وقف سونغ إيل-هوان شامخاً، وعيناه لا تبارحان جسد ابنه المتجمد، ذلك الجسد الذي اخترقته أنصال الملوك ومخالبهم. تنهد بعمق، تنهيدة حملت ثقل سنوات الغربة والعذاب
وهمس بصوتٍ خافت سمعه مين-هو وحده: "لقد بدأ الأمر أخيراً.. الاستيقاظ الحقيقي لا يأتي إلا بعد الموت."
خطا مين-هو خطوات وثيقة نحو الأمام، وتوقف بجانب إيل-هوان، ثم وضع يده بهدوء على كتف الرجل الذي كان يهاجمه قبل لحظات.
قال بنبرة جادة تخلو من العدائية: "لقد انتهت مهمتك كحارسٍ الآن. دعني أتكفل بالأمر من هنا."
استدار مين-هو ببطء، وعيناه المانجيكيو تتوهجان بضوءٍ قرمزي خبيث، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة وهو يتقدم نحو الملوك الثلاثة الذين كانوا يغرقون في ضحكات هستيرية ظناً منهم أن النصر قد حُسم.
أضاف مين-هو مخاطباً إيل-هوان دون أن يلتفت إليه: "ولا تذهب إلى أي مكان.. أظن أن جين-وو يستحق بعض التفسير منك حين يفتح عينيه."
خفض إيل-هوان رأسه بحزن، وقبض على خنجره بقوة قائلاً: "أجل.. لديك حق ولكن هل استطيع فعل ذالك حقا." ثم تحرك ليقف بظهر مين-هو، مستعداً لخوض المعركة الأخيرة كحليف هذه المرة.
اهتزت الأرض تحت أقدام الجميع. بدأت هالة سوداء مطلقة، تفوق في كثافتها كل ما أظهره جين-وو سابقاً، تتسرب من شقوق القالب الثلجي. لم تكن مانا عادية، بل كانت صرخة من أعماق الهاوية.
توقف ضجيج الملوك فوراً. تراجعت ملكة الحشرات خطوة للخلف، بينما بدأ ملك الصقيع يرتجف ووجهه شاحب كالثلج الذي يحكمه، وتمتم برعب: "مستحيل.. هذا الضغط.. ملك الظلال الحقيقي.. سوف يستيقظ!"
جن جنون ملك الوحوش وهو يشعر بالرعب من فكرة استيقاظ ملك الظلال الحقيقي؛ لم يحتمل فكرة أن تضيع تضحياتهم سدى. زأر بكل قوته وانطلق كالقذيفة،
مخالبه مشحونة بكل طاقته لتمزيق قالب الثلج وتحطيم جسد جين-وو إلى أشلاء قبل أن يكتمل التحول.
ولكن، في جزء من الثانية، انبعج الفراغ أمام القالب. ظهر مين-هو من خلال "الكاموي" معترضاً طريق الملك. وبحركة خاطفة لم تدركها العين، أمسك بذراع ملك الوحوش المندفعة،
وبتركيزٍ هائل وهو يحول الخنجر إلى كتلة من الظلام تسبب في تمزيق الذراع من المنتصف وكأنها غصن جاف. وبيدِهِ الأخرى، غرس كفه في صدر الملك وأطلق دفعة من طاقة الظلام الخام، أرسلت ملك الوحوش طائراً في الهواء وهو يتقيأ دماءً زرقاء داكنة.
وقف مين-هو أمام جسد جين-وو المتجمد كحارسٍ لا يُقهر. استل خنجره "غسق الظل" وبطرف النصل، ضرب القالب الثلجي ضربة خفيفة، أحدثت رنيناً معدنياً انتشر في أرجاء الساحة الصامتة.
قال بصوتٍ خافت، لكنه حمل وعيداً أفزع القلوب: "من الآن فصاعداً.. لن يلمس أحدكم هذا الجسد."
استشاط ملك الصقيع غضباً، وصرخ بصوتٍ مزق هدوء الليل: "أيها البشري القذر! سأدفنك في جليدي الآن!" لوح بيده، فتحولت المساحة المحيطة إلى بقعة من الصقيع المطلق، ورفع رمحه الجليدي العظيم لينطلق نحو مين-هو.
