62 - كشف الحقائق بين الصديقين

في قلب الفراغ الأزلي، وقف سونغ جين-وو بجسده الصغير الذي استعاد براءة سنين المراهقة، وإلى جانبه كان مين-هو، الفتى ذو الستة عشر ربيعاً، بشعره الأسود القصير وملامحه التي تمزج بين الوسامة والغموض الهادئ.

لم تكن هذه هي الأرض التي يعرفانها، بل كان ذلك البعد الفاصل، حيث تجمعت حشود الوحوش التي كانت يوماً تهديداً لهذا الكوكب.

نظر مين-هو إلى الأفق المظلم وقال ببرود: "جيد. الآن، لننهِ هذا العبث ونقضِ عليهم جميعاً."

أومأ جين-وو، وانطلقت الرقصة الدموية. في لحظات، تحولت مناطق الغيلان والأورك إلى ساحات من الجثث. استدعى جين-وو ظلاله، تلك الجيوش التي كانت في الماضي أسطورة، لتلتهم ما تبقى من الوحوش وتحولهم إلى عبيد له،

بينما استدعى مين-هو السوسانو المظلم، ذلك العملاق الذي مزق العمالقة القريبة عليهم بضربة سيف واحدة. انتقلا من منطقة إلى أخرى، من عالمٍ إلى عالم،

يلاحقان الملوك في مخابئهم البعيدة. قتلوا ملك الصقيع، وسحقوا ملك الوحوش، حتى أصبحت ساحة العدم خاوية إلا من صدى أنفاسهم وتقطر دماء من خناجرهم.

في أقصى ركنٍ من أركان الفراغ، كان أنتاريس، ملك التنانين، جالساً على عرشه العظمي، محاطاً بجيشه الذي لا يُقهر. ضحك بسخرية وهو ينظر إلى بوابات العدم: "من كان يتوقع؟ أنهم سوف يستخدموا كأس التناسخ ليطاردوننا في جحيمنا الخاص.. يا لها من مثابرة."

نهض أنتاريس من عرشه، لتدور أمامه كتلة من الظلام الدامس. ومن وسط ذلك الظلام، انبثق جين-وو ومين-هو ليبدأ القتال الأخير بينهم والنهائي.

مرت سبعة وعشرون عاماً من القتال المتواصل في ذلك العدم، سنواتٌ صقلت قواهم وجعلتهم كائنات تتجاوز مفهوم الملوك والحكام. لكنهما في النهاية، أنهيا المهمة التي جائو من أجلها وقد قتلو جميع الوحوش بأنواعها وجميع الملوك بأشكالهم.

وسط مدينة كوريا، وتحديداً في يومٍ مشمسٍ هادئ، انشقت بوابة عملاقة في السماء. شاهدها تجمع كبير من البشر ثم التقط الناس الصور بهواتفهم بدهشة،

لكن أحداً لم يرَ الخيالين اللذين خرجا منها واختفيا في الزحام. كان جين-وو ومين-هو يسيران خلف الناس، يشاهدون حياةً لا تعرف معنى الخوف.

ثم اعترض طريقهما رجلٌ يرتدي بدلة رسمية أنيقة، يحمل باقة من الورود. انحنى الرجل وقال: "تحياتي لملك الظلال، وتجسيد الظلام. أنا رسولٌ من الحكام."

أخذ جين-وو الباقة بهدوء: "رسولٌ من الحكام، إذن؟"

في المقابل، لم يكترث مين-هو للرسميات. تقدم نحو الرسول، معدته تزأر من الجوع، وقال: "اسمع، أنا جائع. طوال سبعة وعشرين عاماً في ذلك الجحيم لم نتناول طعاماً لائقاً. خذنا إلى مطعمٍ يقدم طعاماً شهياً، وبسرعة!"

تصبب العرق البارد من جبين الرسول، وقال بتوتر: "حـ.. حاضر سيدي تجسيد الظلام."

