حالما تلامست مخالب وحش الظلام مع أنياب التنين الفضي في أعالي السماء، فُقدت سيادة القوانين الفيزيائية؛ الجاذبية انتحرت تحت اقدامهم، والحمم التي كانت تغلي وتنطلق للسماء من حولهم بدأت تتفجر وتتحول إلى كرات صغيرة من الحمم لتبتعد عن نطاق قتالهم ، مشكلةً مشهداً سريالياً لجحيمٍ معلق من حولهم.
في الأسفل، تحت بؤرة الإعصار المكاني، لم يكن **كانج مين-هو** و**أغاروث** يقفان فحسب، بل كانا يتحركان بتردداتٍ تتجاوز الإدراك البشري. تحول جسد مين-هو إلى نصلٍ من الظلام الخالص،
يلفه وشاحٌ من الظلام الحالك و التي تحرق نسيج الهواء قبل ملامسته. بينما كان أغاروث يتوهج بهالة فضية سائلة، وكأن جسده قد صُهر من زئبقٍ مقدس مستخلص من لب النجوم نفسها.
***طاخ!***
تصادم نصل مين-هو الأسود مع ساعد أغاروث المكسو بحراشف التنين التي تحول إلى لون الفضة. لم يتراجعا حينها. بل كانا يتبادلان اللكمات والطعنات بسرعةٍ جعلت صورهما المتبقية تبدو وكأنها جيشٌ كامل يتقاتل في بقعة واحدة.
مع كل تلامس، كانت تنفجر؛ ثقوب سوداء صغيرة تولد وتفنى في جزء من الثانية، تلتهم الحمم والرماد المحيط بهما.
"أتعتقد أنك تستطيع الاستمرار طويلاً ايها الأحمق أمام التنانين امثالنا القتال بطاقة التحمل والاستنزاف هو حماقة فقط؟" زأر أغاروث، وهو يحرف طعنة خنجر مين-هو بمليمترات عن قلبه، موجهاً ركبة مشبعة بـالطاقة نحو جانب مين-هو.
التوى جسد مين-هو بالكامل مستخدماً **"إزاحة الظل"** ليس للهروب، بل للانزلاق حول هجوم أغاروث كالدخان. " لا تقلق سوف اسقطك أرضا قبل أن تنتهي طاقتي بالكامل" صرخ مين-هو بجنون، بينما كانت عينه الشارينغان تبكي دماً من فرط الطاقة والضغط.
وجه مين-هو ضربة بخنجره مغلفة بـ **"نيران الأماتيراس"**، اصطدمت بصدر أغاروث، مخترقةً حراشفه الفضي ومسببةً تصدعاً في عظام القفص الصدري لملك التنانين.
شعر اغاروث بحرارة النيران السوداء في صدره لكنه استطاع إخفائها بفضل هالة سلف التنانين بصعوبة كبيرة لم يتوقف بل ردَّ فوراً بنبضة فضية من عينيه، **"الانتقال الآلي"**، ليظهر فوق مين-هو ويطبق يديه معاً محطماً الأرض تحت خصمه لعمقٍ لا يراه البصر.
بينما كان الجسدان البشريان يمزقان بعضهما في الأسفل، كانت "التجسيدات العظمى" في الأعلى تخوض حرباً من نوعٍ آخر. وحش الظلام ذو الأعين الأرجواني،
بكيانه الهلامي الذي لا يحده شكل، كان يلتف حول التنين الفضي كأنه "غسقٌ أزلي" يحاول خنقه وابتلاعه بالكامل.
بينما التنين الفضي يزأر، بقوته كل زئير كان يرسل "موجات من الاهتزاز حوله" تحاول تبديد وحش العدم. و المخالب الفضية تمزق أطراف الظلام، فتبدو القطع المقطوعة وكأنها نجومٌ مخنوقة تتلاشى في الهواء.
في المقابل، كان وحش الظلام يغرز مخالبه في جسد التنين، وكل غرزة كانت تمتص "الحياة" من ذلك الجزء؛ فالحراشف التي يلمسها الوحش كانت تفقد لونها وصلابتها، وتتحول إلى رمادٍ ميت لا ينتمي لأي عنصر.
السماء فوقهما تمزقت تماماً، وانكشف الفضاء الخارجي ببرودته الموحشة. النجوم البعيدة بدأت تومض وتخبو، كأنها ترتعد من هول الصدام الذي يحدث في هذه الزاوية المنسية من الكون.
لم يعد هناك سحاب، بل تضارب من الطاقة المتنافرة التي ترسم لوحة من الدمار المرعب.
