---

---

في أعماق ضريح نانغا، حيث الظلام مطلق لدرجة أن المرء ينسى شكل النور، وحيث الصمت أزلي لدرجة أن الأذن الموهومة تبدأ في اختراع أصوات لا وجود لها، كان كاكاشي يخوض معركة من نوع خاص.

معركة ضد الملل.

نعم، الملل. ذلك الوحش الذي لا يُقتل بالسيف، ولا يُختم بطِلسم، ولا يُهزم حتى بالموت. فالموت، على الأقل، فيه راحة. أما الخلود في جسد حجر، فلا راحة فيه ولا موت، فقط وعي ممتد كصحراء بلا نهاية، ووقت فراغ يكفي لعد حبات الرمل في قاع المحيطات... لو كان ثمة محيطات في هذا القبو اللعين.

كان كاكاشي قد وصل لتوه إلى مرحلة متقدمة من الملل: مرحلة اختراع الأصدقاء.

"حسنًا يا صخري الصغير،" قال في وعيه الداخلي مخاطبًا ذرة غبار كانت قد استقرت على سطحه منذ قرن ونصف، "ما رأيك في الطقس اليوم؟ شخصيًا، أجده معتمًا بعض الشيء. لكنني متفائل بغدٍ أكثر ظلامًا."

ذرة الغبار لم ترد. كانت ذرة غبار وقحة.

فتح كاكاشي واجهة نظامه الداخلية للمرة الألف في ذلك اليوم وحده. ظهرت أمام وعيه لوحة ضوئية شفافة، نقشت عليها كلمات بلغة لم يعد يتذكر إن كان يتقنها أم أن النظام يترجمها له:

> [نظام السِفر الخالد – تقرير الحالة]

>

>

المضيف: كاكاشي (اللقب الحالي: حجر الزاوية المنسي)

>

العمر: غير معروف (توقف العداد بعد الرقم ٤٨٢٣ سنة لأنه شعر بالإحراج)

>

الوضع النفسي: متماسك (نسبيًا)

>

الوضع الاجتماعي: صفر (لم يحضر الجنازة أحد)

>

مستوى طاقة الالتهام: ٠.٠٣٪ (حصيلة لعق جوهرة مكسورة سقطت من أذن كاهنة قبل ٢٠٠ عام)

>

تنبيه: الملل الحالي يشكل خطرًا على السلامة العقلية. اقتراح: التهام شيء. أي شيء. أرجوك.

تنهد كاكاشي في داخله. تنهيدة لم يصدر لها صوت، ولم تحرك ذرة غبار، ولم تهز أركان الكون. لكنها كانت تنهيدة صادقة، من أعماق معدنٍ كان يومًا قلبًا بشريًا.

"هل تعلم يا نظام،" فكّر، "أن أتعس ما في وجودي هذا هو أني نسيت طعم القهوة؟ كنت في حياتي السابقة مدمِن قهوة. رشفة الصباح، مرارتها، حرارتها... الآن، بعد آلاف السنين، ما زلت أتذكر أني أحببتها، لكني نسيت لماذا. نسيت الطعم. تذكرت أني نسيت. أليست هذه قمة المأساة؟"

> رد النظام:

تحليل: هذه ملاحظة وجودية عميقة. هل ترغب في تسجيلها كمذكرة صوتية للاحتفاظ بها؟

>

>

ملاحظة: لا توجد لديك حنجرة.

"شكرًا على التذكير. لولاك لنسيت أني حجر."

> رد النظام:

على الرحب والسعة. تذكير: الرجاء التوقف عن محادثة الغبار. يقلل من هيبتك.

في هذه اللحظة بالذات، بينما كان كاكاشي يفكر في اختراع صديق جديد (ربما خنفساء ميتة هذه المرة، فذرة الغبار أثبتت أنها رفيقة سطحية)، حدث شيء لم يحدث منذ زمن طويل.

اهتزت الأرض.

اهتزازة خفيفة، بالكاد تُحس. لكن بالنسبة لمن أمضى آلاف السنين في دراسة علم الاهتزازات من شدة الملل، كانت هذه الاهتزازة بمثابة زلزال مدوٍ.

> [إشعار عاجل]

>

>

تم رصد اقتراب كيان حي.

