النقطة العمياء" خلف مين-هو، مخالبه الخمسة ممتدة كأمشاط من الموت الأرجواني،

تهدف لتمزيق ظهر مين-هو وتحويله إلى أشلاء قبل أن يدرك وجوده. لكن، وفي مشهدٍ يتحدى قوانين العالم، لم يلتفت مين-هو حتى.

مرت مخالب الملك عبر جسد مين-هو وكأنها تمر عبر سراب أو دخان. تعثر الملك من فرط قوة اندفاعه التي لم تصطدم بشيء، واتسعت عيناه بذهول. لم يكن هذا تفادياً، بل كان "انعداماً للوجود".

"سرعة مذهلة،" قال مين-هو بصوتٍ هادئ وهو يستدير ببطء، وعيناه الحمراء تلاحقان الملك الذي أعاد تموضعه بسرعة، "لكنك لا تزال تهاجم الجسد وهذه ليس كافي أمامي."

زأر الملك بغضبٍ حيواني، وانفجرت مانا حمراء من جسده حولته إلى إعصارٍ مدمر. بدأ يهاجم من كل الزوايا في وقتٍ واحد؛ مئات الطعنات والركلات والضربات القاطعة انهمرت على مين-هو كالمطر الغزير.

كان المشهد من بعيد يبدو وكأن قبة من البرق الأحمر تحيط بمين-هو. ومع ذلك، كان مين-هو يسير وسط هذا الإعصار ببرودٍ مرعب. في كل مرة يصل فيها نصل الملك إلى بشرته، كان جسد مين-هو يصبح شفافاً بفضل "الكاموي"، ليترك الملك يضرب الهواء عبثاً.

' لماذا؟! لماذا لا أستطيع لمسه؟! ' صرخ الملك في عقله. بدأ التوتر يتسلل إلى حركاته، وبدأت طاقته الوحشية تصبح اقوى وأقوى من أجل أن يسدد ضربة سريعة تمزق جسد مين هو

وبحركة غريزية، أطلق الملك موجة صوتية عالية التردد تهدف لتمزيق طبلة أذن مين-هو وتشويش توازنه.

في تلك الثانية، قرر مين-هو التوقف عن الدفاع.

بمجرد أن أطلق الملك الموجة، فعل مين-هو مهارة "إزاحة الظل". تلاشت صورته من مكانها وظهر أمام الملك مباشرة، المسافة بين وجهيهما لا تتعدى السنتيمترات.

قبل أن يتمكن الملك من التراجع، كانت يد مين-هو قد أُحيطت بمانا الظلام، ووجه ضربة "كف" مباشرة إلى صدر الملك.

بـوووووووووووووووم!

انفجارٌ مروع هزّ أركان الجزيرة بالكامل. لم يكن صوتاً عادياً، بل كان صوت تحطم العظام تحت وطأة قوة غاشمة. طار ملك النمل لمسافة كيلومتر كامل، محطماً في طريقه ثلاث تلال صخرية وغابة من الأشجار الكثيفة،

قبل أن يستقر في قلب جبلٍ في الجهة المقابلة، محدثاً فوهة بدت وكأنها أثر نيزك سقط من السماء.

وقف مين-هو في مكانه، ونفض الغبار عن كفه بهدوء. "انهض،" قال بصوتٍ منخفض لكنه وصل بوضوح إلى أذن الملك المحطم، "أعلم أن وحش مثلك لن ينتهي بلمسة بسيطة كهذه."

من وسط الحطام، انبثقت هالة حمراء داكنة، بدأت ملامحها تتغير لتصبح أكثر وحشية. خرج الملك من الفوهة، درعه الأسود كان متصدعاً في منطقة الصدر، والدماء الزرقاء تقطر من فمه، لكن عينيه كانت تشتعلان بنورٍ غريب.

بدأ جسد الملك يتضخم، وأجنحته الشفافة تحولت إلى أجنحة جلدية ضخمة تشبه أجنحة الشياطين، ومخالبه استطالت لتصبح سيوفاً بيولوجية.

"لقد فهمت الآن.." زئر الملك، وصوته أصبح أكثر عمقاً ورعباً، "أنت سألتهمك لأصبح الأقوى "

هزّ ملك النمل أجنحته بقوه فانبعثت موجة ضغط هوائي أدت إلى تسوية الغابة المحيطة بالأرض في دائرة قطرها كيلومتر كامل. لم يعد ذلك الكيان "حشرة" عاديه

بل أصبح وحشاً من عالم الكوابيس، مانا الحمراء كثيفة تسيل من جسده كأنها حمم بركانية.

"سألتهمك.. سأمتص كل ذرة من جسدك ومن ثم سأرتقي فوق هذا العالم!" صرخ الملك، وانطلق بسرعة تجعل الزمن يبدو متوقفاً.

