وقف **مين-هو** في شقته الصغير بعد يوم كامل من التجهيزات خرجت أنفاسه ببطء كأنها نذير شؤم. قال بنبرة جافة لا تحمل أي تردد: "أظهر المهمة."
في تلك اللحظة، انشق العدم أمام عينيه، وانبثقت لوحة النظام بلونٍ أزرق، يقطر منها ضوء يشبه الدم المتخثر. و الحروف تتحرك ببطء كأنها ديدان تحفر في نسيج الواقع
> **[مهمة خاصة: احمِ شظية الكون الخامسة]**
> **[موافق / رفض]**
مدّ مين-هو يده وضغط على كلمة "موافق". في تلك اللحظة، شعر وكأن جسده يُسحب عبر ثقب العالم وتلاشى صوت الرياح من حوله ليحل محله سكونٌ مرعب
عندما فتح عينيه، اصطدمت حواسه برائحة الموت. لم تكن رائحة جيفة عادية، بل كانت رائحة "مجزرة طازجة" اختلطت برطوبة الأرض.
ضهر وهو يقف عند مدخل قرية صغيرة غارقة في صمتٍ مريب؛ لا اصوات اطفال لا حفيف أشجار ولا حتى اصوت أنفاس لأي كائن حي
بدأ يتقدم ببطء، وصوت أقدامه على الأرض الطينية يبدو مدوياً في ذلك السكون الخانق. ومع كل خطوة، كان مشهد الرعب يتكشف أكثر؛ رأى دماءً غزيرة رُشت على جدران المنازل الخشبية وكأنها لوحات سريالية من الجحيم.
وعلى عتبات الأبواب، كانت هناك جثث مقطوعة الأوصاف، أطرافٌ بُترت بوحشية ورُميت في زوايا الطريق كأنها نفايات لا قيمة لها.
لم يهتز لمين-هو جفن؛ كانت عيناه الباردتان تمسحان المكان بآلية قاتل محترف، يتجاوز تلك الأشلاء دون أن يعيرها اهتماماً، فبصره كان معلقاً بشيء أعمق.. بشيء يكسر قوانين الطبيعة من حوله
توقف أمام منزلٍ متهالك، كانت جدرانه تئن تحت ثقل الدماء التي غطتها. فوق سقف ذلك المنزل، كان يجلس فتى في السادسة عشرة من عمره، بجسد نحيف كأنه لم يذق طعاماً منذ اسابيع
وشعر أسود قصير يغطيه الغبار والدم. وثيابه عبارة عن خرق بالية، ملتصقة بجسده بفعل الدماء الجافة.
كان الفتى يحدق في السماء، التي لم تكن سماءً عادية، بل كانت قطعة من اللهب الأحمر القاني، تصبغ وجهه الشاحب بلونٍ دموي.
شعر مين-هو باضطراب كوني في الهواء المحيط بالفتى؛ كانت المانا تتلوى وتتصادم مع نسيج الزمان والمكان من حوله، وكأن جسده النحيل يمثل فجوة سوداء تمزق هذا العالم أو تتلاعب به
'إذن.. هذا الشخص هو الشظية.. التي يجب حمايتها' فكر مين-هو، بينما استقرت عيناه على الفتى ببرود قاتل
استدار الفتى ببطء شديد، وكأن حركة عنقه بحد ذاتها كانت مجهدة. وعندما التقت نظراتهما، رأى مين-هو جحيماً لا يوصف في أعين الفتى كانت منكسرتين تماماً،
خاويتين من أي رغبة في الحياة، وكأنهما مرآتان تعكسان كل ذبحة شهدتها هذه القرية.
ومع ذلك، وعلى ذلك الوجه المحطم، ارتسمت **ابتسامة خفيفة**.. ابتسامة شاحبة، بائسة، ومجنونة،
لم تكن ابتسامة ترحيب، بل كانت ابتسامة شخص سخر منه القدر لدرجة أنه لم يعد يعرف ما يفعله سوى أن يبتسم في وجه السماء وينتظر نهايته بشوقٍ مرير
"من أنت؟" سأل الفتى بنبرة خاوية كأنها تخرج من بئرٍ عميقة ومظلمة.