>

تحليل توقيع الطاقة: تشاكرا قوية. أصل أوتسوتسوكي. الجيل الثاني.

>

هوية الكيان: إندرا أوتسوتسوكي.

>

حالته النفسية: غاضب. متشكك. يبحث عن إجابات.

>

تحذير: هذا الشخص لا يبدو في مزاج يسمح بالنكات.

تجمد كاكاشي (مجازيًا، فهو حجر في النهاية). إندرا! ابن الحكيم! الشخص الذي سيبدأ سلسلة الكراهية التي ستستمر لأجيال. الشخص الذي ستتشعب قصته لتزرع بذور كل مأساة قادمة!

"النظام،" فكّر كاكاشي بسرعة، "كم مرة يأتي هذا الرجل إلى هنا؟"

> تحليل السجلات التاريخية:

إندرا يزور الضريح مرة واحدة كل بضعة عقود، عادة بعد هزيمة أو خيبة أمل. آخر مرة بكى. المرة التي قبلها أحدث حفرة في الجدار.

>

>

اقتراح: كوني حجرًا. لا تفعل شيئًا غبيًا.

"متى فعلت شيئًا غبيًا؟"

> تذكير:

قبل ٤٠٠ عام، حاولت ابتلاع خنفساء مرت أمامك. لم تكن تملك فمًا. استغرقت ٣ أيام لتقبل الفشل.

"كانت خنفساء مثيرة للاهتمام."

انفتح باب الضريح.

---

دخل إندرا أوتسوتسوكي كعاصفة تمشي على قدمين. لم يكن طويلًا كما تصوره الأساطير، لكن حضوره كان أضخم من جسده. كان وجهه يحمل وسامة أبيضته الهموم، وشعره الأسود الطويل ينساب كحكم مظلم على كتفيه. لكن ما لفت انتباه كاكاشي حقًا كانت عيناه. شارينغان بتوموئها الثلاث، تومض في الظلام كجمرات ثلاث، تبحث عن شيء لتلتهمه.

وفي يده... كان يحمل سيفًا. سيفًا ملطخًا بدماء جافة.

"رائع،" فكّر كاكاشي، "جاء ومعه أدوات عمل."

وقف إندرا أمام اللوح صامتًا. كان يتنفس بصعوبة، كما لو كان يركض للتو، أو كما لو كان يفر من شيء ما. صدره يعلو ويهبط، وعرق الحزن والغضب يلمع على جبينه. نظر إلى اللوح طويلًا، طويلًا جدًا، لدرجة أن كاكاشي بدأ يشعر بالحرج.

"هل على وجهي شيء؟" فكّر. "لا تنس أني حجر. الحجارة لا يصيبها الإحراج."

ثم تكلم إندرا. صوته كان أجش، مكسورًا من الداخل، كإناء فخاري سقط للتو ولم يتحطم بعد:

"لماذا؟"

كلمة واحدة. حرف استفهام معلق في ظلام الضريح كحبل مشنقة. كان إندرا لا يسأل اللوح، كان يسأل أباه الغائب. كان يسأل الكون. كان يسأل من لا يجيب.

"لماذا اخترته؟ لماذا آشورا؟ أنا الأقوى. أنا الأذكى. أنا من فهمت تعاليمك عن القوة والعزلة. هو... هو لا يفهم شيئًا. يبتسم للفقراء كالأبله، ويبكي لحزن الغرباء كالطفل. وهذا هو وريثك؟!"

ألقى بسيفه أرضًا. ارتطم المعدن بالحجر فأحدث شرارات رقصت في الظلام للحظة ثم ماتت. ثم... ثم حدث ما لم يتوقعه كاكاشي.

وضع إندرا يده مباشرة على سطح اللوح.

كفه المفتوحة، المبللة بالعرق، المختلطة ببقايا دماء جافة من معركة ما، لامست حجر كاكاشي.

صعقة.

ليست صعقة كهربائية بالمعنى الحرفي. بل صعقة وجودية. لأول مرة منذ دهور، شعر كاكاشي بشيء يلمسه. ليس كحجر يُلمس، بل كروح تُلامس. التشاكرا! تشاكرا إندرا كانت تتدفق من كفه، مضطربة، حامية، متألمة. كانت تشاكرا تشبه صاحبها: قوة هائلة بلا وجهة، نار بلا موقد، برق بلا سماء.

