وقف أغاروث شامخاً وسط حطام الوجود، ينظر بجلالٍ حزين إلى جثة مين-هو التي تمددت فوق الفضاء وبدأت بالاختفاء أمامه بينما فارقتها الروح تماماً.
تنهد أغاروث بعمق، وخرج صوته مثقلاً بإعجاب لم يظهره يوماً إلا بشكل نادر لأشخاص يعدون على أصابع اليد الواحدة:
"حقاً.. كنت أتمنى أن نلتقي في مكان آخر، وفي ظروفٍ تليق بك أكثر يا مين-هو. أمثالك من المحاربين لا يستحقون الموت في هذا الخلاء الموحش، وحيدين ومحطمين. أنا آسف حقاً.. "
التفت أغاروث ببطء نحو الفتى الواقف في زاوية العدم، وبومضة فضية خاطفة اخترقت نسيج المكان، استخدم [الانتقال الآلي] ليظهر أمام الفتى مباشرة كأنه شبحٌ انبعث من ذرات الضوء.
لم يتراجع الفتى إنشاً واحداً. لم يرمش، ولم تهتز فرائضه. نظر في أعماق عيني أغاروث بهدوءٍ سريالي، كأنه يرى في الموت صديقاً قديماً طال انتظاره. سأله أغاروث بنبرة غامضة مشوبة بالحيرة: "الست خائفاً؟ ألا تدرك أنك سوف تموت الآن؟"
هز الفتى رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة: "بالطبع لا.. لماذا أخاف من الموت وأنا لا أملك سبباً واحداً للتمسك بالحياة؟ بالنسبة لي، هذا العالم لم يكن سوى سجنٍ طويل، وأنت الآن تحمل المفاتيح لإخراجي منه."
هز أغاروث رأسه بأسفٍ حقيقي، ومد يده برفق ليضعها على صدر الفتى، حيث كان ينبض قلبٌ أرهقه الوجود. "ما اسمك أيها الصغير؟"
ابتسم الفتى بخفة بينما بدأت هالة ذهبية سائلة تتدفق من جسده، منيرةً عتمة المكان: "ماركوس.. هذا هو اسمي الذي سيذوب في النسيان."
همس أغاروث بصوتٍ خافت يملؤه التقدير: "آسف يا ماركوس.. أعلم يقيناً أن لا علاقة لك في هذا الصراع، لكن ثمن رغبتي هو حياتك.. أنا حقاً أحتاج هذه الشظية."
في تلك اللحظة، انشقت الروح عن الجسد، وخرجت الشظية الخامسة؛ كرة ذهبية متوهجة بنور أزلي، انطلقت لتستقر في المدار مع الأربع الأخرى التي كانت تدور حول جسد أغاروث كأقمارٍ في نظام شمسي صغير.
ومع اكتمال الخمس، حدث ما كان يتوقعه اغاروث. لم يعد "الواقع" في هذه الخط الزمني له سبب بالبقاء بسبب اختفاء مصدر طاقة فانطلقت صرخة من عشرات الاماكن في الفضاء الشاسع كانت صرخات الكوكب في هذه الخط الزمني بأكملها،
ثم انفجر الكوكب والكون المحيط به بالكامل في ومضة بيضاء عمياء، ليتلاشى كل شيء ويتحول إلى غبارٍ منثور في فضاءٍ لا نهاية له.
وقف أغاروث وحيداً، يطفو في الفراغ المطلق حيث لا زمان ولا مكان يعيق طريقه. وهو ينظر ببرودٍ جليدي إلى الكرات الخمس التي تراقصت أمامه:
"في كل مرة أحصل فيها على شظية، يتدمر عالمٌ بأكمله تحت وطأة اختفاء طاقتها.. لقد محوت حتى الآن خمسة أكوان وفي كل كون عشرات الكواكب المختلفة تنهد. لا يهم.. حتى لو اضطررت لتفجير الوجود بأسره، فلن أتراجع عن غايتي."
مد يده، وبإرادةٍ حديدية، دمج الكرات الخمس معاً. اهتزت الكرات بعنفٍ زلزل أبعاد الفضاء ذاته، ثم تلاشت فجأة في ومضةٍ سوداء. وفي اللحظة التالية،
تحطم الواقع من حوله كأنه لوح زجاجي ضخم تلقى ضربة من مطرقة قويه، ظهر أمامه بابٌ غريب مزخرف برموزٍ لم يرها حتى في سجلات السلف، يقف صامداً في مكانٍ معزول عن كل القوانين.