نظر **مين-هو** إليه ببروده المعتاد، عيناه لا ترمشان وهو يراقب اضطراب نسيج الواقع من حوله ثم أجاب بصوتٍ هادئ "لا يهم من أنا.. ولكن يمكن أن تقول إنني صديق."
هز الفتى رأسه ببطء، ثم انفجر بضحكة خافتة، متقطعة، تحمل في طياتها حشرجة الموت. "ها.. ها.. صديق؟ يا لها من كلمة مقززة.. لا أحب سماعها "
وفي لمح البصر، تلاشت صورة مين-هو من مكانه الأصلي ليظهر وهو جالس بجانب الفتى فوق السقف. لم يهتز السقف من وجوده ولم يصدر أي صوت حتى وكأنه ظلٌ نزل بجوار ظلٍ آخر.
اتسعت عينا الفتى قليلاً، وبرقت فيهما شعلة مفاجئة من الذهول أمام تلك السرعة التي لا تدركها العين البشرية. "رائع.." تمتم وهو يحدق في مين-هو بفضولٍ مريض،
"أنت 'مستيقظ' أيضاً؟ هل جئت إلى هنا بسبب ما فعلت؟ هل تريد قتلي وتطهير هذه العالم النتن "
أدار مين-هو رأسه ببرود نحو القرية المتهالكة، متفحصاً بؤر الدماء المنتشرة كالثقوب السوداء بين الأزقة، والجثث التي بدت وكأنها قُطعت بأدوات بدائية مخصصة للتعذيب
قال بصوتٍ لم يحمل أي نبرة حكم أو إدانة: "كلا.. قلتُ لك إنني صديق. ثم.. يبدو أنك أنت من قتلهم حقا"
انقبضت ملامح الفتى بعنف ثم تلاشى الهدوء الميت ليحل محله غضبٌ عارم، غليانٌ باطني جعل جسده النحيل يرتجف، بينما كان يصارع بكل ما أوتي من قوة ليبقي تلك الابتسامة البائسة على شفتيه، وكأنها درعه الوحيد ضد الجنون الذي يقبع بداخله
"أجل.." فحيحٌ مرعب خرج من بين أسنانه، وعيناه تشتعلان بحقدٍ قديم. "هؤلاء أبناء العاهرات.. لا يستحقون العيش أبداً لقد قتلو امي عن غيابي. لذالك طوال الأيام الثلاثة الفائتة، كنت أعذبهم جميعاً.. واحداً تلو الآخر مانعاً اي شخص من الهروب"
قبض الفتى على حافة السقف بقوة جعلت أظافره تنغرس في الخشب المهترئ، وتابع بصوتٍ يقطر سماً: "لقد جعلتُ الجحيم واقعهم. قتلتُ أعز الأفراد إلى قلوبهم أمام أعينهم، "
"تركتهم يتوسلون للموت كأنه أسمى أمانيهم، حتى لم يبقَ أي شخص حي بعد ذلك. لقد طهرتُ هذه الأرض من قذارتهم."
نظر مين-هو إلى الفتى الذي تحطمت إنسانيته تماماً ليتحول إلى تجسيد حي للموت والانتقام
ابتسم نحوه ببرود غير متوقع، وقال بنبرة هادئة: "لا بأس.. هذا ليس مهماً كثيراً."
اتسعت عينا الفتى بذهول، وتلاشت حدة غضبه ليحل محلها استغراب حقيقي. نظر إلى مين-هو طويلاً ثم قال بيأس: "يبدو أنك حقاً لم تأتِ لقتلي.. هذا مؤسف حقا "
رفع مين-هو رأسه إلى السماء الحمراء القانية، وأجاب بابتسامة غامضة: "إن كنت تريد الموت، فهذا سيء حقاً بالنسبة لك.. لأنني هنا من أجل منعك من الموت."
