فتح **كانج مين-هو** عينيه ببطء، وشعورٌ بالثقل يكبله وكأن جبالاً كانت جاثمة على صدره. لم يكن هناك فضاءٌ ممزق، ولا رائحة تمزق السماء، بل كان هناك سقفٌ أبيض مألوف،
"أين... أنا؟" تمتم بصوتٍ مبحوح، وجلس على سريره بصعوبة.
نظر حوله بذهول؛ الغرفة المرتبة، المكتب الصغير، وصوت ضجيج السيارات البعيد القادم من شوارع سيول. وهو يشعر بضعفٍ طفيف، وكأن روحه قد عادت لتوها من رحلة طويلة عبر الثقوب السوداء.
"مستحيل... هل عدتُ إلى شقتي؟ ألم أمت؟" لمس كتفه الأيمن بيده اليسرى، وتحسس اللحم والجلد السليم. الذراع التي قطعها أغاروث كانت هناك، كاملةً وكأن شيئاً لم يكن.
***طنين!***
انبثقت شاشة نظام زرقاء شفافة أمام عينيه، تتوهج بضوءٍ خافت:**[تم إنجاز المهمة الخاصة:]** **[المكافأة: زيادة مستوى رتبة المضيف إلى -SS.]**
أمسك مين-هو برأسه بينهما يشعر بضغط الذكريات المتضاربة. "مستحيل... ماذا حدث بعد سقوطي؟" تنهد بقوة، وبدأ عقله يحلل الاحتمالات. "هناك خياران؛ إما أن ذلك الفتى (ماركوس) قد فعل شيئاً واستطاع النجاة"
"وهذا شبه مستحيل نظراً لقوته المحدودة آنذاك... أو أن أغاروث، لم يستطع تحقيق أمنيته وأعاد كل شيء لمساره الصحيح."هز رأسه لينفض هذه الأفكار. "لا يهم الآن... المهم أنني هنا."
دخل الحمام، وترك المياه الساخنة تنساب على جسده، محاولاً غسل بقايا الإرهاق من جسده و التي شعر بها في روحه. وسط البخار الكثيف، قبض على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله.
"لقد خسرت حقاً... لم أستطع الفوز أمامه." قال بصوتٍ خفيض يحمل نبرة من الفولاذ. "لكنني لن أهزم مجدداً. مهما حدث، لن أخسر مرة أخرى أمام أي كيان، سواء كان تنيناً أو كيان اخر"
خرج من الحمام، وضع منشفة على شعره، وارتدى ملابسه السوداء الطويلة المعتادة التي تمنحه هيبة الصيادين المحترفين. غادر شقته متوجهاً إلى قلب سيول، حيث كانت الشمس تشرق على مدينة لا تعلم أنها كانت قاب قوسين أو أدنى من المحو الكامل.
بينما كان يتمشى ببطء في أحد الشوارع الجانبية القريبة من منطقة "جينغ-دو"، صادف وجهاً مألوفاً. كانت **جين-آه**، شقيقة سونغ جين-وو،
تسير وفي يدها بعض الكتب. تجمدت الفتاة في مكانها بتفاجؤ، ثم بدأت تلوح بيدها بحماس وعلامات الدهشة واضحة على وجهها.
ابتسم مين-هو بلطف نادراً ما يظهره، ورفع يده لتحيتها: "كيف حالكِ جين-آه؟ هل أنتِ بخير؟"
اقتربت منه وهي تلهث قليلاً: "أجل، أنا بخير! ولكن ماذا عنك؟ لقد اختفيت دون أن تقول أي شيء."
هز مين-هو رأسه وهو يكمل مشيه بجانبها بخطوات هادئة: "أعتذر حقاً، حدث شيء طارئ جداً ولم أستطع إخباركم حينها. المهم أن الأمور استقرت الآن." ثم سأل باهتمام: "أين سونغ جين-وو؟"
خفضت جين-آه رأسها قليلاً: "لقد غادر إلى أمريكا بدعوة من جمعية الصيادين هناك."توقف مين-هو للحظة: "منذ متى؟"
"منذ بضعة أيام." أجابت وهي تنظر إليه بترقب.