---
في مكانٍ آخر وفي اعماق الكون الشاسع وتحديدا، داخل مكتبة أزلية لا نهاية لها، حيث تصعد رفوف الكتب لتخترق سحب الأبعاد، كان يجلس شخصٌ غامض. عباءةٌ غريبة تغطي كامل جسده، وقلادةٌ تتوهج حول عنقه بنبضٍ هادئ.
وهو يقلب صفحات كتابٍ يمسكه بيده، مكتوب على غلافه بخط لا يفهمه اي شخص: (داخل عالم سولو ليفلينغ).
ضحك سيد القدر بصوتٍ رنان تردد صداه في القاعة: "إذن.. لم يستطع الفوز؟ ياله من قدرٍ ساخر! هذه مؤسف حقاً، فقد كانت مسارات احتمالاته ممتعة للمشاهدة."
أغلق الكتاب بحركةٍ حاسمة ووضعه جانباً بمللٍ ظاهر: "أن ينتهي الكتاب بهذا الشكل المأساوي.. حقاً إنه أمرٌ مخيب للآمال. توقعتُ منه جنوناً أكبر أو أن يخرج بمهارة أخيرة ليفوز كما يفعل ابطال الروايات الآخرى."
وقف سيد القدر ليتوجه نحو المكتبة لإعادة الكتاب، لكن فجأة، اهتزت القاعة بأكملها. انفتحت بوابةٌ من الضوء وسط القاعه، وخطا أغاروث إلى الداخل،
خطواته تترك رنيناً في المكان الهادئ. أدار أغاروث رأسه بذهول، تائهاً بين ملايين الكتب التي تحمل حيواتٍ وأكواناً كاملة، حتى وقعت عيناه على الشخص الواقف هناك.
نظر سيد القدر نحو أغاروث ثم تنهد و رفع رأسه نحو السقف الذي لا نهاية له وصرخ بضجر "يجب أن آخذ مكان 'السيد' الآن وأقوم بمهامه فقط.. لماذا أنت كسول إلى هذا الحد؟"
[المؤلف: لا تُخطئ الفهم يا سيد القدر… أنت لا تملك فائدة كبيره. وُجِدتَ فقط لتنجز ما أراه أنا مناسبًا، ولتحمل عني ما لا يستحق أن أضيّع وقتي عليه.]
ثم خفض رأسه ببطء لينظر نحو أغاروث. سأله أغاروث بصوت لا يستطيع إخفاء دهشته: "هل أنت سيد الكون؟ الصانع الأول؟"
أجاب سيد القدر وهو يعود ليجلس على كرسيه بكل برود: "كلا.. أنا سيد القدر. وتستطيع القول إنني 'النائب' هنا، القائم بأعمال سيد الكون في غيابه. إذن.. ما الذي دفعك لتحطيم خمسة أكوان لتصل إلى هنا؟ ماذا تريد"
حاول أغاروث قياس قوة الكيان الجالس أمامه، لكنه شعر بذعرٍ صامت؛ كان الأمر كأنه يحاول قياس عمق المحيط بقطرة ماء. لم يجد بدايةً لقوته ولا نهاية. 'مستحيل.. لا أستطيع حتى إدراك وجوده وهو أمامي'
تنحنح أغاروث وقال بصوتٍ حاول جعله ثابتاً: "لقد جئت من أجل.."
قاطعه سيد القدر بحركة لا مبالية من كفه، كأنما يزيح غباراً عن الهواء: "أعلم.. لا داعي للشرح المطول. الكتب هنا تروي كل شيء قبل أن تنطق به. فقط أخبرني برغبتك الحقيقية التي جعلتك تبيع ضميرك من أجلها."
تنهد أغاروث، ونكس رأسه للأرض بكسرةٍ لم يعهدها كبرياؤه يوماً، وقال بصوتٍ مخنوق: "أريد أن يعود م... إلى الحياة. أريد استرجاع تلك الروح التي سُلبت مني."
ساد صمتٌ لثانية، ثم وقف سيد القدر من كرسيه وتقدم نحو أغاروث بخطواتٍ بطيئة، حتى وقف أمامه مباشرة. "لا بأس.. امتلاكك للخمس شظايا يمنحك حق 'الأمنية' مهما كانت سوف أنجزها لك. "
"أستطيع إحياءه من جديد بمجرد إيماءة.. لكن، هل أنت متأكد تماماً؟ الثمن قد دفعته الأكوان التي دمرتها، فهل أنت مستعد لمواجهة العواقب فيما بعد ؟"
هز أغاروث رأسه بقوة، وعيناه تلمعان بتصميمٍ لا يلين: "أجل. افعل ذلك. لا يهمني الثمن، ولا تهمني العواقب.. فقط أعده للحياة.."