لكن مين-هو ظل ثابتاً، وعيناه (المانجيكيو شارينغان) تنضران إلى اتجاه الوحش و تحللان مسارات المانا حتى قبل أن تتحرك عضلات الملك.

"تمتصني؟" قال مين-هو بصوت جليدي، "أنت لا تفهم طبيعة ما تواجهه أنا هو الموت أيها الأحمق"

قبل أن تصل أنياب الملك إلى عنق مين-هو، لمعت عينا الأخير بوميض أحمر حاد. "الوهم: سجن الأيام المظلمة!"

في تلك اللحظة، شعر ملك النمل بأن العالم من حوله قد انهار. فجأة، لم يعد في جزيرة جيجو؛ وجد نفسه مقيداً فوق صليب في عالم أحمر بالكامل، والآلاف من نسخ مين-هو تحيط به، تحمل سيوفاً من نار سوداء.

"ما هذا؟! أين انا" صرخ الملك وهو يحاول التحرر، لكن جسده لم يستجب. غرس مين-هو سيفه في صدر الملك، ليشعر الوحش بألم حقيقي يمزق روحه، ومع ذلك لم يمت.

"في هذا العالم، أنا من يتحكم بالزمن والمادة والألم،" قال مين-هو ببرود. "سأجعلك تعاني لآلاف السنين هنا، بينما في العالم الحقيقي لن يمر سوى ثواني بسيطة"

صرخ الملك صرخة يأس مدوية، وبقوة إرادته الوحشية الناتجة عن رغبته في البقاء، فجر المانا الخاصة به داخل عقله ليحطم الوهم. عاد للواقع وهو يلهث، وعيناه تنزفان دماً أزرق، وجسده يرتجف من الصدمة النفسية.

"أنت.. ما هذه المهارة" زأر الملك وهو يندفع مجدداً بضربة يائسة.

بلمحة بصر، قام مين-هو بحركة دفاعية مطابقة تماماً لحركة الملك، وبسرعة مذهلة، نفذ نفس الهجمة التي قام بها الملك وبنفس القوة. "نسخ المهارة:"

اصطدمت ذراع الملك بخنجر مين-هو الأسود المشبع بمانا الظلام المنسوخة لتشكل هجوم مشابه للملك ذُهل الوحش وهو يشاهد هجوم مين هو

"لقد نسيتُ إخبارك،" قال مين-هو وهو يضغط بخنجره الاسود على الملك، "عينيّ لا تكتفيان بالرؤية، بل تسلبان مهاراتك أيضاً."

تراجع الملك للخلف، وبدأ يدرك الحقيقة المرة ' أنا لا أستطيع الفوز'

تراجع ملك النمل لعدة أمتار، مخالبه التي كانت تمزق الفولاذ كأنه ورق تشتعل بآلام لم يعهدها من قبل. نظر إلى مين-هو، ذلك الكيان الذي بدا وكأنه يزداد ضخامة وهيبة مع كل ثانية تمر.

لأول مرة، لم تكن غريزة الملك تخبره بالهجوم، بل كانت تصرخ فيه بكلمة واحدة: "الهرب".

لكن في عالم مين-هو، لا يوجد مخرج للهروب

"إلى أين أنت ذاهب؟" همس مين-هو بصوتٍ بدا وكأنه ينبعث من كل زوايا الجزيرة في آن واحد.

رفع مين-هو يده اليمنى، وبدأت مانا الظلام تتجمع في كفه، لكنها لم تكن مانا راكدة. بدأت تضغط وتدور بسرعة جنونية، حتى انبعث منها صوتٌ مرعب يشبه زعيق آلاف الطيور الجارحة التي تصرخ وسط عاصفة سوداء.

"تشيدوري الظلام!"

تحولت اليد إلى كتلة من البرق الأسود المتراقص، شراراتٌ من الظلام كانت تمزق نسيج الزمكان حول يده. انطلق مين-هو كالسهم، محطماً حاجز الصوت للمرة الأخيرة في هذا القتال.

لم يستطع الملك حتى أن يرفع ذراعه للدفاع؛ فالبصيرة التي تمنحها الشارينغان جعلت مسار الهجوم حتمياً كالموت.

تـشـاااااااااااااااخ!

اخترقت يد مين-هو صدر الملك المدرع كما يخترق النصل الساخن قطعة الزبد. انفجرت صواعق الظلام داخل جسد الملك، لتمزق أعضاءه الحيوية وتحول جسدم إلى رماد. توقفت أنفاس ملك النمل،

وتلاشت الهالة الحمراء من جسده بالكامل، ليحل محلها فراغ الموت.

