5 - الفصل الخامس: إرث القوة ومأساة القدر

الفصل الخامس: إرث القوة ومأساة القدر

استيقظ رين على صوت المطر الخفيف وهو يطرق سقف الكوخ، رائحة الأرض الرطبة تملأ المكان، لكنها لم تستطع إخماد الإحساس بالثقل في صدره. أول ما رآه كان وجه العجوز شياو لان، وجهًا يحمل ندوب الزمن وأثقاله، لكنه اليوم بدا أكثر إنهاكًا، وأكثر نقصًا… كان ذراعها الأيسر مفقودًا.

الواقع ضربه بقوة، كأن سيفًا بارده اخترق عموده الفقري.

"لقد فقدتِ يدك… بسببي."

كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت في طياتها وزن جبل. لم يكن مجرد تعبير عن الذنب، بل اعتراف ضمني بأنه كان مصدر الخراب لمن حوله. عيناه كانتا ثابتتين على مكان الذراع المبتورة، حيث لا تزال بقايا الضمادات ملطخة بالدم.

شعر كأن قلبه يضيق في صدره، كأن الهواء صار أثقل، كأن نظرته نحو يدها المفقودة تحمل صدى كل الأخطاء التي لم يرتكبها بعد. لأول مرة، شعر أن روحه نفسها مثقلة بشيء لم يكن قادرًا على وصفه، شيء يشبه الندم، لكنه أعمق… كأن خسارة يدها لم تكن مجرد حدث، بل لعنة ستطارده إلى الأبد

ابتسمت العجوز، لكنها لم تكن ابتسامة تهدئة، بل ابتسامة من اعتاد على فقدان الأشياء دون رجعة.

"لا تكن أحمق يا فتى، اليد ليست سوى أداة، والأدوات تفقد وتستبدل. المشكلة الحقيقية ليست فيما خسرته، بل فيما لا تزال تجهله."

رفع رين عينيه نحوها، نظرة مظلمة تملؤها المشاعر المتضاربة.

"لكني كنت السبب… لو لم أكن موجودًا، لما كنتِ فقدتِ يدك."

قهقهت العجوز ضاحكة، كأن رده كان مزحة سخيفة.

"إذن؟ هل تظن أنك قادر على تجنب الألم بمجرد اختفائك؟ هذه هي حماقة الضعفاء، يظنون أن عدم الوجود هو حل للمأساة. لكن الحقيقة، يا رين، أن المأساة ستحدث سواءً كنت هنا أم لا. العالم لن يتوقف عن كونه قاسيًا لمجرد أنك قررت ألا تكون جزءًا منه."

سادت لحظة صمت، قبل أن تكمل بصوت أكثر جدية:

"الآن، إن كنت تريد التعويض عن شيء، لا تضيع وقتك في الحزن العقيم. بدلًا من ذلك، اجعل نفسك قويًا بما يكفي حتى لا يضطر من حولك لدفع الثمن بدلًا منك."

كلماتها غرست في صدره كإبر مسمومة. شعر بالحزن، لكنه شعر أيضًا بشيء آخر… إرادة مشتعلة في داخله، كأن تلك الكلمات أيقظت جزءًا منه لم يكن يعلم بوجوده.

تنهدت العجوز، ثم نظرت إليه بعينين غائرتين وقالت:

"ارتَح الآن يا رين، ودعنا نكمل حديثنا غدًا… سوف نتحدث حين تستعيد قوتك."

في الخارج، كانت السماء ملبدة بالغيوم، تخفي نور القمر خلف ستارها الرمادي، لكن بين الفجوات الداكنة، تسللت بعض النجوم، تلمع كعيون خفية تراقب الأرض بصمت. رائحة المطر القديم امتزجت مع عبق الأشجار العتيقة، والهواء البارد حمل معه إحساسًا غريبًا، كأن الزمن قد توقف للحظات.

تحت شجرة قديمة ذات أغصان ممتدة كالأذرع المتشابكة، جلست العجوز شياو لان بهدوء، عيناها تراقبان الظلام المحيط بها وكأنها تبحث عن شيء وسط العتمة. كان وجهها في بعض التجاعيد وبعد العلامات كل الخطوط، لكن تلك الخطوط لم تكن مجرد آثار للزمن، بل كانت سجلات للحروب، للأحزان، وللحكم التي استخلصتها من حياة طويلة.