فرقع سيد القدر إصبعه، فاهتزت جدران المكتبة اللانهائية، وتجسد بابٌ خشبيٌ قديم بجانبهما، تنبعث من شقوقه رائحة العشب الندي ونورٌ أبيض دافئ يبعث الطمأنينة في النفس.
أشار سيد القدر نحو الباب دون أن ينظر، ثم استدار ليعاود تقليب كتبه بحثاً عن قصة جديدة. "ادخل.. وقم بإخراج روح من تريده بنفسك." خطا أغاروث داخل الباب، ليتلاشى في ضياءٍ باهر.
ثم وجد أغاروث نفسه فجأة في مكانٍ يفيض بالخضرة، حيث تتمايل الأشجار مع رياحٍ باردة وجميلة تحمل رائحة الأرض بعد المطر. وسط هذا السكون، كان يقف فتى بشري،
ملامحه هادئة وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين. كان الفتى يهز رأسه بحيرة، ويمسح شعره وهو يتمتم بصوتٍ خافت: "أين أنا الآن؟ لا تقل لي أنني انتقلت إلى عالمٍ آخر مجدداً.. لقد سئمت من البدايات الجديدة."
[المؤلف:هممم لدينا بطل هنا ايضا ]
حالما رفع الفتى رأسه ليركز على ماهو امامه، وقعت عيناه على أغاروث الذي كان يقف على بُعد أمتارٍ قليلة. تجمد كلاهما. بصدمةٌ شلت الأطراف، وهدوءٌ سبقه عاصفة من الذكريات. همس الفتى بصوتٍ متهدج: "أغاروث؟ ماذا تفعل هنا؟ كيف وصلت إلى هذا المكان؟"
لم يستطع أغاروث الصبر أكثر من ذالك بعد سماع كلام الفتى. اندفع بخطواتٍ متعثرة، والدموع بدأت تسبقه، ثم ارتمى يحتضن الفتى بقوةٍ هائلة، كأنه يريد دمجه داخل جسده لضمان عدم اختفائه مجدداً.
صاح أغاروث بنبرةٍ ممزقة: "أخيراً.. أخيراً رأيتك مجدداً.. أيها الأحمق اللعين!"
هبطت قطراتٌ ساخنة من أعينه، بكاءٌ صامتٌ لكنه يهز الأبدان، بكاء شخصٍ دمر الوجود من أجل هذه الضمة. ابتسم الفتى بمرارة، ورفع يده ببطء ليربت على ظهر أغاروث بحنان، وقال بصوتٍ مازح يحاول إخفاء غصته: "أغاروث.. هل تبكي الآن؟ ذالك التنين المهيب يبكي كالأطفال؟"
زمجر أغاروث وهو يشد من قبضته على رداء الفتى: "كلا.. إياك أن تقول ذلك أيها الداعر الغبي.. أنا فقط.." قاطعه الفتى وهو يبعده قليلاً لينظر في وجهه: "بل أنت تبكي حقاً.. انظر إلى عينيك."
سكت أغاروث، ونظر للأرض بأسى، ثم مسح وجهه بكفه وقال بصوتٍ حاول جعله آمراً: "لا يهم. حان وقت الخروج من هنا. لقد فعلت المستحيل من أجل الوصول الى هنا وقد حان وقت العودة للعيش مجدداً."
أمسك أغاروث بيد الفتى ليجره نحو الباب، لكنه صُدم عندما شعر بأن الفتى لا يتحرك. سحب الفتى يده برفق، وتراجع خطوتين للخلف، ونظرة الحزن في عينيه ازدادت عمقاً. "أغاروث.. ماذا تفعل؟ وماذا تقصد بالعودة؟"
بدأ أغاروث يشرح كل ماحدث بنبرةٍ متسارعة، والكلمات تتسابق للخروج من فمه: " الآن فقط دعنا نعود وسوف أكمل لك ماحدث بالكامل."