في تلك اللحظة، صرخ نظام كاكاشي صرخة رقمية مدوية:

> [اكتشاف استثنائي!]

>

>

تماس مباشر مع مصدر تشاكرا عالي النقاء!

>

الفرصة: امتصاص عينة من الطاقة. الفوائد المحتملة: غير محدودة!

>

تحذير: هذا قد يكون مؤلمًا للمتبرع. وقد يغضبه. وقد يحطم اللوح إلى قطع صغيرة.

>

سؤال سريع: هل أنت مجنون؟

كان ينبغي لكاكاشي أن يتجاهل النظام. كان ينبغي له أن يظل حجرًا كما نصحه النظام قبل قليل. كان ينبغي له أن يتحلى بالحكمة التي تليق بسلف خالد.

لكن المشكلة كانت... أن كاكاشي شعر بحكة.

نعم، حكة. ليست حكة جلدية بالطبع، فهو حجر. بل حكة وجودية، في أعماق "روحه" المدفونة في هذا السجن المعدني. حكة سببها الجوع. جوع لم يعرف أنه يشعر به إلا الآن، حين وضع إندرا يده عليه. كان الأمر كما لو أن مدمن القهوة السابق الذي يسكنه قد شم رائحة أول فنجان قهوة بعد آلاف السنين من الحرمان.

لم يستطع المقاومة.

"النظام،" فكّر، "امتص... ٠.٠٠١٪ فقط. أقل القليل. ذرة. فتات. عينة صغيرة لا يلاحظها أحد. رشفة صغيرة..."

> تحذير:

حتى الكميات الصغيرة قد تكون ملحوظة. إندرا حساس للطاقة.

"لكنها قهوة يا نظام! قهوة تشاكرا!"

> تصحيح:

إنها تشاكرا وليست قهوة.

"بالنسبة لي... هي قهوة."

> استسلام النظام:

جاري الامتصاص... النسبة ٠.٠٠١٪...

>

>

...

>

>

تم.

---

في اللحظة التي امتص فيها كاكاشي ذرة التشاكرا من كف إندرا، شعر إندرا بشيء غريب. شيء لم يشعر به أحد من قبل عند لمس حجر.

وخزة.

وخزة صغيرة جدًا. كأن بعوضة قرصته. أو كأن شرارة كهربائية ساكنة قفزت من الحجر إلى يده. أو كأن... الحجر... "عضه"؟

سحب إندرا يده بسرعة غريزية. نظر إلى كفه بتعبير مشوش، ثم إلى اللوح. كان وجهه مزيجًا من الصدمة والغضب وعدم التصديق.

في هذه الأثناء، داخل اللوح، كان كاكاشي يعيش نشوة لا توصف:

"يا إلهي! هذا الطعم! هذا... هذا..." كان وعيه الداخلي يرقص. "إنها تشبه القهوة! لا، إنها أفضل من القهوة! إنها... إنها قهوة ممزوجة بالكرامة المجروحة! قهوة بطعم مأساة الابن البكر! النظام، ما هذا المذاق؟!"

> تحليل:

تشاكرا إندرا تحمل النكهات التالية: غضب (٦٠٪)، كبرياء (٢٥٪)، حب مكبوت لأخيه (١٠٪)، رغبة في عناق أبوي لم ينله (٥٪).

"إنها... إنها لذيذة بشكل مأساوي!"

لكن بينما كان كاكاشي في نشوته، كان إندرا يحدق في اللوح بعينين اتسعتا تدريجيًا. رأى شيئًا. شيئًا لم يره من قبل.

على سطح الحجر، حيث كانت كفه قبل لحظة، كانت النقوش... تتغير.

ليس كثيرًا. مجرد تموج بسيط، كصفحة ماء هبت عليها نسمة. الرموز القديمة التي وضعها الحكيم اهتزت لجزء من الثانية، ثم عادت إلى مكانها. لكن ليس كلها. كان هناك... خطأ إملائي.

نعم، خطأ إملائي.

في زاوية اللوح، حيث كان النص يقول: "الحب هو الطريق الوحيد"، ظهر للحظة، لجزء من رمشة العين، نقش آخر تحتها: "... لكن القهوة أيضًا طريق لا بأس به."