أومأ مين-هو برأسه: "لا بأس، سألحق به في الوقت المناسب." توقف عند زاوية الشارع وسألها: "هل تريدين أي شيء قبل أن أذهب؟"
خجلت جين-آه قليلاً، وبدأت تشبك إصبعيها معاً بتوتر طفولي: "كلا... أريد فقط أن تبقى بخير، ولا تختفي هكذا مجدداً."
ابتسم مين-هو ووضع يده على رأسها برفق، في حركة أخوية: "لا تقلقي، سأكون دائماً بخير. اعتذر، لكن يجب أن أذهب الآن، لدي الكثير من الأمور لترتيبها."
ابتعد مين-هو بوقار، بينما بقيت جين-آه واقفة في مكانها، خدودها محمرة من الخجل، وهي تهمس لنفسها بمرارة: "يا إلهي... كان يجب أن أطلب رقمه هذه المرة!"
في طريقه، أخرج مين-هو هاتفه. "أمريكا؟ منذ متى وأنا مختفي عن هذا العالم؟."
بحث في قائمة الأسماء واتصل بـ **تشا هي-إن**. لم تمر سوى رنتين حتى أجابت بصوتها الرزين المعتاد: "أهلاً سيد كانج، كيف حالك؟" ابتسم مين-هو: "أهلاً تشا هي-إن. يجب أن نلتقي فوراً. هل أنتِ في أمريكا مع جين-وو، أم لا تزالين في النقابة؟"
ردت تشا هي-إن: "كلا، بقيت هنا في سيول للإشراف على بعض التجهيزات للنقابة. هل حدث شيء؟" قال مين-هو وهو يلمح مبنى النقابة الشاهق أمامه: "أنا أمام مبنى النقابة الآن. انتظركِ في الداخل. وداعاً."
دخل **مين-هو** إلى الردهة الفخمة لنقابة "أه جين"، حيث كانت الأجواء هادئة نسبياً مقارنة بضجيج الشوارع بالخارج. وجد **تشا هي-إن** في انتظاره بمكتبٍ جانبي مخصص للاجتماعات السريعة.
جلست أمامه بوقارها المعتاد، لكن عينيها كانتا تمسحان ملامحه بدقة، محاولةً اكتشاف سر ذلك التغير الطفيف في هالته.
بدأت تشا هي-إن تسرد له الأحداث بتسلسل دقيق: "في غيابك، حدثت أمورٌ كادت أن تقلب موازين العالم. زنزانة العمالقة في اليابان كانت كارثة محققة،"
" لولا تدخل **سونغ جين-وو**. الذي استطاع تطهيرها بمفرده، محولاً اليابان من حافة الانهيار إلى منطقة آمنة."
أكملت وهي تشبك أصابعها: "بسبب تلك القوة، وُجهت دعوة رسمية للنقابات الكبرى في أمريكا للتحدث حول عدة قضايا أمنية دولية، لكن الأمور تعقدت هناك.."
" لقد وصلتنا أخبارٌ صادمة عن مقتل الصياد **كريستوفر ريد**، أحد أقوى صيادي الرتبة الوطنية. و العالم الآن في حالة استنفار."
هز مين-هو رأسه ببطء، وعقله يربط الخيوط ببعضها. ' كريستوفر ريد... إذن الملوك بدؤوا يتحركون فعلاً.'
قال بهدوء: "فهمتُ الآن.. شكراً لكِ يا تشا هي على هذه المعلومات." وقف من مكانه، و عدل معطفه الأسود الطويل، وتابع بصوتٍ حازم: "سأذهب الآن للقاء جين-وو في أمريكا."
بقيت تشا هي-إن جالسة في مكانها، تراقبه وهو يبتعد بخطواتٍ واثقة لا تتردد. شعرت بقشعريرة طفيفة تسري في جسدها، وفكرت في نفسها: 'هذا الرجل... لقد غاب لفترة قصيرة، لكنه عاد و قد أصبح أقوى بكثير من ذي قبل..'