توقف كل من **مين-هو** و**أغاروث** عن الحركة فجأة، وهم يركزون على بعضهم البعض غير مهتمين بتصادم الطاقة المتوحشة في الأعالي. بعد التوقف لدقائق طويلة رفع كلاهما رأسه ببطء،
لتتركز نظراتهما عند ذلك المشهد المهيب؛ وحش الظلام والتنين الفضي كانا لا يزالان يتطاحنان، لكن صدامهما لم يعد مجرد قتال، بل صار كأنه إعصار كوني يمزق أستار الغيب،
كاشفاً عن فضاءٍ أسود سحيق يبتلع النجوم في جوفه وكأنهم قد خرجو من هذه العالم بالكامل ليكتمل قتالهم في الفضاء السحيق.
هز **أغاروث** رأسه ببطء، وبدت نبرة صوته مختلفة تماماً، خالية من العدائية المباشرة، قال بهدوء: "هل تعلم يا مين-هو.. في بداية خلق العالم نفسه، لم يكن هذا الوجود بهذا الهدوء أو هذه الرتابة والضعف في الماضي."
" كانت هناك آلاف الأجناس ذات القوة المخيفة، كياناتٌ لم يكن للضعف مكانٌ في قاموسها، تربعت فوق العالم نفسه وامتلكت مفاتيح الوجود."
هز **مين-هو** رأسه قليلاً، والدم يسيل من جبهته ليغطي عينه اليسرى التي كادت تنطفئ، ولم يفهم ما يقصده أغاروث بهذا الحديث في وسط معركةٍ دموية.
أنزل **أغاروث** رأسه، وركز نظره الثاقب على مين-هو، وأكمل بجدية غريبة: "هل تعلم أن بين آلاف الأجناس والقوى المختلفة في ذلك الوقت، لم يكن هناك وجود لمفهوم المانا نفسه؟ المانا التي نتقاتل بها الآن، "
"والتي يسعى الجميع خلفها، لم تكن سوى شيء لم يُخلق بعد. كل الأجناس المختلفة في ذلك العصر السحيق كانت تملك القوى بشكل غريزي، طاقةٌ تنبع من جوهر وجودهم منذ لحظة ولادتهم."
صمت أغاروث قليلاً، وكأن ذكريات السلف تتدفق في عروقه، ثم أكمل: "ومن بين تلك الكيانات الأسطورية، برز أربعة أشخاص فقط.. أربعة تربعوا على قمة الهرم الكوني، معلنين أنفسهم ملوك الكون بلا منازع."
توقف عن الكلام لبرهة، وهو يشاهد انفجاراً أرجوانياً في السماء ناتجاً عن ضربة من وحش الظلام، ثم تابع: "كان كيان الظلام نفسه أحدهم.. وكيان النور.. وسلف التنانين الأول. أما الرابع.. فقد كان الكيان الذي بدأ كل شيء.
هو من خط أول سطر في كتاب الوجود، وهو من بدأ بخلق العوالم التي نعيش بها الآن. لكنه لم يكن خالقاً بالمعنى الحرفي وهذه ما لا ستطيع معرفته حتى أنا ثم."
"استطاع بلمحة بصر أن يمحو أسلاف الأجناس الأولى بنفسه، محولاً قوتهم الغريزية الهائلة إلى طاقة خام، طاقة تغذي هذا الكون وتمنحه الحياة.. ومن هنا ولدت المانا وباقي انواع الطاقات في هذه الكون الشاسع."
أخذ أغاروث نفساً عميقاً، وأكمل: "ثم بدأت الأجناس تولد من جديد، لكن بقواعد مختلفة وضعها بنفسه. لم يعودوا يولدون بقوة كبيرة و فقط مع تقدمهم بالعمر تصبح أكثر رعبا، "
"بل ولدوا بضعفٍ شديد.. ومن أراد القوة، فعليه الآن أن يبذل كل وقته و روحه ليمتص الطاقة من الكون الذي لا ينتهي ليصبح أقوى. لقد حولنا من أسيادٍ بالفطرة إلى متسولين للطاقة فقط."
هز **مين-هو** رأسه بتعجب طفيف وسأل بنبرة خشنة: "وما هو المقصد من كلامك الآن؟ ما حاجتي لتاريخ الأكوان بهذه الوقت؟"
ابتسم **أغاروث** ابتسامة غامضة، وقال: "المقصد ليس كبيرا لكن أشعر أن يجب أن أخبرك بذالك كونك تجسيد الظلام وايضا أن ذلك الكيان الرابع، كاد أن يفعل نفس الشيء مع سلف التنانين ومع كياني الظلام والنور. "
" في البداية، تقدم ذلك الكيان للسيطرة على قوة 'كيان الظلام' بالكامل وقتله، من أجل تحويله إلى طاقة تغذي أرجاء الكون وتزيده اتساعاً أيضا كما فعل مع باقي الأجناس والقوى المختلفة. واستطاع فعلاً أن يكسر كبرياء الظلام وهزيمته لولا تدخل 'كيان النور' في اللحظة الأخيرة."