تنهد الفتى بعمق، ووضع يده على جبهته كأن صداعاً أصابه. "أغاروث.. لماذا؟ لماذا فعلت كل هذه الفظائع بحق الجحيم؟" صمت الفتى لثوانٍ بدت كالأزل، "
ثم قال بجديةٍ قاطعة أوقفت نبضات قلب أغاروث: "أرجوك.. عد من حيث أتيت. لا أريد أن أعيش مرة أخرى. دعني هنا.. أعيش بسلام، دون صليل السيوف، ودون رائحة الدماء التي تلاحقني."
اتسعت عينا أغاروث بصدمةٍ تامة، وتراجع كأن طعنةً أصابته في صدره. "ماذا؟ ماذا تقول؟ لقد فعلت المستحيل لأجلك! كيف تطلب مني الرحيل الآن ؟"
هز الفتى رأسه بأسى: "لقد اكتفيت يا صديقي.. الروح تتعب كما يتعب الجسد. الدماء والقتالات التي لا تنتهي.. لقد أخذت نصيبي منها. كل ما أريده الآن هو الراحة هنا، في هذا الهدوء."
قبض أغاروث بقوة على يده حتى ابيضت مفاصله، ونكس رأسه لتبدأ دموعه بالهطول مجدداً على العشب الأخضر. سأل بصوتٍ مكسور: "إذن لماذا؟ لماذا ضحيت بحياتك في تلك اللحظة؟ لماذا اخترت أن تموت أنت لأعيش أنا؟"
ابتسم الفتى ببطء دافئ، واقترب ليمسح دمعةً سقطت من وجه أغاروث: "لأنك تذكرني بكل ما فقدته.. تذكرني بـ 'ليوين' ذالك الفتى المسكين، وتذكرني بأخي الأكبر الذي لا يمل من القتالات، وبـ 'نيفر'.. "
"الفتى الذي لم يرد شيئاً سوى سعادتنا. في كل مرة نظرت فيها إليك، كنت أراهم فيك. لذا، لست نادماً أبداً. الآن.. اذهب وعش حياتك، واجعل موتي ذا قيمة بكونك حياً، لا بأن تحاول العبث بالقدر."
سقط خطٌ طويل من الدموع على وجه أغاروث وهو يغطي عينيه بكفيه: "أنا أكرهك.. هل تعلم بذالك اكره تلك الأفكار التي تخطر في عقلك اللعين واكره الكلمات التي تخرج من فمك القذر"
ابتسم الفتى مجدداً: "أرأيت؟ أنت تبكي مجدداً."
أجاب أغاروث من خلف كفيه: "وأين الخطأ في ذلك؟ ألا يحق لي البكاء وأنا أفقدك للمرة الثانية الآن؟"
هز الفتى رأسه بأسف وقال: "بلى.. البكاء هو الشيء الوحيد الذي يغسل أرواحنا. لكن حان الوقت للوداع مجددا." استدار الفتى وبدأ يبتعد بخطواتٍ هادئة، جسده بدأ يتلاشى ويذوب في الضوء المحيط بالسهول.
"وداعاً يا أغاروث.. كان لقاؤك الآن ممتع حقا، لكن لكل رحلة نهاية ورحلتي قد انتهت حقا. عد الآن.. وأتمنى أن تعيش بسعادة بعيداً عن الدماء والموت"
بقي أغاروث واقفاً لوحده، يمسح دموعاً لن تجف أبدأ، ثم استدار بقلبٍ فارغٍ إلا من بعض الذكريات، وخرج من الباب ليعود إلى قاعة سيد القدر، تاركاً خلفه الروح الوحيدة التي أحبها في هذا الوجود..
في تلك اللحظة، وسط سكون القاعة الأزلي، حدث شيءٌ لم يكن في حسبان "سيد القدر". الكتاب الذي كان قد وضعه على الطاولة، ذلك المجلد الذي يحمل عنوان (داخل عالم سولو ليفلينغ)، بدأ يشع بضياء أبيض باهر،
طار الكتاب في الهواء، وأخذت صفحاته تتقلب بسرعة جنونية، كأن ريحاً خفية تعبث بمصير من فيه. توقفت الصفحات عند الورقة الأخيرة،
ثم اهتز المجلد بعنف، وبدأت أوراق جديدة بيضاء تنبت من كعب الكتاب وتلتصق به، لتخط عليها كلمات لم تكتب من قبل.
اتسعت عينا سيد القدر بذهول، وتقدم بخطوات حذرة نحو الكتاب الطائر. قلب الصفحات الجديدة ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة وهو يهمس:
"يبدو أن رحلتك لم تنتهي بعد يا كانج مين هو.. السيد قرر أن يفتح فصلاً جديداً لرحلتك."