بمجرد خروجه من مبنى النقابة، اختفى مين-هو من مكانه في رمشة عين، مستخدماً مهارة إزاحة الظل ليظهر وسط زحام سيول الصاخب، بعيداً عن أعين الرقباء. في تلك اللحظة، اهتز هاتفه في جيبه؛ كان المتصل هو **المفتش هان** من جمعية الصيادين الكورية.
أجاب مين-هو، ليرد المفتش بنبرة شبه مستعجلة: "سيد كانج! أخيراً استطعنا الوصول إليك. لقد علمنا بظهورك المفاجئ في النقابة."
قاطعه مين-هو بنبرة لا تقبل الجدال: "مفتش هان، لا وقت للمقدمات. جهز لي طائرة خاصة للذهاب إلى أمريكا الآن. لا أريد أي تأخير أو إجراءات روتينية مملة."
صمت المفتش هان لثانية: "فهمت. الطائرة ستكون جاهزة في مطار إنتشون خلال ساعة واحدة. سأنهي كافة التصاريح الدبلوماسية فوراً."
وصل **مين-هو** إلى المهبط المخصص حيث كانت الطائرة الخاصة تنتظره ومحركاتها تصدر هديراً خافتاً. في الأسفل، كان المفتش هان يقف بجانب **رئيس الجمعية غو غون-هي الذي كان يقف بوقار.
ما إن وقع نظر الرئيس على مين-هو حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة رغم ملامحه المتعبة: "لقد عدت أخيراً يا مين-هو.. العالم أصبح مكاناً صاخباً في غيابك."
هز مين-هو رأسه ببرود، ولم يعطِ بالاً للمراسم أو الكلمات المنمقة، وقال بنبرة مقتضبة: "سأذهب الآن أيها العجوز.. اعتنِ بالأمور هنا حتى أعود."
هز الرئيس رأسه بتفهم، مدركاً أن مين-هو ليس من النوع الذي يضيع وقته في الوداع. صعد مين-هو سلم الطائرة الفخمة، وما هي إلا دقائق حتى كانت الطائرة تخترق السحب متجهة نحو الغرب.
بعد ساعات طويلة من الطيران فوق المحيط الأطلسي، بدأ ليل أمريكا يسدل ستاره الأسود. وبينما كانت الطائرة تستعد للهبوط التدريجي في مطار "جون كينيدي"، وقف مين-هو فجأة في وسط المقصورة.
أغمض عينيه للحظة، فاستشعر تموجات طاقة هائلة تصطدم بالغلاف الجوي للمدينة، طاقة مألوفة جداً.. طاقة **سونغ جين-وو** وهي تصطدم بمانا شخص آخر.
سار مين-هو نحو باب الطائرة، وببرودٍ جليدي، وضع يده على المقبض. التفت إليه مضيف الطائرة والطيار بصدمة، وصرخ عبر الجهاز اللاسلكي: "سيد مين-هو! ماذا تفعل؟ نحن لا نزال على ارتفاع شاهق! هذا خطير جداً!"
لم يلتفت مين-هو إليهم، بل فتح الباب لتندفع الرياح العاتية إلى داخل المقصورة. نظر إلى الأضواء البعيدة لمدينة نيويورك، ثم ألقى بجسده في الفراغ، تاركاً خلفه طاقم الطائرة في حالة من الذعر والذهول.
في الأسفل، كانت الأرض تهتز تحت وطأة قتال عنيف. **هوانغ دونغ-سو**، الصياد من الرتبة S، كان قد فقد صوابه تماماً وهو يحاول مواجهة سونغ جين
الغبار يملأ المكان، وأصداء الضربات تحطم الجدران الخرسانية للمستودعات المهجورة.
وفي اللحظة التي كان فيها جين-وو يستعد لتوجيه ضربة حاسمة لإنهاء هذا الهراء، انشق سحب الدخان في الأعلى.
سقط مين-هو من السماء كأنه نيزك أسود، ثم هبط بخفة مذهلة وسط ساحة القتال، تماماً بالقرب من جين-وو وهوانغ الملقى على الأرض.
توقف سونغ جين-وو عن الحركة، وتراجعت ظلاله قليلاً وهو ينظر بذهول إلى الشخص الذي ظهر أمامه فجأة. أما هوانغ دونغ-سو، فقد تجمدت أنفاسه وهو يشعر بضغطٍ مرعب ينبعث من هذا الوافد الجديد، ضغطٍ جعله يشعر أن جين-وو لم يكن الكابوس الوحيد الليلة.