ضحك أغاروث بخفة، ضحكة تحمل الكثير من المرارة: "وحتى مع اتحاد النور والظلام، كانا مجرد لعبة أمام قوته المطلقة.. لولا تدخل جدي الأكبر، سلف التنانين الأول،"
" ليقف بجانبهما في تحالفٍ لم يشهده الوجود قبله ولا بعده. تخيل يا مين-هو.. أعتى ثلاث قوى في الكون اندمجت معاً لمواجهة ذلك الكيان المرعب."
ثم صمت قليلاً وهو ينظر للسماء الممزقة بذهول: "والمثير للسخرية، أنه رغم تدخل هؤلاء الثلاثة، لم يستطيعوا هزيمته. بل خرجوا بالتعادل في معركة شقت نسيج الأزل. انسحب ذلك الكيان بعدها ليختفي بالكامل،"
" دون أن يعلم أحدهم أين ذهب أو متى سيعود حتى الآن. لكن المضحك أكثر من كل هذا.."
أشار أغاروث بإصبعه نحو السماء، حيث كان وحش الظلام والتنين الفضي يمزقان بعضهما البعض دون رحمة:
"أن اثنين من تلك الكيانات المرعبة التي قاتلها ذالك الكيان في فجر الزمان.. يتقاتلان الآن فوقنا عبر أجسادنا المنهكة."
تنفس **مين-هو** بصعوبة، وشعر بثقل الكلمات التي ألقاها أغاروث، سأل بنبرة خافتة تحمل حيرةً "وماذا حدث بعد ذلك.. للكيانات الثلاثة المتبقية؟"
أغلق **أغاروث** عينيه للحظة، وكأنه يسترجع صدى صرخاتٍ قديمة من دمه، ثم أجاب: "لقد اختفوا هم أيضاً، تلاشت آثارهم من الوجود المادي دون معرفة مكانهم الحقيقي. "
"لكن في سجلات أسلاف التنانين السحيقة، يقال إنهم لم يرحلوا للأبد، بل هم في حالة سباتٍ كوني ينتظرون اللحظة المناسبة للخروج مجدداً."
فتح أغاروث عينيه، وكان بريقهما يزداد حدة: "في ذلك الوقت، لن يكون الكون بأسره هادئاً، لأنهم يريدون الانتقام من الشخص الذي أهان وسحق غطرستهم. "
"وبالخصوص **كيان الظلام**.. هو أكثرهم بغضاً وغضباً لذلك الكيان 'الرابع'. لقد سُلبت منه سيادته المطلقة، وهذا جرحٌ لا يندمل بمرور المليارات من السنين بالنسبة له."
أكمل أغاروث وهو يشير إلى الجروح التي تغطي جسده وجسد مين-هو: "ومع ذلك، لم يتركوا الكون فارغاً. لقد نشروا شظايا من أرواحهم وجوهر قوتهم حول الكون والعوالم المختلفة، لتستقر في أجساد أشخاصٍ يلبون توقعاتهم وشروطهم الحقيقية.. أولئك الذين نطلق عليهم 'تجسيد تلك الكيانات'."
أغمض **مين-هو** عينيه قليلاً، وشعر بتدفق الظلام داخل عروقه، ذلك الظلام الذي لم يكن يوماً مجرد مهارة أو سحر، بل كان يبدو وكأنه كيانٌ حي يتنفس معه. وقال
"أنهم نحن.. أليس كذلك؟"
هز **أغاروث** رأسه ببطء، وفي عينيه نظرة احترامٍ ممزوجة بالشفقة: "أجل.. نحن المختارون لاتباع إرادتهم، سواء أردنا ذلك أم لا. نحن القطع المهمة في رقعة شطرنجٍ بدأت قبل خلق النجوم، ونحن من سيخوض القتال الأخير مع ذالك الكيان."
استقام أغاروث في وقفته رغم جراحه، ونظر إلى وحش الظلام والتنين الفضي مجددا و اللذين كانا لا يزالان يتبادلان الضربات في الأعالي كأنهما انعكاسٌ لصراعٍ أزلي،
ثم أعاد نظره إلى مين-هو بنبرة خلت من العداء الصريح لأول مرة، وقال: "مين-هو.. لا أريد منك شيئاً الآن سوى أن تعطيني الشظية الخامسة."
نظر إليه **مين-هو** بعمق، والدم يسيل من جروحه، وسأل بهدوء حذر: "لماذا تريدها إلى هذه الدرجة؟ ما الذي يجعلك تخاطر بحياتك وتسافر إلى عشرات الكواكب فقط من أجلها ؟"
أغمض أغاروث عينيه عند سماع كلام مين هو، وفي تلك اللحظة، انبعث وهجٌ خافت من صدره. بدأت أربع كرات صغيرة ذات ألوان مختلفة بالخروج من جوفه، لتطوف حول جسده المنهك في حلقة منتظمة.