جلسوا في احد المطاعم الفاخره. كان جين-وو يتناول المثلجات بأكواب عملاقة، بينما كان مين-هو يلتهم شرائح اللحم بشراهة. بينما يجلس أمامهم الرسول متوتراً وهو يراقبهم، حتى قال جين-وو بجدية: "ماذا لديك لتقوله إذن؟ تكلم."

ابتلع الرسول ريقه بصعوبة: "إنه بشأن قوتكم.. إنها هائلة، وتُحدث خللاً في توازن العالم. الحكام قلقون."

شرب مين-هو رشفة من شرابه وقال: "إذن؟ ماذا تريدون؟" خفض الرسول رأسه: "نريد نقلكم إلى عالمٍ آخر، مختلف عن هذا العالم الضعيف الذي لا يتحمل وجودكم."

لم يتردد جين-وو؛ رفع شوكة المثلجات نحو الرسول وقال ببرود: "اذهب لأولئك الحكام، وقل لهم أن طلبهم مرفوض."

ارتجف الرسول من الطاقة التي انبثقت من جين-وو، وانحنى سريعاً محاولاً الهروب، لكن مين-هو ناداه من الخلف: "أيها اللعين! ستدفع الحساب قبل أن تذهب!"

توقف الرسول متجمداً، وحك رأسه بتوتر: "آه.. أعتذر سيدي، بالطبع سأفعل ذلك."

تنهد جين-وو ونظر إلى مين-هو وقال: "لماذا لا تدفع أنت النقود؟"

استند مين-هو إلى كرسيه، ممسكاً بمعدته التي انتفخت بشكل كبير بسبب الطعام، وقال ببراءة مصطنعة: "ألا ترى؟ أنا مجرد طفلٍ صغير، من أين لي المال؟ أليس من المفترض أن يدفع الأشخاص البالغين طعام اطفال مثلنا "

هز سونغ جين-وو رأسه بيأس من منطق مين-هو الملتوي، ثم قرر تجاهله وأخذ قضمة كبيرة من المثلجات الباردة التي كانت تخفف من حرارة جو المعارك التي خاضها لسنوات.

لكن، وفي لمح البصر، امتدت يد مين-هو كالأفعى لتخطف علبة المثلجات من أمامه مباشرة.

توقف جين-وو عن المضغ، ونظر إلى يده الفارغة ثم إلى مين-هو الذي كان يبدو مستمتعاً باستفزازه. قال جين-وو بنبرة تحذيرية وعيناه تشتعلان بوميض أرجواني: "أعدها.. الآن."

ابتسم مين-هو باستخفاف وهو يرفع العلبة عالياً: "كلا، اعتبرها ضريبة الحماية التي قدمتها لك ضد ملك التنانين."

لم ينتظر جين-وو ثانية إضافية؛ اندفع بجسده بسرعة البرق مادا يده لاستعادة علبته. في تلك اللحظة، انقبضت حدقتا مين-هو لتظهرا الشارينغان ذات التوموي الثلاثية،

والتي بدأت تشع بلون أحمر لتمكنه من رؤية مسار يد جين-وو قبل وصولها. مال مين-هو برأسه سنتيمترات قليلة، ليمر كف جين-وو بجانب أذنه محدثاً تياراً هوائياً حطم الزجاج خلفه.

لم يتوقف جين-وو، بل تصاعدت من جسده هالة أرجوانية مرعبة، وبدأ يوجه سلسلة من الخطفات المتتالية بسرعة لا تستطيع العين البشرية إدراكها. وفي المقابل، كان جسد مين-هو يشع بهالة مظلمة،

وكان يتجنب كل ضربة بصعوبة بالغة؛ فتارة ينحني وتارة يقفز فوق الطاولة، محطمين في طريقهما الصحون والكراسي وكأنها مصنوعة من الورق.

تحول المطعم الهادئ إلى ساحة قتال مصغرة. الناس من حولهم تجمدوا في أماكنهم، صرخات الرعب تعالت وهم يشاهدون طفلين يتحركان كالأشباح، تاركين خلفهم حطاماً وانفجارات هوائية من كل جانب.