سحب مين-هو يده ببرود، ليسقط جسد الملك الضخم جثة هامدة عند قدميه. لم تكن هناك نظرات انتصار، بل كان مجرد إنهاء لمهمة روتينية. انحنى مين-هو وأمسك الملك من قرونه المحطمة،

وبدأ بجره خلفه بلامبالاة، تاركاً وراءه خطاً طويلاً من الدماء فوق حطام الجزيرة.

بخطواتٍ ثقيلة وواثقة، دخل مين-هو إلى الكهف الرئيسي الذي كان قبل قليل مسرحاً لمجزرة اليابانيين. كان يتوقع أن يجد بقايا النمل تعيث فساداً، لكن المشهد الذي استقبله كان مختلفاً تماماً.

كان الكهف غارقاً في هدوءٍ جنائزي، تتوسطه جبالٌ من جثث النمل المقطعة بدقة متناهية. وفي قلب هذا الدمار، وقف سونغ جين وو.

كان جين وو محاطاً بجيشه من الظلال؛ إيغريس بسيفه الضخم الذي يقطر دماً، وتانغ المتفوق، ومئات من جنود الظل الذين كانوا ينهون تطهير ما تبقى من أتباع النمل في الزوايا المظلمة.

كان جين وو قد انتهى للتو من تأمين الصيادين الكوريين المصابين، الذين كانوا ينظرون إليه بذهول يمزجه الرعب والامتنان.

توقف مين-هو وهو يجر جثة الملك خلفه، والتقى نظرُه بنظر جين وو.

ألقى مين-هو جثة ملك النمل بإهمال لتسقط بضجيج مكتوم على أرضية الكهف الباردة، والدماء الزرقاء لا تزال تقطر من جسده الممزق. رفع نظره المجهد قليلاً نحو سونغ جين وو، الذي كان يقف بهدوء وثبات وسط جيشه من الظلال.

"لماذا جئت يا سونغ جين؟" سأل مين-هو بنبرة حملت مزيجاً من العتاب والغضب، "ألم أقل لك ألا تأتي؟ ألم نتفق على أن هذا وقت راحتك مع عائلتك؟"

هز سونغ جين وو رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة وهو ينظر إلى الصيادين المصابين واليأس الذي كان يملأ المكان قبل وصوله.

"حسناً.. كنت مجبراً،" أجاب جين وو وهو ينضر بعيداً "شعرتُ بتغير المانا من بعيد، ولو لم أحضر لربما مات الجميع "

تنهد مين-هو بعمق وهو يجول بنظره في أرجاء الكهف، يتفحص أجساد الصيادين المنهكين والدمار الذي خلفه الملك. "لا بأس.." تمتم وهو يغلق عينيه،

التفت سونغ جين وو بكامل تركيزه نحو جثة ملك النمل المحطمة. كانت هالة جين وو السوداء بدأت تتصاعد لتغطي المكان مدّ جين وو يده نحو الجثة، ونطق بتلك الكلمة التي تهز الموت نفسه

"انهض."

في لحظة ساد فيها صمتٌ مطبق، انفجرت مانا الظلام من تحت الجثة، وبدأ دخانٌ أسود كثيف يتشكل ليعيد بناء الجسد الممزق. ارتفع ملك النمل مجدداً، لكنه هذه المرة لم يكن وحشاً برياً،

بل كان جندياً من جنود الظل، يرتدي درعاً من العتمة الخالصة، وهالة قوية جداً تنبعث منه وكأنها بركانٌ هائج.

وقف جندي الظل الجديد (بيرو) بكامل طوله، وزأر زئيراً أرعب كل من في الكهف، معلناً عن ولادة أقوى جندي في جيش جين وو. ولكن، وفي ذروة كبريائه وهالته الطاغية،

التفتت أعين ملك النمل لتلتقي بأعين مين-هو الحمراء التي لا تزال تراقب ببرود.

في تلك الثانية، انكسر جبروت الوحش تماماً.

بدأ جسد ملك النمل بالارتجاف بشكل ملحوظ، وتراجعت هالته القوية لتنكمش حول نفسه. لم ينسَ الرعب الذي ذاقه قبل دقائق؛ لم ينسَ كيف كانت تلك الأعين الحمراء تخترق روحه وتمزق وجوده.

انحنى الملك بجسده المرتعش، ليس فقط طاعةً لسيده جين وو، بل خوفاً غريزياً من الوحش الذي يقف أمامه.

نظر جين وو إلى جنديه الجديد بتعجب، ثم نظر إلى مين-هو وقال بابتسامة خفيفة: "يبدو أنك تركت وراءك صدمة لن يمحوها حتى الموت."

أشاح مين-هو بنظره وهو يبتسم بخفّة: "لقد علمته درساً في التواضع فحسب."

---

الفصل الثالث ❤️❤️

2026/04/09 · 31 مشاهدة · 1667 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026