كانت الشظايا الأربع تشع بضياءٍ غريب؛ واحدة بلون الازرق، وأخرى ببريق الفضة، وثالثة بلون الدم، والرابعة خضراء كغابات الأزل.
شعر مين-هو بضغطٍ روحي هائل ينبعث من تلك الكرات، طاقة مكثفة لم يشهد لها مثيلاً، وفي أعماق عقله، تذكر هالة ذلك الفتى الذي أرسله إلى بُعد الكاموي. فكر في نفسه 'إنها تشبه هالة ذلك الفتى تماماً.. وكأنها مستمدة من المصدر ذاته.'
فتح أغاروث عينيه وهو ينظر إلى الكرات الأربع التي تدور حوله، وقال بصوتٍ يملؤه التبجيل: "هناك سر لا يعرفه إلا من استحق معرفتها حول هذه الشظايا المختلفة. "
"يقال إن من يحصل على هذه الشظايا الخمس مجتمعة، يستطيع لقاء سيد الكون.. الصانع الذي أوجد حتى الكيانات الأربعة التي أخبرتك عنها."
اتسعت عينا مين-هو من الصدمة. 'إذن هناك قوة أقوى حتى من كيانات الظلام والنور وسلف التنانين؟ هل لهذه القوة ارتباط بسيد القدر؟'
أكمل أغاروث، ونبرته تزداد هيبة: "عندما تكتمل الشظايا، يفتح ممرٌ نحو عرش الصانع، وحينها.. يستطيع حاملها أن يحصل على أمنية واحدة فقط."
" وسوف تتحقق تلك الأمنية مهما كانت صعوبتها، ومهما كانت مستحيلة في قوانين عالمنا هذا."
فتح مين-هو فمه بصدمة، وتمتم: "أي أمنية؟ هل تقصد.. أي شيء حقاً؟" هز أغاروث رأسه ببطء: "أجل.. مهما كانت."
سأله مين-هو، وعيناه الشارينغان تراقب كل حركة في ملامح التنين: "وهل أمنيتك أن تصبح أقوى مما أنت عليه الآن؟ أو أن تسيطر على الكون ومن هذه السخافات التي يسعى خلفها الحمقى؟"
ضحك أغاروث ضحكة قصيرة ومريرة: "بالطبع لا.. من حيث القوة، فأنا مقدر لي منذ ولادتي أن أصبح فوق السماء نفسها، ولست بحاجة لأمنية من أجل ذلك. "
"وبشأن السيطرة على الكون، فهذا حلم تافه لا يليق بسليل سلف التنانين، وليس لدي أي نية لفعل ذلك."
صمت أغاروث فجأة، وتغيرت نظرة عينيه لتصبح مليئة بالحزن الدفين: "ولكن.. هناك شيء قد فقدته. شيء مهم جداً بالنسبة لي.. وأريد استرجاعه مهما كان الثمن."
ركز مين-هو بصره على عيني أغاروث، وبفضل قدرة وملاحظة الشارينغان على قراءة حل حركة من جسد اغاروث، أدرك أن هذا الكيان لا يكذب. سأله بنبرة خفتت حدتها قليلاً: "وما هو هذا الشيء الذي تريده لهذه الدرجة؟"
رفع أغاروث رأسه قليلا وقال: "أعلم أنه شيء تافه بالنسبة لك، وربما تراه ضعفاً.. ولكن هناك حياة قد فقدتها، حياة أغلى من هذا الكون بأسره.. وأريد استرجاعها من بين براثن العدم."
ابتسم مين-هو ابتسامة غامضة، ورفع خناجره السوداء ببطء "حياة تريد استرجاعها؟ ههه حلم جميل يا أغاروث.. حقاً حلم جميل."
تلاشت ابتسامة مين-هو فجأة، وحلت محلها نظرة قاطعة كالسيف، وتابع ببرود قاتل: "لكن.. أنت لن تستطيع فعله."
اختفت ابتسامة أغاروث الخافته وهو يتذكر بعض الذكريات أيضاً، وحل محلها برودٌ جليدي صهر الهواء من حولهما. مدَّ مين-هو خناجره إلى الأمام،
وثبّت قدميه في الأرض المحطمة، وقال بصوتٍ هزَّ احلام اغاروث وذكرياته "لأني سوف أمنعك من الحصول على الشظية الخامسة.."
انفجرت الهالة السوداء والفضية مجدداً، لتعود المعركة إلى ذروتها، حيث لم يعد الصراع على النصر، بل على الأمل المستحيل الذي تحمله تلك الشظايا.