صاح جين-وو وهو ينطلق كالقذيفة نحو مين-هو، وعيناه تشعان باللون الأرجواني الكامل: "قلت لك أعدها!"

رد مين-هو وهو يقفز إلى الخلف برشاقة فوق حطام طاولة الاستقبال، والابتسامة لا تفارق وجهه: "بالطبع لا.. أيها الطفل الأناني! تعلم كيف تشارك طعامك!"

وفي اللحظة التي كان فيها الاثنان على وشك الاصطدام وتدمير المبنى بالكامل، انشق الفراغ بينهما فجأة. ظهر رسول الحكام في المركز تماماً، باسطاً يديه ليجبرهما على التوقف بقوة المانا الخاصة به.

كان وجهه شاحباً كالأموات، والدموع تكاد تفر من عينيه وهو يحرك رأسه بتوتر يميناً ويساراً.

"أعتذر.. أتوسل إليكما.. انظرا حولكما فقط!" قال الرسول بصوت مرتجف.

توقف جين-وو ومين-هو فجأة، ونظرا حولهما. كان المطعم عبارة عن ساحة خردة؛ الجدران متصدعة، الزبائن يرتجفون في الزوايا وهم يصرخون: "مستحيل.. من هؤلاء؟ هل هم بشر؟ إنهم يملكون قوة خارقة!"

ساد صمت محرج لثوانٍ. نظر جين-وو إلى مين-هو، ونظر مين-هو إلى جين-وو، وكلاهما أدرك أنهما تصرفا بطفولية لم تليق بمقامهما. شعر كلاهما بتوتر شديد من نظرات الناس والكاميرات التي بدأت تصورهما.

[المؤلف: أطفال 🙃🙃]

وبدون قول كلمة واحدة، تلاشت الهالات فجأة، واختفى الاثنان من مكانهما كأنهما تبخرا في الهواء، تاركين الرسول المسكين واقفاً وحده وسط الخراب،

يحدق في الفواتير المحطمة والناس المذعورين، وهو يهمس بيأس: "لماذا أنا من يحل هذه الفوضى؟"

---

مشى الصديقان جنباً إلى جنب في أحد شوارع سيول الهادئة، حيث كانت شمس الغروب تلقي بظلالها الدافئة على الأرصفة. كانت علبة المثلجات لا تزال في يد مين-هو، يتناوبان على تناولها بهدوء دون الاهتمام بالعاصفة التي أحدثاها في المطعم.

كسر مين-هو الصمت، وقال بنبرة لم يعهدها جين-وو من قبل: "سونغ جين.. لقد وعدتك سابقاً بأنني سأخبرك ببعض الأشياء عني.. وعن حقيقتي."

توقف جين-وو عن المشي لثانية، ونظر إلى صديقه بجدية: "هل حان الوقت أخيراً؟"

أومأ مين-هو برأسه وهو يحدق في الأفق: "أجل. اسمعني جيداً يا صديقي.. أنا لست من هذا العالم. أنا شخص من عالم وخط زمني مختلف تماماً، عالم عادي وبسيط يشبه هذا العالم الذي صنعناه الآن بعد عودتنا بالزمن."

اتسعت عينا جين-وو، وظلت ملعقة المثلجات في فمه لتبقى معلقة لثوانٍ قبل أن يستوعب الكلمات بشكل صحيح. أكمل مين-هو كلامه بمرارة:

"لقد مت في ذلك العالم، وبدلاً من البقاء بالنعيم أو الجحيم، التقيت بكيان يطلق على نفسه اسم 'سيد القدر'. هو السبب في نقلي إلى هنا، وهو من منحني هذه الحياة."