كانت عيناها رماديتين، باردتين كصقيع الشتاء، لكن في أعماقهما توهج خافت، كأنهما لا تزالان تحملان بريقًا من قوة قديمة لم تندثر بعد. أنفاسها كانت هادئة، لكنها لم تكن في استرخاء… بل كانت مثل حارس مخضرم يعرف أن العالم لا يمنح لحظات الراحة دون مقابل.

من بين ظلال اليل ظهر رين

كانت خطواته هادئة، لكنه لم يكن يحاول إخفاء وجوده. تحركاته كانت طبيعية، لكنها في الوقت ذاته حملت إحساسًا غريبًا، كأنه لا ينتمي لهذا العالم، كأن الأرض بالكاد تعترف بوجوده. كان جسده نحيفًا لكنه لم يكن ضعيفًا، بل كمن حمل بعبء ثقيل جعل مظهره متصلبًا. ع

كان شعره الأسود الطويل ينسدل على كتفيه بطريقة فوضوية لكنها مهيبة، وملامحه كانت حادة، كأنها نحتت بسكاكين القدر نفسه. عيناه كانتا سوداوين مظلمتين، تخفيان أكثر مما تظهران، لكنهما لم تعكسا براءة، بل صمتًا ثقيلًا، أشبه بصمت شخصٍ أدرك أن العالم لن يمنحه الرحمة أبدًا. لم يكن هناك أثر لطفولة بريئة في وجهه… فقط مزيج من الحزن العميق

توقف أمام العجوز دون أن ينطق بكلمة، كان الصمت بينهما يحمل معاني كثيره اكثر ما قد تحملها الكلمات

"أنت لم تأتِ هنا لتنام، صحيح؟"

جلس رين على الأرض بجانبها، لم يكن هناك أي ضوء سوى ضوء القمر المنعكس في عينيه.

"النوم ترف لا أملكه،" قال بصوت خافت.

ضحكت العجوز، وكأن كلماته أثارت ذكرى قديمة في ذهنها.

"لطالما كان النوم رفاهية لمن يدركون قسوة العالم، لكن، يا رين… العالم لا يهتم بمن ينام أو يستيقظ. سواءً كنت في راحة أم في عذاب، فإن الزمن سيمضي، ولن ينتظرك أحد."

نظر رين إلى السماء، حيث كانت النجوم متناثرة كحروف مكتوبة على جلد الليل.

"أحيانًا، أتساءل… هل نحن من نختار طريقنا، أم أن الطريق قد كتب قبل أن نبدأ بالسير فيه؟"

ابتسمت العجوز، لكنها لم تكن ابتسامة ساخرة هذه المرة، بل ابتسامة شخص يعرف إجابة السؤال لكنه يعلم أنه لا فائدة من قولها.

"الاختيار؟ الاختيار وهم اخترعه الضعفاء ليشعروا أن لديهم سلطة على مصائرهم. لكنك… أنت من أولئك الذين لا يسيرون في الطرق المرسومة، بل أولئك الذين يصنعونها بأنفسهم. أنت لا تحتاج إلى اختيار، لأن وجودك بحد ذاته هو كسر للخيارات."

صمت رين لبرهة، ثم قال بهدوء:

"إذن، هل القوة هي السبيل الوحيد؟"

أجابت العجوز بصوت ثابت:

"القوة ليست سبيلًا… بل هي النتيجة الحتمية لمن يدركون أن العالم لا يمنح سوى أولئك القادرين على أخذه بالقوة. إن كنت تريد شيئًا، فخذه، وإن لم تستطع، فاعلم أنك لم تكن جديرًا به منذ البداية."

ثم سالت العجوز ها رين هل تريد انا تعرف ما هي القوه الحقيقة لهذه العالم

نظر اليها رين بعين كانت تريد ان تلتهم الكلمات من فمها

ضحكت العجوز ثم كسرت عصا من خصن الشجرة

وبدأت ترسم بها اشكالا دائرية علي الارض المبللة

"القوة هنا ليست شيئًا يمكن لأي شخص امتلاكه. البشر العاديون يعيشون ويموتون دون أن يلمسوا جوهر القوة. لكن هناك استثناءات… أشخاص يولدون بموهبة، أشخاص لديهم القدرة على التدريب الشاق والسير في المسارات."

رفع رين حاجبه قليلًا، وقال:

"المسارات؟"

ابتسمت العجوز، لكنها لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة شخص يحمل عبئًا ثقيلًا.