لكن قبل أن يصل، اعترضه سونغ إيل-هوان. وبسرعة البرق، صد الهجوم بخنجره، ثم انهال على ملك الصقيع بعشرات الطعنات والضربات المتتالية التي كانت تخرج كشرارات بيضاء، مما أجبر الملك على التراجع وهو يدافع بيأس.
في تلك الأثناء، رفعت ملكة الحشرات يديها القبيحتين، واستدعت عشرات الأيادي الضخمة ذات اللون الأخضر السام، لتنطلق نحو جين-وو وإيل-هوان. ركز مين-هو نظره عليها، ودارت عينه المانجيكيو بحدة: "الكاموي!"
انكمش الواقع حول عنق ملكة الحشرات في نقطة واحدة. لم تملك حتى الوقت للصراخ لأنها لم تتوقع هذه الهجوم أبدأ؛ ثم تمزق رأسها بالكامل وانفصل عن جسدها،
بدأ جسدها يتبخر ويتلاشى في العدم تحت نظرات الملوك المصدومة. لقد سقطت الملكة بلمحة عين من هذه البشري الغريب.
"كواااااارا!" صرخ ملك الوحوش بجنون وهو يخرج من الركام. وبقدرة تجدد إعجازية، عادت ذراعه إلى مكانها، وانطلق من جديد نحو مين-هو بعيون يملؤها الحقد والغضب،
بينما بدأت التصدعات في القالب الثلجي خلف مين-هو تتسع، معلنةً أن الثواني الأخيرة لتحطم الجليد قد بدأت.
اندفع ملك الوحوش كالإعصار، يزأر بصوتٍ هزَّ أركان "سيول"، محاولاً تمزيق مين-هو الذي وقف حائلاً بينه وبين جسد جين-وو. لكن مين-هو لم يتحرك سوى بضعة سنتيمترات؛
تلاعب بالوحش وكأنه يروض جرواً هائجاً. في كل مرة ينقض فيها الملك بمخالبه، كان مين-هو يختفي بمهارة "إزاحة الظل" ليظهر خلفه ويسدد لكمةً خاطفة في جسده، ثم ركلةً في فكه، متبعاً أسلوباً مهيناً يجعل ملك الوحوش يرتطم بالأرض مراراً وتكراراً.
على الجانب الآخر، كان سونغ إيل-هوان يقاتل ملك الصقيع بضراوة. كانت الخناجر والأنصال الجليدية تتصادم في سيمفونية من الشرر والصقيع، ولم يتراجع والد جين-وو شبراً واحداً، بل كان يضغط على الملك بكل ذرة مانا منحها له الحكام.
وفجأة، دوى صوتُ انكسارٍ عظيم. القالب الثلجي المحيط بجين-وو لم يعد يحتمل.
تشققت الجدران الكريستالية، وانبعثت منها خطوطٌ أرجوانية متوهجة. ومن قلب الثليج المحيط بساحة القتال، انفجر بيرو صارخاً بصوتٍ يثقب الطبلة،
ممزقاً الجليد الذي كان يقيده، وتبعه إيغريس وبقية جنود الظل الذين استعادوا قوتهم، بل وتضاعفت بشكلٍ مرعب.
شعر ملك الوحوش برعشة باردة تسري في عموده الفقري. نظر إلى آلاف الظلال التي بدأت تزحف من الأرض كجيشٍ من الجحيم، والتفت ليجد ملك الصقيع في حالة ذهول.
لم يتردد الوحش؛ فتح بوابة أبعاد خلفه بسرعة وقال بصوتٍ مرتجف: "أنا أنسحب الآن يا ملك الصقيع إن لم ترد الموت فاهرب انت ايضا"
"أيها الخائن الجبان!" صرخ ملك الصقيع بجنون وهو يشاهد ملك الوحوش يهرب وذيله بين أرجله.
ابتسم مين-هو بسخرية وهو يرى الوحش يحاول القفز داخل البوابة: "إلى أين أيها الجرو؟ الحفلة بدأت للتو!"