خرج أغاروث من الباب. كانت مشيته ثقيلة، وأكتافه محطمة، وعيناه المنكسرتان تحكيان قصة الوداع المرير الذي عاشه للتو. نظر إلى سيد القدر، الذي كان لا يزال ممسكاً بالكتاب المتوهج.
رفع سيد القدر رأسه، والتقى نظره بنظر اغاروث المنكسر. قال بنبرة هادئة: "إذن.. لقد فشلت في إقناعه بالعودة."
أخفض أغاروث رأسه، ولم ينطق بكلمة واحدة. كان الصمت في القاعة ثقيلاً كالجبال. بعد برهة، سأل أغاروث بصوت مبحوح: "هل.. هل لا تزال الأمنية موجودة؟ أم أنني أهدرتها في ذلك اللقاء؟"
أغلق سيد القدر الكتاب ببطء وقال: "أمنيتك لا تزال قائمة. لقد منحتك حق الدخول خلف ذلك الباب، لكنك لم تطلب استعادة الروح فعلياً إلى عالم الأحياء. لذالك نعم، يمكنك طلب أي شيء آخر."
رفع أغاروث رأسه قليلاً، وقال بنبرة ملؤها الإرهاق والندم: "أعد كل شيء إلى ما كان عليه.. قبل أن أبدأ برحلتي اللعينة لجمع الشظايا. أعد الأكوان التي دمرتها، والناس الذين قتلتهم، والدمار الذي خلفته في القارة. أريد أن يُمحى كل هذا الخراب."
سكت أغاروث لثانية، ونظر إلى يديه الملطختين بدم من قتلهم من أجل جمع الشظايا ثم أردف بتردد: "وهل.. هل يمكنني طلب شيء آخر مع هذه الأمنية؟"
ضيق سيد القدر عينيه من خلف عباءته، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تحمل مزيجاً من السخرية والاهتمام، وقال بصوتٍ رزين "يا لك من طماع حقاً! لقد طلبت إعادة بناء الوجود، والآن تريد المزيد؟ أخبرني، ماهو الشيء الآخر؟ إذا أعجبني فربما سأفعله، وإن لم يعجبني.. فأنت تعرف الإجابة مسبقاً."
أخذ أغاروث نفساً عميقاً، وصورة الفتى "ماركوس" الذي سلب روحه بدمٍ بارد لا تزال تلاحقه. قال بنبرة صادقة: "ذلك الفتى البشري، ماركوس، الذي كان يملك الشظية الأخيرة.."
"لقد أخبرني أنه لم يعد يملك سبباً واحداً ليبقى في عالمه، وأن حياته كانت سجناً من الفراغ. هل يمكنك إعطاؤه فرصة في عالم مختلف؟"
صمت سيد القدر لبرهة، ورفع يده قليلاً وهو يداعب قلادته الغامضة، مفكراً في توازنات الأرواح والقصص التي لم تُكتب بعد. ثم قال بنبرة هادئة: "لا بأس، سأمنحه بداية جديدة."
فرقع سيد القدر بإصبعيه بقوة هزت أركان المكتبة الأزلية. في تلك اللحظة، انفجر ضياءٌ أبيض غطى كل شيء؛ بدأ الزمن ينطوي على نفسه، والمادة تعيد تشكيل ذراتها.
الأكوان الخمسة التي تحولت إلى غبار و العشرات من الكواكب عادت لتزدهر، والناس الذين سقطوا تحت قوة أغاروث استيقظوا في بيوتهم وكأنهم أفاقوا من كابوسٍ طويل لم يتذكروا منه شيئاً.
وسط هذا الضياء الذي بدأ يبتلع الوجود نفسه، نظر أغاروث إلى يديه؛ لم تعد ملطخة بالدماء، ولم تعد تحمل ثقل الشظايا الخمس. ارتسمت ابتسامة خفيفة ومريرة على وجهه،
ابتسامة رجلٍ خسر كل شيء لكنه استعاد روحه في المقابل ثم خرج من المكتبة العملاقه و تلاشى جسده في الفضاء الشاسع.
لم يعد أغاروث يهتم بأي شيء آخر، اصبح مسافراً في أرجاء الوجود، يختفي بين النجوم ليبحث عن حياته الخاصة، وربما.. للقاء أشخاص آخرين يستحقون اهتمامه،.