نفض مين-هو الغبار عن معطفه الطويل بكل برود، ثم رفع عينيه الحادتين لينظر إلى جين-وو، وقال بصوتٍ هادئ اخترق سكون المكان:
"اعتذر لقد تأخرت قليلاً يا جين-وو.. يبدو أنك كنت تستمتع بوقتك مع هذا الحثالة."
نظر سونغ جين-وو إلى مين-هو بنظرة جانبية باردة، ورغم مفاجأة الظهور، إلا أن تركيزه عاد سريعاً نحو فريسته المحطمة تحت قدميه. قال بصوتٍ يحمل رنين الموت: "أهلاً بك يا مين-هو.. انتظر قليلاً، دعني أنتهي من هذا الحثالة وسوف نتحدث لاحقاً."
هز مين-هو رأسه بالموافقة وهو يتراجع خطوة للخلف، مشاهداً بصمت سونغ جين-وو يسدد ضربات مرعبة ومحطمة لوجه **هوانغ دونغ-سو**،
ثم اهتزت أركان المستودع المهجور، وانفجر ضغطٌ مانا هائل من الخلف، ضغطٍ لم يكن ينتمي لصياد عادي، بل لكيان يتربع على قمة الهرم البشري. ظهر من خلف الغبار **توماس أندري**، "النمر" وصياد الرتبة الوطنية، بجسده الضخم وهالته التي توحي بالسيادة المطلقة.
نزع توماس نظارته الشمسية ببطء، ونظر إلى الفوضى أمامه، ثم قال بصوتٍ قوي تردد صداه في المكان: "يبدو أنني تأخرت قليلاً.." ثم وجه نظره مباشرة نحو سونغ جين-وو وأكمل
"الصياد سونغ.. هل يمكنك أن تتوقف هنا وتسلمني الصياد هوانغ؟ دعنا ننسى كل ما حدث الليلة، ولا داعي لتصعيد الأمور أكثر."
لم ينطق سونغ جين-وو بكلمة، لكن هالته البنفسجية اشتعلت كالنيران، وعيناه اللتان تشعان بنية قتل محضة كانتا كفيلتين بالرد، لن يترك فريسته حية.
في هذه اللحظة، تحرك مين-هو ببطء، واضعاً يديه في جيوب معطفه الأسود، ووقف كحائط سد بين توماس أندري وسونغ جين-وو. أشار بإصبعه باستهزاء نحو الخلف،
حيث كان جين-وو يكمل عمله، وقال بنبرة باردة: "صديقي يستمتع بوقته الآن.. وأنا أكره بشدة من يحاول إفساد متعة اصدقائي."
تغيرت ملامح توماس أندري، وضاقت عيناه وهو يتفحص هذا الوافد الجديد الذي يجرؤ على الوقوف في وجهه. "ومن أنت؟" صمت توماس للحظة وهو يحلل المانا الغريبة التي تنبعث من مين-هو،
ثم أكمل: "هل أنت الصياد مين-هو؟ لا يهم من تكون.. إن لم تسلموا الصياد هوانغ الآن، فسوف آخذه بالقوة."
ارتسمت على وجه مين-هو ابتسامة مجنونة، واتسعت حدقتا عينيه ببريق قتالي متعطش: "تعال إذن.. دعني أستمتع بك أنا أيضاً. "
انفجر الغضب في وجه توماس أندري، وانطلقت الهالة الخاصة به من جسده كإعصار مدمر، تضغط على جزيئات الهواء المحيطة بمين-هو، محاولة سحقه تحت وطأة ثقلها المرعب.
لكن مين-هو ظل واقفاً في مكانه، ثابتاً كالجبل، لم تهتز شعرة واحدة من جسده، وظلت نظراته الحادة تخترق هالة توماس وكأنها لا شيء..
"إذن.. لقد اخترت الموت." قال توماس وهو يشد قبضته الضخمة.
رد مين-هو بضحكة خفيفة: "لنرى من منا سيموت أولا يا كتلة العضلات."