هز جين-وو رأسه محاولاً استجماع شتات أفكاره، ثم سأل بذكائه المعهود: "إذن.. لماذا أرى شرارة غضب لا تنطفئ في عينيك؟"

ابتسم مين-هو ابتسامة باهتة: "لأنني بالنسبة لهذا الكيان مجرد أداة للمتعة، مجرد بيدق وجد ليمتعه في رقعة شطرنج كونية، تمهيداً للتخلص مني في أي وقت. "

"هل تذكر المرة الأخيرة التي تناولت فيها العشاء في منزلك، ثم أخبرتك بحدة أن لدي مهمة يجب إنجازها؟"

رد جين-وو: "أجل، كنت غاضباً جداً وقتها لدرجة أن هالتك كادت تحطم جدران المنزل."

قال مين-هو وهو يشد على قبضة يده: "لقد هددني في ذلك الوقت.. أخبرني أنه سيقتلك ويقتل عائلتك ويمحو هذا العالم إن لم أجعل 'عرضه' ممتعاً بما يكفي."

تغيرت الهالة المحيطة بسونغ جين-وو فوراً؛ أصبحت ثقيلة وباردة كالموت، وتركزت عيناه الأرجوانيتان على وجه مين-هو بصدمة وغضب عارم: "ماذا؟! هل تجرأ على تهديدك بي؟"

هز مين-هو رأسه بيأس، ثم توقف تماماً عن السير وهو ينظر إلى علبة المثلجات الفارغة في يده: "هذا ما حدث.. ولهذا السبب، اتخذت قراري. سونغ جين.. سوف أغادر هذا العالم."

سقطت الملعقة من يد جين-وو لترتطم بالأرض بصوت مسموع، وهمس بذهول: "ماذا تقصد بمغادرة العالم يا مين-هو؟ إلى أين؟"

ركز مين-هو عينيه في أعين جين-وو، وقال بصوت حازم: "كما سمعتني يا أخي.. سأغادر لألتقي بـ 'سيد القدر' في عقر داره. لقد حان الوقت لإنهاء هذه اللعبة بشكل نهائي."

وبحركة من إصبعه، أظهر مين-هو لوحة نظام زرقاء أمام أعين جين-وو، الذي استطاع رؤيتها بوضوح هذه المرة. كانت مكتوبة بخط أحمر كبير: [مهمة خاصة: لقاء سيد القدر].

تنهد جين-وو بعمق، وشعر بثقل الفراق يقترب، فقال بخفوت: "افعل ما تراه مناسباً.. ولكن، هل ستعود؟"

هز مين-هو رأسه ببطء، وعلامات الوداع ترتسم على وجهه: "كلا.. لا أظن ذلك."

خفض جين-وو رأسه، محاولاً إخفاء مشاعره، ثم قال بإصرار: "لا بأس، لكنني لن أتركك تذهب وحدك. سأذهب معك لمساعدتك في سحق هذا الكيان."

ابتسم مين-هو بعاطفة صادقة، ووضع يده على كتف جين-وو: "شكراً لك يا جين-وو. صدقني، أفضل شيء حدث لي في الحياتين اللتين عشتهما هو معرفتي بك. لكن أرجوك.. "

"عش هذه الحياة التي تمنيتها دائماً. عد إلى عائلتك، استمتع بسلام لم يعرفه 'ملك الظلال' قط. أما أنا اتركني أنهي ما علي فعله وحدي."

ضغط جين-وو على قبضته بقوة حتى تساقط منها الدماء، ثم زفر نفساً طويلاً كأنه يفرغ كل غضبه: "حسناً.. اذهب الآن. لكن عليك أن تعدني بشيء واحد.. تناول العشاء الأخير مع عائلتي اليوم. لا أريد أن ترحل هاكذه."

ابتسم مين-هو ابتسامة واسعة أعادت له ملامح الفتى المرح، وأكمل السير بجانب صديقه: "لا بأس.. سيشرفني هذا حقاً. لنرى ما إذا كانت والدتك قد طهت الحساء الذي أحبه."

2026/04/21 · 26 مشاهدة · 1536 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026