لوّح مين-هو بيده، فانطلقت "سلاسل الظلام" من العدم، عشرات السلاسل السوداء التي التفّت حول رقبة وأرجل ملك الوحوش، وجرّته للخلف وهو يصرخ برعبٍ حقيقي كحيوانٍ وقع في فخ.
فتح إيغريس الطريق، وتراجع الجنود ليسمحوا بخروج ملكهم. خرج سونغ جين-وو من حطام الجليد، يحيط به هواءٌ بارد ومانا بنفسجية داكنة غطت السماء. ساد صمتٌ مطبق، وانحنى آلاف الجنود، ركعوا جميعاً في مشهدٍ مهيب دون أن يجرؤ أحد على رفع راسه.
تقدم إيغريس، وبصوته العميق المليء بالخضوع، قال: "هذا الخادم.. يحيي جلالتك."
هز جين-وو رأسه بوقار، وعيناه تمسحان الساحة. رأى الرعب في عيون ملك الصقيع، وشاهد ملك الوحوش المقيد بالسلاسل. لكن عينه كانت تبحث عن شخصٍ واحد.. والده. لكن المكان كان خالياً لقد اختفى إيل-هوان مجدداً كأنه لم يكن موجود أبدأ.
تحول نظر جين-وو إلى مين-هو، ليرى الأخير وقد انفجر بابتسامة غريبة. قال سونغ جين وو بصوتٍ مازح تردد صداه في الساحة المحطمة: "كما تعلم يا مين هو.. أنا الآن 'ملك'.. ألا يجب عليك الركوع بما انك أحد رفاقي؟"
وضع مين-هو يده على فمه وهو ينفجر بضحك هستيري ساخر، محطماً كل ذرة توتر في المكان: "نعم، نعم.. ملك مؤخرتي! ما هذا الدخول يا رجل؟ هل كنت تتدرب على هذه الوقفة الدرامية وأنت متجمد؟ انظر إلى وجوه هذه الظلال، إنهم يبدون وكأنهم في فلم الممالك"
تصلب بيرو وإيغريس من الغضب، واشتعلت أعينهما برغبة في تمزيق هذا البشري المتطاول، لكن بمجرد أن ألقى مين-هو نظرة خاطفة بأعين الشارينغان نحو بيرو،
بدأ الأخير يرتجف بوضوح، وانخفض رأسه تلقائياً متذكراً الضربات التي نالها في آخر قتال بينهم.
ابتسم جين-وو بحرج، وتلاشت هيبة "ملك الظلال" تدريجياً وهو يحك مؤخرة رأسه: "حسناً.. كنت أظن أنه سيكون دخولاً رائعاً ومخيفاً.. أليس كذلك؟"
هز مين-هو رأسه بسخرية وهو يمسح دموع الضحك: "أجل، أجل.. رائع جداً 'جلالتك'. ههههههه! يا لك من طفل صغير يحب التباهي"
خفض جين-وو رأسه بخجل شديد، وهو يفكر بحنق: ' لماذا فعلت ذلك بحق الجحيم؟'
تقدم سونغ جين-وو بخطواتٍ ثقيلة نحو ملك الوحوش المقيد، كانت كل خطوة يخطوها تجعل الأرض تئن تحت وطأة هيبته الجديدة. نظر مين-هو إلى المشهد بملل، ثم فرقع بإصبعه؛
فتلاشت سلاسل الظلام فجأة. انهار ملك الوحوش على الأرض وهو يرتجف ثم بشكل غير متوقع جعل حتى ملك الصقيع يفتح فمه برعب.
سجد ملك الوحوش بجسده الضخم بالكامل، ممرغاً أنفه في التراب، وارتجف صوته المتهدج وهو يحاول النطق: "أنا ملـ..."
قبل أن يكمل الحرف الأخير، ارتفعت قدم جين-وو بهدوء واستقرت فوق رأس الوحش. لم يكن هناك صراخ، لم تكن هناك محاولة أخيرة للهجوم.