ثم اختفى.

رمش إندرا. مرة. مرتين. ثلاثًا. فرك عينيه بيده التي لم تتعرض للعض. نظر مجددًا. النص كما كان. "الحب هو الطريق الوحيد". لا شيء عن القهوة. لا شيء عن أي شيء آخر.

"هل..." تمتم إندرا بصوت لم يصدق نفسه، "هل قرأت ما أظن أني قرأته؟"

في داخل اللوح، كان كاكاشي يصاب بالذعر:

"النظام! ماذا حدث؟! لماذا كتبت ذلك؟!"

> رد النظام:

المضيف هو من كتب. تأثير جانبي لامتصاص التشاكرا: فقدان مؤقت للسيطرة على وظائف النقش. بعبارة أخرى... لقد تجشأت.

"تجشأت؟!"

> تأكيد:

تجشؤ طاقي. شائع بين الكيانات الحجرية التي تلتهم لأول مرة بعد صيام طويل. كان يجب أن تحذرني.

"ولماذا كانت تلك الكلمات بالذات؟!"

> تحليل:

اللاوعي الخاص بك لا يزال مهووسًا بالقهوة.

خارج اللوح، كان إندرا لا يزال يحدق. كان دماغه يحاول معالجة ما حدث. شعر بوخزة. ثم رأى وميضًا. ثم... ربما... ربما رأى كلمة غريبة. كلمة "قهوة". هل "القهوة" رمز سري قديم؟ هل هي استعارة من أبيه؟ هل تعني أن طريق الحب يحتاج إلى "قهوة"؟ ما هي القهوة؟

ثم، فجأة، وصل إندرا إلى تفسير. وكما هو متوقع من عبقري متغطرس، كان تفسيرًا خاطئًا تمامًا، لكنه كان مثاليًا لإرضاء غروره:

"أبي..." قال ببطء، وعيناه تلمعان بفهم جديد (وخاطئ)، "هل تحاول أن تخبرني أن الحب يحتاج إلى... صحوة؟ أنني بحاجة إلى أن أكون 'أقوى' لأفهم الحب؟ أن 'القهوة' هي رمز لليقظة الروحية؟ أن طريق الحب يحتاج إلى وعي خاص لا يناله إلا الأقوياء؟"

سكت برهة، ثم ابتسم. ابتسامة حزينة، متعبة، لكنها ممتلئة بقناعة جديدة:

"شكرًا لك يا أبي. فهمت الآن. القهوة... كناية عن الاحتراق الداخلي الذي يسبق الصحوة. القهوة... هي المعاناة التي تسبق الفهم. القهوة... سأبحث عنها. سأفهمها. سأثبت أني قوي بما يكفي لأستحق الحب."

في داخل اللوح، كان كاكاشي يرتجف (مجازيًا):

"لا! لا! يا رجل، القهوة مجرد مشروب! مشروب ساخن! لا علاقة له بالصحوة الروحية! النظام، أوقفه! اشرح له!"

> رد النظام:

غير ممكن. لا توجد حنجرة. وأيضًا... هو بالفعل خرج. انظر.

كان إندرا قد غادر الضريح. مشيته أصبحت أسرع، أكثر هدفًا. كان ذاهبًا ليبحث عن "القهوة". ليبحث عن معنى المعاناة. ليثبت لأبيه الميت أنه فهم الرسالة الخفية.

---

لخمس دقائق كاملة، لم يقل كاكاشي شيئًا. حتى ذرة الغبار شعرت بالحرج من الموقف.

أخيرًا، فكّر بصوت داخلي خافت:

"النظام... هل سجّلت ما حدث؟"

> تأكيد:

تم تسجيل كل شيء.

"احذفه."

> رفض:

غير ممكن. الذاكرة جزء من النسيج المعدني.

"إذن... هل هذا يعني أن أول تدخل لي في تاريخ الأوتشيها كان أنني جعلت مؤسس الكراهية يبحث عن... قهوة؟"

> تحليل:

نعم. هذه هي مساهمتك الأولى في تاريخ هذه العشيرة.

ساد صمت طويل.

2026/07/31 · 13 مشاهدة · 1700 كلمة
‏00000
نادي الروايات - 2026