"نعم، المسارات… يمكن القول إنها جوهر كل قوة في هذا العالم. البعض يسميها اعلي مستوي لطاقه، والبعض الآخر يراها كسبيل للوصول إلى فهم أعمق للحياة. لكنها، في جوهرها، قوانين تحكم كيف يمكن للمرء تجاوز حدوده."

رسمت العجوز دوائر صغيرة متصلة بخطوط مستقيمة، ثم أشارت إليها بعصاها.

"المسارات الطبيعية… هي المسارات التي تتناغم مع قوانين العالم. مثل مسار النار، الماء، الرياح، الظلال… هذه المسارات يمكن لأي شخص أن يتقنها لنها متوافقة مع العالم، لكنها تتطلب سنوات من التدريب والتفاني."

ثم رسمت دائرة منفصلة، بعيدة عن البقية.

"لكن هناك مسارات أخرى، مسارات لا تتبع القوانين المعتادة. هذه المسارات نادرة، وغالبًا ما تكون ملعونة، لأنها لا تتناسب مع نظام العالم نفسه."

نظر رين إلى الرسم بعينين متفحصتين، قبل أن يسأل:

"كم عدد من أكملوا مساراتهم؟"

تنهدت العجوز ببطء وقالت:

"قليلون… قليلون جدًا. معظم الناس يسيرون في مساراتهم، لكن القليل فقط يصل إلى نهايتها. والبعض الآخر… يضيعون في الطريق."

صمت رين قليلًا، ثم سأل بصوت خافت:

"وأي مسار أنتمي إليه؟"

هنا، توقفت العجوز للحظة، عيناها ثبتتا على وجهه، لكن في داخلها كان الصراع أكبر مما أظهرته ملامحها.

(مساره… لا ينتمي إلى هذا العالم. إنه ليس مسارًا يتناغم مع القوانين، بل مسار يلتهمها. وجوده بحد ذاته تهديد… ليس للمسارت فقط، بل للمفهوم ذاته الذي بني عليه هذا العالم.)

لكنها لم تقل ذلك. أبقت أفكارها داخلها، وأخفتها خلف ابتسامة هادئة.

"ستعرف ذلك عندما يحين الوقت. ليس الآن، ولا قريبًا. المسارات ليست مجرد طريق يسلك، بل مرحلة يصل إليها الإنسان عندما يكون وصل لأعلى قوته وتخطي حدوده ."

رين لم يكن راضيًا عن الإجابة، لكن حدسه أخبره أنها تخفي أكثر مما تقول. ومع ذلك، لم يضغط عليها، بل نظر إليها نظرة هادئة، وكأنه يخبرها أنه سيفهم الأمر بطريقته الخاصة.

وبعد لحظات من الصمت، سألها:

"وماذا عنكِ؟ ما هو مسارك؟"

هنا، تغيرت ملامح العجوز قليلًا، كأن السؤال أيقظ فيها ذكريات قديمة.

أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها مجددًا وقالت بصوت هادئ:

"مساري؟ إنه مسار النسيان… مسار أولئك الذين يراقبون العالم دون أن يراهم. مسار أولئك الذين لا يملكون مكانًا ثابتًا، ولا يبحثون عن مجد أو قوة، بل عن فهم أعمق لشيء لا يمكن للكلمات أن تصفه."

رين نظر إليها للحظة طويلة، ثم قال بصوت منخفض:

"أن تكون غير مرئي… هل هو نوعٌ من الضعف؟"

قهقهت العجوز، لكن هذه المرة كانت ضحكتها أكثر غرابة.

"يا فتى… الضعف ليس في أن تكون غير مرئي، بل في أن تعتقد أن الظهور يعني القوة. أحيانًا، تكون اليد الخفية أقوى من السيف الظاهر. أحيانًا، يكون من يراقب أقوى ممن يتحرك."

صمت رين للحظة، ثم قال بصوت هادئ:

"لكن في النهاية، حتى الظل لا يستطيع البقاء مختفيًا إلى الأبد."

نظرت إليه العجوز بعينين مليئتين بالدهشة للحظة، ثم ابتسمت بصمت.

هذا الفتى… حتى وإن لم يصل إلى مرحلة الحكمة الحقيقية بعد، إلا أن طريقه لم يكن طريق طفل عادي.

السلام عليكم انا محمد مالف هذه الروايه اتمني تنال اعجابكم حتي اقوم بنشر المزيد تفعالو معها

هذا معرفي تليجرام

LGSLGL@

هذا معرف الانستا

lgslgl

2025/02/12 · 108 مشاهدة · 1392 كلمة
نادي الروايات - 2026