بل ضغط جين-وو بقوة ساحقة، فانفجر الرأس كبطيخة يابسة تحت قدم رجل بالغ، وتطايرت الأشلاء والدم في كل اتجاه.
في تلك الأثناء، حاول ملك الصقيع انتهاز فرصة تشتت الجميع ليهرب من المكان، لكن ظلاً عملاقاً سد الأفق أمامه. كان إيغريس، فارس الموت، الذي ظهر امامه كالصاعقة. رفع إيغريس سيفه الضخم عالياً،
وبحركة قوية انقض على الملك. تفاجأ ملك الصقيع من قوة الهجوم وسرعته، فرفع رمحه الجليدي ليصد الهجمة، لكن إيغريس ضغط بكل ثقله، مجبراً الملك على الركوع قسراً وهو يصرخ: "اركع أمام الملك!"
استشاط ملك الصقيع غضباً، وفجر كتل الجليد حوله في انفجار واسع النطاق حتى أجبر إيغريس على التراجع. فتح الملك فمه ليستنشق الهواء ويطلق "نفس الصقيع الأبدي" الذي قد يجمد المدينة بأكملها، لكن.. في غمضة عين، كان جين-وو قد وصل.
أمسك فك الملك بيده العارية وأغلقه بقوةٍ جعلت العظام تتفتت. ثم، بدم بارد، استل خنجره وبدأ بقطع الذراعين، ثم الأذنين الطويلتين،
ثم العينين اللتين كانتا تنظران إليه برعبٍ مدفون، وأخيراً، شطره طولياً إلى نصفين. تلاشى الملك إلى ذراتٍ من المانا الباردة، تاركاً الساحة في صمت بينما كان الصيادين من بعيد يشاهدون كل شيء برعب .
تنفس جين-وو الصعداء، وأغلق عينيه للحظة مستشعرًا طاقة العالم من حوله، ثم فتحهما بحدة وتقدم نحو زقاق مهجور ومعتم في نهاية الشارع. تبعه مين-هو ببطء ثم توقف كلاهما.
في نهاية الزقاق، كان سونغ إيل-هوان يجلس بجانب صندوق خشبي قديم، ظهره مستند إلى جدارٍ متسخ، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ عقود ليختفي من العالم وهو يبتسم.
اقترب جين-وو ببطء، وتوقفت أنفاسه لثوانٍ قبل أن ينطق بصوتٍ متهدج: "هل كنت تظن.. أني لن أجدك.. يا أبي؟"
صمت إيل-هوان، وبدت عليه ملامح الهزيمة والتعب، ملامح أبٍ أثقله سرُّ العالم وحمله.
في تلك اللحظة، شعر مين-هو أن وجوده هنا "إضافة لا داعي لها" لخصوصية هذه اللحظة. تراجع بهدوء، بخطواتٍ لم تصدر صوتاً، وخرج من الزقاق تماماً. ابتعد عن المكان مسافة كافية ليضمن عدم سماع أي كلمة بينهما.
قفز بمهارة على سطح أحد الجدران البعيدة، وجلس واضعاً ذراعيه خلف رأسه، محدقاً في السماء الصافية التي بدأت تلمع فيها النجوم فوق حطام سيول.
أغمض مين-هو عينيه، وترك الأب وابنه يواجهان الحقيقة التي كانت تجمعهما وتفرقهما في آن واحد. لم يقاطع، لم يتدخل، بل ظل هناك، حارساً وحيداً في الظلام،
بينما كانت الرياحُ الهادئة تحملُ في طياتها بكاء مكتوماً ينبعثُ من عُتمة الزقاق؛ صدىً لرحلةٍ طالت مسافاتها، بدأت بضياعٍ مُرّ وانتهت بلقاءٍ أخير.. لقاءٌ جمع بين أبٍ لم يكن يرجو من الدنيا سوى أمان عائلته،
وبين طفلٍ سُرقت منه براءة سنينه، ليجد نفسه حاملاً ثقل رجال بالغين فوق كاهليه، في عمرٍ كان من المفترض أن تملأ ضحكاتهُ الأرجاء، لا أن يواجه أهوال العوالم وحده.