بصق الفتى على الأرض بمرارة وتمتم: "تباً لك.." ثم رفع رأسه إلى السماء هو الآخر، مستسلماً لهذا الوجود الغريب بجانبه.
استشعر مين-هو تذبذباً في المانا؛ ثلاثة أشخاص اخترقوا حاجز المكان ودخلوا القرية، هالتهم توحي بأنهم يملكون بعض القوى لكن بمستويات متوسطة جدا
هبط مين-هو من فوق سطح المنزل بخفة الظل، ووقف في منتصف الطريق المغطى بالدماء ليواجه الأفراد الثلاثة الذين كانوا يتقدمون نحوه بحذر.
رفع أحدهم بطاقة تعريفية رسمية وصاح بنبرة حازمة: "نحن من مركز التحقيق! لقد جئنا بعد سماعنا بما حدث في هذه القرية، ولدينا بعض الأسئلة إليك وإلى ذاك الفتى.. نرجو أن تتعاون معنا."
ابتسم مين-هو ببرود، وأشار بإبهامه نحو الفتى الجالس فوق المنزل وقال بمنتهى الصراحة: "حسناً.. كما ترون، ذاك الصبي هو من قتل الجميع هنا وقام بتعذيبهم. لا أعرف لماذا تحديداً، ولكن هذا ما جرى."
توقف المحققون الثلاثة عن الحركة، ونظروا إلى الفتى النحيف والمحطم فوق المنزل، ثم انفجر أحدهم ضاحكاً بسخرية وهو يتقدم نحو مين-هو: "هل تظن أننا حمقى؟ كيف يمكن لذاك الطفل أن يقتل قرية كاملة بمفرده؟"
ثم مد يده بغلظة ليمسك بياقة مين-هو قائلاً: "أعتقد أنك القاتل الحقيقي وتحاول التستر خلف طفل!"
في جزء من الثانية، أمسك مين-هو بيد الرجل وقام بلفها بقوة حتى خرج صوت تمزق العظام في المكان بينما سقط الرجل تحت قدمي مين-هو الذي وقف فوقه ببرود كأنه يسحق حشرة.
"اقتلوه!" صرخ الشخصان الآخران، واستلا أسلحتهما (سيوف قصيرة مشحونة بالمانا) وهجما بنية قتل واضحة.
تحرك مين-هو كأنه وميض أسود؛ استل خنجره وتجاوزهما في حركة دائرية واحدة. لم يسمع أحد سوى صوت خروج الدماء من أجسادهم ثم سقط الرأسان على الأرض الموحلة بالدماء قبل أن تصل أجسادهم للأرض.
استدار مين-هو نحو الرجل الذي تحت قدمه والذي كان يصرخ برعب نحوه وبضغطة واحدة ساحقة من حذائه، هشم رأسه بالكامل حتى اختلطت عظامه بتراب القرية.
نظر الفتى من فوق المنزل إلى الجثث الجديدة ببرود تام وابتسامة خفيفة لا تفارق وجهه، وقال بنبرة مليئة باللامبالاة: "أنت مزعج حقاً.. لماذا قتلتهم قبل أن يقتلوني؟ لقد أفسدت عليّ فرصة ذهبية للرحيل."
ابتسم **مين-هو** ببرود وهو ينظر إلى نصل خنجره الملطخ بالدماء الجديدة، ثم رفع عينيه نحو الفتى القابع فوق السقف وقال بنبرة هادئة وساخره
"كما قلتُ لك تماماً.. طالما أنا هنا، فأنتَ لن تموت."
ساد الصمت لثانية، بينما كانت جثث المحققين الثلاثة لا تزال تنزف تحت قدمي مين-هو، وكأن العالم بأسره قد توقف ليسمع هذا الوعد المرعب.